النموذج القرآني في قصة لقمان (عليه السلام)

وهذا النموذج وإن لم يكن نموذج للإمامة ولا للحجّية المصطفاة، إلاّ أنّه نموذج على الهبة اللدنية الإلهية، وهي ليست مقام نبوّة أيضاً. نعم الحجّية في الحكمة هو في ذاتها ومقالاتها حيث إنّها منطوية على الدليل والبرهان، وهاهنا نقاط يُلفت إليها:

1 – تشير الروايات إلى أنّ لقمان لم يصل إلى مقام الحكمة إلاّ بعد أن واظب على جملة من السنن، منها أنّه لم يكن يتكلّم إلاّ عند الحاجة.

2 – وتشير أيضاً إلى أنّه قبل أن يُمنح هذا المقام خيّر بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة، على العكس من داود.

3 – وتشير أيضاً إلى أنّ سلمان المحمدي أعظم حكمة من لقمان، وفي زيارته والروايات الواردة في شأنه إشارة إلى مقامات خاصّة، من قبيل أنّه (باب علم الوحي) و(أدرك علم الأوّلين والآخرين).. بل في الروايات يستشهد الإمام الصادق(عليه السلام) بكلمات سلمان وهو دليل حكمة سلمان.

4 – وفي الروايات: مَن أخلص لله أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة على لسانه.

5 – يظهر من سورة لقمان وممّا ورد في سلمان أنّ هذا المقام والمنزلة مفتوح لكلّ مَن يجاهد نفسه، ومثل مقامات أُخرى كالصدّيقين. وفي رواية في كفاية الأثر للخزّاز وغيره يشرح الصادق (عليه السلام) هذه المقامات ويذكر الطريق إليها.

6 – يظهر أنّه مقام لدني كالنبوّة بحكم التخيير.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ..}، وقد وردت الحكمة في آل إبراهيم وآيات أُخر منها:{مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}(1)، ويظهر من الآية أنّها علم إلهي خاصّ يغاير النبوّة والمقامات الأُخر في الجملة، وهذا العلم لدني ويمنح وليس فطرياً; بقرينة: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، فإنّ تعلّم الكتاب ليس فطرياً.

 

1

وقد عُرّفت الحكمة بتعريفات متعدّدة أشرنا إليها في كتاب العقل العملي، والحقّ أنّها العلم الذي يتلقّاه العقل العملي فيتمّ الإذعان به والتصديق، فهي ليست صفة عملية بحتة ولا علمية بحتة.

{أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ..}، الظاهر من (أن) أنّها تفسيرية، وبالتالي الظاهر من الآية تفسير الحكمة بالشكر، ممّا يعبّر عن أنّ رأس الحكمة شكر الله.

وقد أخذ قبال الشكر في القرآن الكفر: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، كما قابلت الروايات بين الجهل والعقل، ممّا يعني كلّ ذلك أنّ هذه الصفات ليست إدراكية محضة، وإنّما عملية، من ثمّ كان الشغل الشاغل للأنبياء هو العقل العملي الذي هو تحت اختيار الإنسان، وأمّا الإدراك والعلم فالفطري منه موجود من دون اختيار.

ثمّ لا ريب أنّ العلم الذي مُنح للقمان والذين نُعتوا بالحكمة وإن لم يندرج تحت واحد من الأقسام الحجج، إلاّ أنّ علم الحكم حجّيته منطوية فيه لانطواء البرهان والدليل في أقضيتها.

 

0

ويستفاد من هذه نتيجتان مفصليتان بعد الالتفات إلى النقاط التالية:

1 – إنّ لقمان ليس نبيّاً باتّفاق الجميع.

2 – إنّ المستعرض لحكمة لقمان في القرآن هو الله تعالى، أي لم تُعرض حكمته في القرآن على لسان نبيّ وإنّما على لسان الحقّ تعالى.

3 – إنّ استعراض الحقّ تعالى لحكمته كاستعراضه لكلام الأنبياء.

4 – بل استعراضه يمتاز عن سنن بعض الأنبياء من جهة أنّ شرائعهم منسوخة ولا يفهم أبديتها إلاّ بالقرينة {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}(2)، بينما الظاهر من حكمة لقمان أبديتها، بنكتة كونها كلّيات فوقانية، فهي البنية التحتية للشرائع، أو لأنّها حكمة، أو لأنّها فطرية عقلية مستوسعة، والكلّ واحد تقريباً. نعم، تمتاز سنن الأنبياء عن الحكمة بأنّها تنزل الهداية للتفاصيل ولدائرة أوسع بكثير من الحكمة، بينما الحكمة هي في دائرة الكلّيات.

5 – لم يذكر حجّية حكمة لقمان من جهة عرضه على نبيّ أو من جهة إقرار القرآن لها، وإنّما حجّيتها من جهة تضمّنها للدليل والبرهان.

6 – إنّ حجّية الحكمة هي من حجّية العقل، وحجّية العقل تلازم حكم الشرع; لأنّه كلّ ما حكم به العقل البديهي أو النظري المبدّه حكم به الشرع، فهو لا يختلف روحاً عن التشريع الظاهر، وإن كان تشريعاً باطناً كما يسمّى العقل بالرسول الباطن.

من ثمّ وبعد أن عرفنا أنّ طبيعة الحكمة ليست إلاّ علماً خاصّاً أُودع من قبل الله تعالى في فطرة لقمان بنحو البسط، فهي لا تختلف عن العلوم الفطرية التي يمتلكها البشر جميعاً من هذه الزاوية، إلاّ في أنّها أوسع نطاقاً من الآخرين، فحينئذ أمكن أن نفهم:

أوّلاً: ما ورد في الروايات أنّ العقل رسول باطن وحجّة باطنة ومنزّل منزلة قناة الوحي، الظاهر في أنّ كلّ إنسان مرتبط بعلم الله تعالى وإرادته في دائرة البديهيات أو النظريات المبدّهة.

وبهذا يكون ردّاً على الأشاعرة والسلفيين والظاهريين قبلهم أصحاب السفسطة حيث أنكروا العقل أو حجّيته.

حيث عرفت أنّ هذا النمط من العلم موجود ويوجب اليقين والجزم، وأنّه قد استوسع للقمان، وفي الروايات إشارة إلى أنّ مصدراً من مصادر علومهم (عليهم السلام) هذا النمط من العلم وهو الحكمة، لكن بدائرة تفوق كلّ من أوتي الحكمة.

ثانياً: النقض على أهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان; حيث أنكروا وجود مصدر للحجّية والارتباط بالسماء غير النبوّة، مع أنّا لاحظنا وجود قنوات أُخرى لها، وجود ضامر في كلّ إنسان وأنّها قد توسّع للبعض لا بتوسّط نبيّ، فالحال في الإمام الذي هو خليفة الله تعالى في أرضه المعلّم علم الأسماء كلّها أوضح.

 

003

بل إنّ أهل سنّة الجماعة إذا ارتضوا العقل كالمعتزلة، متجاوزين المسلك الأشعري ولو في مساحة محدودة فلا بدع في سنّة الله في الإمامة بعد أن كان العقل قناة إلى جنب قناة النبوّة، فيمكن لله تعالى أن يفتح قناة ثالثة أو يوسّع من قناة العقل والفطرة، وتكون ملزمة وحجّة.

والملفت أنّ القرآن لم يذكر جملة من الأنبياء، أو ذكر جملة أُخرى منهم ولم يذكر لهم قولاً، في الوقت الذي تعرّض فيه لجملة من المؤمنين مع عرض كلماتهم، كمؤمن آل فرعون ومؤمن آل ياسين وزوجة فرعون، بالإضافة إلى النماذج التي سبقت الإشارة إليها بمَن فيهم لقمان.

وليس ذكر مثل هؤلاء إلاّ للعبرة، وليس ذكر كلماتهم إلاّ للاحتجاج في أنّ الحجّية الذاتية لا تنحصر بالنبوّة، إذ قد تكون من خلال علم فطري تفتّق، أو علم لدني خاصّ مُنح من قبل الله تعالى، إلاّ أنّ حجّية النبوّة والإمامة دائرتها أوسع بلا مقايسة مع دائرة حجّية العقل الفطري البديهي.

{أَنِ اشْكُرْ..}، وجوب الشكر في الحكمة العملية يوازي في الحكمة النظرية وجوب وجوده تعالى.

{فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}، بدليل: {إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، وحميد فيها إشعار إلى أنّه يشكر مَن شكره: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ}، أو يعني جامع الكمالات.

{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، في هذه الآية وعموم الآيات القرآنية يلاحظ الترابط بين البعد النظري والعملي، فالشرك أعظم غلطة وكذباً وجهلاً على مستوى الإدراك، والظلم العظيم أعظم قبحاً في العقل العملي.

{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة..}، المداقّة في الحساب – وكما ورد في سورة الزلزلة – ممّا لا يدركه العقل لوحده، كذا باطن الفعل في الملكوت بمقتضى الآية المبين فيها، حيث إنّ إتيان الله به يوم الحساب دليل بقائه وثباته.

 

 

{فِي السَّمَوَاتِ}، إمّا كناية عن الإحاطة الإلهية، أو إشارة إلى وجود جزاء لأهل السماء مجهول الكيفية لنا، كما يبدو من آيات وروايات متعدّدة، مثل: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا}، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة حول الملائكة: “إنّهم يزدادون بعبادتهم لربّهم علماً”، و.. الكاشف عن وجود ظاهرة العمل والجزاء في الملائكة.

{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاة}، بعد أن فرغ من توحيد الله ومعاده ودخل في استعراض كلّيات الشريعة، وفيه دلالة على أنّ الصلاة ثابت في كلّ شريعة، حيث كانت فطرية، وأنّ الأمر بالمعروف فطري، وهو وإن كان في الفقه الاصطلاحي يقابل الجهاد والقصاص والديات والقضاء، إلاّ أنّه بالمعنى الأعمّ شامل لها، بل شامل لكلّ معروف بعد أن كان الإتيان به يستبطن الدعوة لإقامته.

والصبر يكشف عن أنّ الأُمور العملية فيها عناء ولا يتمّ إلاّ بالصبر.

{وَلاَ تُصَعِّرْ}، فعل جارحي ناتج عن الكبر.

{مَرَحًا} الزهو، وهو الترف والفرح للمادّيات المذموم في القرآن.

{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور}، إنباء لقمان عن المحبّة الإلهية، والتي على أساسها أمكنه العلم بالمحبوبات، وعلى أساس ذلك أمكنه النسبة.

ويعرّف أيضاً: أنّ الحكمة ليست علماً صرفاً، وإنّما هي التي تستوجب العمل.

وبه يمكن الردّ على من يقول إنّ حكم العقل منجّز فقط، حيث ظهر أنّه يلازم حكم الشرع بل يمكن نسبته إليه تعالى.

 

002

{إِنَّ أَنْكَرَ الاَْصْوَاتِ}، فيه دلالة على إلمامه الواسع بالخليقة، وإن كان قد ورد أنّ المراد بذلك صوت بعض أصحاب التابوت في قعر جهنّم.

ــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة البقرة 2: 269.

 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here