*مصطفى قطبي

 مع حلول شهر أكتوبر من كل عام تسترجع الأمة العربية ذكريات عزيزة غالية تجلت فيها أسمى معاني الوحدة العربية وبدأ أن التاريخ يكتب صفحة جديدة ناصعة البياض في كتابه، صفحة تخص العرب والمسلمين. وربما يحق لنا أن نتوقف قليلا في محاولة لاسترجاع الأجواء الإيجابية التي سادت العالم العربي في ذلك الحين. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن ”الحريق العربي” جاء محاولة لتدارك السقوط المذل لأسطورة ”الجيش الذي لا يقهر” التي بدورها تعني انتهاء المستعمرة الكبرى المسماة ”إسرائيل”. ولكن من صنع انتصار السادس من أكتوبر وما تلاه، قادر على أن يخمد هذا الحريق ويطيح بمشاريعه الاستعمارية، هذه هي الثقة والصورة المنطبعتان في عقل ووجدان كل عربي شريف وحر.

 

أما وقائع تلك المعركة المشهودة وتفاصيلها فتتناولها الأكاديميات العسكرية بالبحث والدرس في كيفية تبديد أسطورة ”الجيش الذي لا يقهر”. ولعلنا لم ننس ما قاله موشيه ديان  وزير دفاع إسرائيل قبل الحرب بحوالي شهر ونصف: ”إن السلام  الذي تريده إسرائيل  قد تحقق منذ عام 1967 وأن السلام الرسمي  مع العرب يضر بالحالة التي  تحرص عليها إسرائيل، وهي تثبيت الأمر الواقع  الذي فرضته تلك الحرب… وأن حدود إسرائيل تتغير تلقائياً حسب طبيعة ونمو وتوسع إسرائيل”.

 

الثابت أنه  كان من الضروري بذل كل جهد  ممكن  لتحقيق المفاجأة حتى تكون المبادأة للعرب لأول مرة  في الحرب ضد إسرائيل، وحرمان العدو من  فترة الإنذار اللازمة للتعبئة، وعدم إعطائه فرصة توجيه ضربة وقائية  وضمان نجاح الهجوم والعبور، وكذلك الهجوم في الجولان  بأقل خسائر ممكنة. وخلال ساعات معدودة وباستخدام العقل والفكر والحيلة لتحقيق الانتصار على قوة غاشمة تستمد الدعم من قوى تزعم أنها مجرد (وسيط نزيه) كان هناك عنصر الثقة بالنفس والعمل الجماعي، وقدرة الإنسان العربي على التكاتف من أجل صون حقوقه، وحماية ترابه وعزته وقوميته الممتدة عبر التاريخ، وكانت الجبهتان المصرية والسورية في ذلك اليوم المشهود تعزفان مقطوعة الولاء والوفاء والتضحية والتكاتف العربي في أزهى صورة معمدة بالدم والعرق والتضحيات واستخدام كل الأسلحة وفي مقدمتها سلاح النفط.

إن نصر السادس من أكتوبر سيظل علامة فارقة في حياة أمتنا العربية بين مرحلة… ومرحلة الفاصل بينهما أزمان في القدرة والمكانة والروح المعنوية. لأول مرة في تاريخ الحروب يستخدم النفط والأرصدة المالية كسلاح فعال، أجبر أميركا والجيش الإسرائيلي على وقف إطلاق النار، ومن ثم التفاوض، بعدما أصبحت الحرب مباشرة بين المصريين والقوات الأميركية التي أقامت جسراً جوياً أمدّ إسرائيل، بحوالي 28 ألف طن من المعدات العسكرية، التي وصلت للجبهة الإسرائيلية رأساً من المصانع الأميركية، هنا كانت الضربة العربية القاتلة لأميركا، بإصابة الشارع الأمريكي بالشلل حيث النقص الحاد في الوقود.

 

لذا وبكل المقاييس تعتبر حرب أكتوبر، من أعظم الانتصارات العربية في التاريخ الحديث، فقد أدار العرب حربهم باقتدار سياسي فعال ومؤثر، على كافة الأصعدة الدولية، أما عسكرياً كان التخطيط العسكري العبقري للقيادة المصرية، فإن كان ”حاييم بارييف” قائد سلاح المدرعات، إبان العدوان الثلاثي قد أنشأ خط بارليف الشهير، فإن مهندساً مصرياً مجنداً كضابط احتياط، كان صاحب الفضل في هدمه، باستخدام مضخات المياه، في اختراق الساتر الترابي تمهيداً لعبور القوات، مع استغلال حركة المد والجزر واتجاه أشعة الشمس، وتم إزالة 3 ملايين متر مكعب من الأتربة، باستخدام تلك المضخات ذات الضغط العالي.


وفي عزف سيمفوني رائع نجحت قوات الضفادع البشرية، في واحدة من أعظم العمليات العسكرية، إغلاق مواسير النابالم قبل العبور بيوم واحد، وعندما حانت ساعة الصفر، أقلعت 220 طائرة بارتفاع منخفض جداً، لتفادى الرادارات الإسرائيلية، استهدفت مراكز السيطرة والنقاط الحصينة لخط بارليف، لتعود جميعاً ماعدا 5 طائرات، تنطلق بعدها بخمس دقائق، زخات 2000 مدفع على طول جبهة القتال، يتحرك تحت نيرانها 1600 قارب مطاطي، يحمل 80000 جندي كموجة أولى لعبور القناة. مع نفس الأداء والعزف، يتحرك سلاح المهندسين بمد رؤوس الكباري، لتعبر كافة القوات بعدها، إلى عمق 30 كيلومتراً داخل سيناء، كذلك تتوغل القوات السورية إلى عمق الجولان حتى بحيرة طبرية، وعندما فاق العدو الإسرائيلي من هول الصدمة، ونتيجة لبعض الأخطاء، رد القوات السورية واحتل الجولان مرة أخرى، وعمل التفاف وتطويق للجيش الثالث الميداني على الجبهة المصرية، ليتم بعد ذلك وقف النيران والتفاوض على الأرض والسلام، وقد نجحت مصر استعادة أراضيها المغتصبة إلى سيادتها.

 

ورغم محاولات إسرائيل المستمرة للتقليل من قيمة انتصار أكتوبر، مرة بتسريب رواية الاتفاق الذي تم بين كيسنجر والسادات على ضرورة تحريك الوضع العسكري بعبور القوات المصرية وحصولها على موطئ قدم على الضفة الشرقية لقناة السويس ليسهل بعد ذلك إقناع الإسرائيليين بإرجاع سيناء للمصريين مقابل السلام، وهو ما حدث بالفعل بعد انتهاء الحرب بسنوات قليلة؛ وكأن حرب أكتوبر مسرحية متفق عليها، ومرة بزعمهم الفوز بالحرب أو على الأقل التعادل: المصريون عبروا القناة من الغرب للشرق وإسرائيل نجحت في العبور من الشرق للغرب بعد نجاح مغامرة أرييل شارون في عبور القناة بلواء مدرع مستغلا الثغرة التي اكتشفتها الأقمار الاصطناعية الأميركية بين الجيشين المصريين الثاني والثالث.


ولكن مع مرور الوقت تتكشف الحقيقة وتتضح هزيمة إسرائيل باعتراف قادتها وكان آخرهم الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين الذي اعترف بالهزيمة ودعا لاستخلاص الدروس والعبر لعدم تكرارها، كما أن لجنة التحقيق التي تم تشكيلها عقب انتهاء الحرب للوقوف على أسباب إخفاق إسرائيل (أجرانات) ـ أقرت بالهزيمة. فاللجنة التي تكونت برئاسة رئيس قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية ”شيمون أجرانت” وعضوية كل من: موشيه لاندو وإسحاق نابينزال ورؤساء الأركان السابقين ييجال يادين وحاييم لاسكوف وبعد 140 جلسة استمعت خلالها لما يقرب من 58 شاهداً قرأت حوالي 188 شهادة خطية خلصت اللجنة إلى أن الهزيمة كان سببها الاعتقاد أن مصر لن تهاجم دون أن تكون متفوقة من ناحية القوات الجوية وإلى الاعتقاد الآخر بافتقار الجبهة السورية للحافز للقتال مع المصريين وكذا الاعتقاد بأن مناورات الجيش المصري لا تعتبر استعداداً للحرب.

 

وأدانت اللجنة رئيسة الوزراء جولدا مائير ووزير دفاعها موشى ديان، ورئيس الأركان ديفيد إليعازر، ورئيس جهاز المخابرات إيلي زعيرا، وانتهى الأمر بإجبارهم على الاستقالة واعتزالهم العمل السياسي رغم كل ما قدموه لدولة إسرائيل، واتهمتهم اللجنة بالإهمال والتقصير، والتسبب في إعطاء المصريين زمام المبادرة وبدء الحرب بعدما انطلت عليهم خطة الخداع الاستراتيجي التي وضعها ونفذها المصريون بدقة وحرفية شديدة.

 

وكذلك يتجلى ما أنتجته حرب أكتوبر من زلزال داخل إسرائيل في كتاب (المحدال) وهي الترجمة العبرية لكلمة التقصير حيث أعد هذا الكتاب سبعة من المراسلين العسكريين الإسرائيليين الذين تابعوا الحرب من على الجبهة حيث بدأوا كتابهم بتفنيد الكذب الذي روجت له وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الحرب والتي كان من ضمن عناوينها ”الجيش الإسرائيلي يصد العدو ـ الجيش الإسرائيلي على وشك الانتقال إلى الهجوم المضاد”. كما يقول مؤلفوه إنهم لم يصدقوا أنها الحرب وهم يشاهدون المقاتلين في أصعب اللحظات وأشدها إيلاماً، شاهدوا ميادين القتل وغرف العمليات ورصدوا حزن الشعب وصدمته.

 

وفي موقع آخر يرصد الكتاب مقارنة بين خسائر إسرائيل في اليوم الأول فقط مقارنة بحجم الخسائر في الحروب السابقة… ”ففي 1956 فقدت إسرائيل في خمسة أيام من القتال 180 من جنودها.

ووقع في يد المصريين أسير واحد، وفي حرب 1967 قتل على الجبهتين المصرية والسورية معاً 850 إسرائيلياً خلال ستة أيام من القتال و14 أسيراً بينما في أول أيام حرب السادس من أكتوبر 1973 قتل 500 قتيل ونحو ألف جريح وعشرات الأسرى. في أقل من 24 ساعة تحولت إسرائيل من دولة عسكريه كبرى إلى دوله تقاتل بشراسة من أجل وجودها، كيف يمكن أن يحدث هذا التحول المذهل خلال ساعات قليلة”. وفقاً لما ورد في الكتاب.

 

واذا كانت حرب السادس من أكتوبر قد استندت إلى درجة عالية من التضامن العربي، القوي والمسؤول أيضاً، بخاصة وأنه تم التنسيق بشأنه على أعلى المستويات القيادية العربية، بين مصر وسوريا ودول الخليج العربية والعراق والجزائر وعدد من الدول الأخرى، فإن الأوضاع العربية الراهنة تحتاج في الواقع إلى استعادة هذا التضامن العربي وتعزيزه، وتوسيع أطرافه ومجالاته، حتى يمكن مواجهة التهديدات التي تتعرض لها أكثر من دولة عربية الآن، وحتى يمكن وقف حالة التدهور العربي الراهنة، والتي تعيد إلى الأذهان فترات خلافات ومنازعات عربية عانت منها دول وشعوب المنطقة قبل ذلك. ومع التأكيد على أن دروس نصر أكتوبر عديدة وبالغة الأهمية، وفي مجالات عسكرية واقتصادية وسياسية وإعلامية وتخطيطية وغيرها، إلا أن خطوة استعادة التضامن العربي هي في الواقع الأرضية والركيزة التي ترتكز عليها كل الجهود الأخرى، ولذا فانه من الطبيعي أن يكون لها الأولوية.

 

فأمريكا لم تنس الموقف العربي في 73، فخططت ونفذت وجردت العرب من كل أسلحتهم، نفطهم وأرصدتهم بل ووحدتهم، وبعد 46 عاماً مضت مازال العرب يدفعون ثمن رجولتهم ووحدتهم في حرب أكتوبر. ومنذ السادس من أكتوبر 1973 عرفت إسرائيل أن وجودها وسط محيط عربي متلاطم الأمواج لن يكتب لها الاستقرار، وأكدت الوقائع التالية لذلك الانتصار العظيم أن التفاوض والحصول على الإنجازات السياسية لا يمكن أن يجدي إلا إذا ساندته ذات الروح والعزيمة لدى الجيوش العربية والمساندة القوية من كافة العواصم العربية لدول الطوق وجبهات المواجهة المسلحة مع عدو لا يقيم وزنا للقيم والشرائع والمواثيق والاتفاقيات، حتى تلك التي يكون قادته طرفاً فيها.

 

يضيق المسطح المتاح للكتابة على سرد أبعاد لحظات الانتصار الحقيقي في حرب أكتوبر وأولاها الانتصار على الذات المتفرقة والمبعثرة، ولم الشمل تحت راية عربية واحدة، لقد كانت فكرة قومية المعركة أولى خطوات النجاح والفلاح في حرب أكتوبر، وأغلب الظن أن العالم العربي في أيامنا هذه في حاجة ماسة إلى روح أكتوبر من جديد حتى يقدر له العبور الحقيقي إلى بر الأمان، سلاماً وتنمية وازدهاراً على جميع جبهات الحياة.

 

باحث وكاتب صحفي من المغرب

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here