الرجاء من قراء هذا السفر النفيس والعاملين عليه لا سيما أولي الألباب والبصائر النافذة الدعوة الحسنى وأن ينظروا في تصحيحه وتنقيحه بعين العناية والرضا لأن : عين الرضا عن كل عيب كليلة واللَّه ولي الحق والمدافع عن الذين آمنوا وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وأنا أحوج خلق اللَّه إلى رحمة ربه الباري محمد الخواجوي أحسن اللَّه حاله في الأيام والليالي آمين .

بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللهم يا من بيده ملكوت الأرض والسماء وإليه يتشوق ويدور الأشياء يا حي يا قيوم إياك نروم ولك نصلي ونصوم أنت قيام الوجود وفائض الخير والجود ومنزل البركات والخيرات وغاية الميول والحركات ومبدأ الأشراق ومنتهى الأشواق ومدبر الأمور ونور النور وواهب حياة العالمين وجاعل السماوات والأرضين أيّدنا بأنوار كلماتك ونور قلوبنا بأسرار كتابك وآياتك وطهر نفوسنا من غسق الطبيعة والجهالة وأخرجنا من رجس عالم الظلمات إلى مشاهدة أنوارك ومعاينة أضوائك ومجاورة مقربيك ومصاحبة سكان ملكوتك ومسبحيك واحشرنا مع النبيين والصديقين سيما محمد المبعوث إلى كافة الخلائق أجمعين وأهل بيته الأطهرين الأنجبين عليهم أشرف صلاة المصلين وأزكى تسليمات المسلمين .

أما بعد فيقول أنزل خلق اللَّه وأحوجهم إلى كرامة رب العالمين « محمد المدعو بصدر الدين »

« هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ »

هذِه ِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ »

هذه أنوار علوم إلهية وأسرار مسائل ربانية ومقاصد قرآنية مستفادة من آيات الكتاب المبين النازل إلى الخلق من عند رب العالمين وهي مفاتيح ينفتح بها باب الجنة والرضوان ويظهر بها كنوز خزائن الرحمن ويعاين بها جواهر عالم الملكوت وينكشف بها أنوار عالم الجبروت فيها قرة عيون السالكين وشفاء صدور المؤمنين الموحدين ومرض لقلوب الجاحدين المنكرين وفيها
هدى للمتقين وعمي وغشاوة على أبصار المنافقين المتكبرين ، يُضِلُّ بِه ِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِه ِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِه ِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وسميتها

« بأسرار الآيات وأنوار البينات »

وجمعتها في مقدمة وأطراف مشتملة على مشاهد .

المقدمة
في بيان طريق السالكين إلى اللَّه ومنهج الراسخين في العلم وفيها عدة قواعد .
قاعدة

في أن رأس السعادات ورئيس الحسنات هو اكتساب الحكمة الحقة

أعني :

العلم باللَّه وصفاته وأفعاله وملكه وملكوته والعلم باليوم الآخر ومنازله ومقاماته من البعث والحشر والكتاب والميزان والحساب والجنة والنار

وهي الإيمان الحقيقي والخير الكثير والفضل العظيم المشار إليه

في قوله تعالى « وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » وقوله تعالى : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِه ِ وَيُزَكِّيهِمْ إلى قوله « وَا للهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وقوله تعالى : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْه ِ مِنْ رَبِّه ِ . . . »

إلى آخر الآية والإشارة إلى

أن الكفر والضلال مقابل هذا العلم أعني الجهل بهذه المعارف .

قوله : « وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِه ِ وَكُتُبِه ِ وَرُسُلِه ِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً »

فظهر أن الاعتقاد بهذه الأمور هو الإيمان الحقيقي وبه يحصل الكرامة عند اللَّه والزلفى لديه . وذلك لأن الإنسان باكتساب هذه العلوم الإلهية يصير من حزب الملائكة المقربين بعد ما كان من جنس الحيوانات المبعدين لما تقرر في مقامه بالبرهان :

أن النفس الناطقة يترقى في الاستكمالات العلمية من حد العقل الهيولاني الذي هو جوهر نفساني بالفعل لكنه مادة روحانية

إلى حد العقل بالفعل وهو جوهر عقلي نوراني فيه صور جميع الموجودات على وجه مقدس وهو نور يتراءى فيه الأشياء كما هي وإنما يحصل له هذا العقل البسيط والنور الشريف بالنظر في حقائق الموجودات والتدبر في آيات اللَّه الكائنة في الأرض والسماوات لا بالإعراض عنها كما قال :

« وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ » ومما يدل على وجوب النظر والتفكر واكتساب الحكمة والمعرفة قوله :

« قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ » وقوله :

« أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَه ُ يُؤْمِنُونَ » وفي هذه الآية دلالة على أن حياة الإنسان بعد الموت والمفارقة عن هذه النشأة الزائلة بالمعارف والتصديق بحقائق الأشياء كما هي وقوله :

« قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ » .

وهذا السير المأمور به ليس إلا السير الفكري والحركة المعنوي دون تعب الجوارح وستعلم بيان ما أشرنا إليه من أن بناء النشأة الآخرة للإنسان وعمارتها إنما هي بما يتقرر في نفسه من صور الاعتقادات وقوله :

« أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ » ثم إنه قد مدح اللَّه الناظرين في ماهيات الأشياء والمتفكرين في خلق السماوات والأرض والذاكرين للَّه من ملاحظة آثار صنعه وجوده في مواضع كثيرة : كقوله

« وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ » وقوله تعالى:

« الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ » والإشارة إلى العروة الوثقى والعمدة العظمى في التقرب إلى اللَّه والفوز بالسعادة الأخروية هي اقتناء العلم والمعرفة دون مجرد العمل والطاعة وإن كان العمل الصالح وسيلة إليه وأنها هي الثمرة والغاية والعمل كالزرع وهي النتيجة والعمل كالمقدمة وهي المخدومة والسلطان والعمل كالخادم والعبد والأجير قال :

« إِلَيْه ِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه ُ » وقال :

« لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ » وقال تعالى :

« أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ » .

ففيه إشارة إلى أن فعل الصلاة وفعل الحج الذين هما عمدتا الأعمال البدنية والطاعات ليسا مثل الإيمان واليقين بالأمور المذكورة . وقال:

« الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِه ِ وَكُتُبِه ِ » هذا تعريف المؤمن ولم يدخل في حده إلا هذه المعارف الحقيقية لا شيء من الأعمال فلو فرض حصول هذه المعارف على وجهها في قلب أحد من الآدميين من دون عمل حسنا كان أو قبيحا لكان مؤمنا حقا فائزا بالسعادة الحقيقية من غير قصور وخلل في إيمانه . وهذا وإن كان مجرد فرض لكن الغرض التنبيه على أن العرفان هو الأصل والعمود والعمل فرع له .

وقد حث سبحانه عباده في كثير من الآيات على اكتساب العلم بالنظر والاعتبار والتأمل في أفعاله والتدبر في آياته وآثاره مثل قوله :
« فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ » وقوله :

« أَوَلَمْ يَنْظُرُوا ، أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا » وقوله :

« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ » وقوله :

« إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ » وقوله :

« وَفِي الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ » .

 

المحور المصري –تلكرام
https://t.me/Mehwar_Masr

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here