الوقت- أصبح تعيين خليفة لرئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي، أزمةً كبرى للمجتمع السياسي العراقي هذه الأيام. ويبدو أن هذه عقدة لا يستطيع أحد حلها.

في غضون ذلك، أدى اختيار الرئيس العراقي برهم أحمد صالح “عدنان الزرفي” لتشکيل حكومة جديدة، إلى خلق مستوى جديد من الصراع، بين التيارات السياسية الموجودة في البرلمان والرئيس نفسه هذه المرة.

الأحزاب الشيعية منزعجة بسبب إخفاقها في تقديم خيار من قبلها وإقدام الرئيس شخصياً علی ترشيح شخصية متهمة بالفساد تحمل الجنسية الأمريكية ولديها مواقف خاصة. ولهذا السبب أيضاً، فإن معظم الهجمات التي استهدفت الزرفي کانت بسبب ملفات فساده ومرافقته لأهداف أمريكا.

وفي السياق نفسه، تهدد بعض الدوائر السياسية حالياً برهم صالح حتى بالإقالة عن المنصب. لكن السؤال المطروح الآن هو، إلى أي مدى کان اختيار برهم صالح لمرشح جديد لتشکيل الحكومة قانونياً؟ ومن ناحية أخرى، ما هو دافعه من وراء ذلك؟

الدستور العراقي وتعيين برهم صالح لمنصب رئيس الوزراء

بحسب الدستور، يجب على الرئيس العراقي تقديم رئيس وزراء جديد للبرلمان بموجب المادة 76 من الدستور، ولكن رئيس الوزراء يتم ترشيحه من قبل رئيس البرلمان العراقي. كما سيقدم رئيس البرلمان اسم رئيس الوزراء بتوقيع ممثلي حزب الأغلبية البرلمانية.

حتى شاهدنا في بعض المراحل أن هناك الكثير من الجدل قد جری بين الأحزاب السياسية، لتحديد حزب الأغلبية لخلافة عادل عبد المهدي، وعقدت جلسة الاستماع النهائية في 22 ديسمبر 2019 بمشاركة جميع الأعضاء، وفي ختامها أصدرت بياناً بعد المداولة والتدقيق ومراجعة تفسيراتها السابقة للمادة 76 من الدستور والأحكام الصادرة في هذا الصدد في عامي 2010 و2014، وخلصت إلى أن أكبر کتلة برلمانية مذكورة في المادة، يُقصد بها کتلة تتكون من قائمة انتخابية واحدة أو قوائم ائتلاف متعددة بعد الانتخابات، وبعد دخول البرلمان وأداء اليمين من قبل أعضائها في الجلسة الأولى، لديها مقاعد أكثر من الکتل البرلمانية الأخرى.

مع ذلك، في هذا المنعطف الجديد، هناك سيناريوهان أو نظرتان حول قانونية تکليف الزرفي من قبل برهم صالح لتشكيل الحكومة:

السيناريو الأول: انتهاك الدستور من قبل برهم صالح

في قراءة للدستور العراقي، تعتقد بعض التيارات السياسية الشيعية أن اختيار برهم صالح للزرفي غير قانوني تمامًا، وهو انتهاك واضح لقانون هذا البلد. على سبيل المثال، “عدنان فيحان” رئيس كتلة “صادقون” في مجلس النواب العراقي، هدد الرئيس برهم صالح بأنه إذا لم يراجع  قراره بتکيلف عدنان الزرفي لتشكيل الحكومة، ستصوت هذه الکتلة بأغلبية الأصوات لصالح إقالته.

في الواقع، بالإضافة إلى كتلة صادقون، هناك العديد من الأحزاب السياسية العراقية، مثل تيار “الحكمة الوطنية” بقيادة عمار الحكيم وائتلاف “الفتح” بقيادة هادي العامري، يحتجون على عملية ترشيح برهم صالح لعدنان الزرفي لتشکيل الحكومة. وهم يعتقدون أن کتلة الأغلبية في البرلمان فقط هي التي ينبغي أن ترشح رئيس الوزراء، وبرهم صالح يفتقر إلى السلطة اللازمة لتعيين رئيس الوزراء مباشرةً.

السيناريو الثاني: برهم صالح کان مسموحاً له ترشيح رئيس الوزراء

على عكس السيناريو الأول، والذي يتهم برهم صالح بارتكاب فعل غير قانوني، بناءً على تفسير آخر للدستور العراقي، يعتبر صالح مسؤولاً مباشراً عن تعيين رئيس الوزراء، ومع ذلك کانت هناك فرصة للجنة الشيعية المكونة من سبعة أعضاء لإعلان مرشحهم لبرهم صالح. ولکنهم استمروا في الإخفاق في هذه المهمة، وأخيراً أعلن برهم صالح خياره الخاص أي عدنان الزرفي بدعم من بعض الجماعات السياسية.

وبناءً على هذا السيناريو، فإن تصرف صالح قانوني تمامًا، وهو لم يرتكب أي مخالفات. ومع ذلك، يجب على المرء أن ينتظر ويرى ما ستفعله المحكمة الاتحادية العليا في بغداد، إذا لجأت إليها التيارات السياسية الشيعية.

أهداف برهم صالح من اختيار الزرفي

على مستوى آخر، فإن تحليل هذه القضية مهم للغاية. ما هي أهداف برهم صالح من ترشيح الزرفي لتشكيل الحكومة؟ في الواقع، من الواضح للجميع أن اختيار الزرفي لم يكن متفقاً عليه مسبقًا، وقد أقدم برهم علی هذا الإجراء بشكل مستقل، في الوقت الذي لم تتوصل فيه اللجنة الشيعية المؤلفة من سبعة أعضاء إلى اتفاق. ومع ذلك، في تحليل مستقل، يمكن طرح ثلاث فرضيات كأهداف برهم صالح من هذا الترشيح:

الفرضية الأولى: إن إحدی الفرضيات حول تکليف الزرفي لتشكيل الحكومة، تقوم على نوع من التفاؤل بشأن هدفه. بمعنی أنه بالنظر إلی الخلاف بين التيارات السياسية، قرر برهم صالح ترشيح رئيس وزراء جديد لحل الأزمة في البلاد، أو على الأقل لتشکيل حكومة انتقالية من أجل العبور من الأزمة.

وتأتي هذه الفرضية لأن تحالف “سائرون”(مقتدى الصدر)، وبعد إخفاء اللجنة المكونة من سبعة أعضاء، فوض تعيين رئيس وزراء جديد للرئيس صالح. وتستند هذه النظرة إلى انطباع متفائل من الوضع السياسي وقدرة الزرفي على إقناع الکتل البرلمانية والمتظاهرين.

لكن هذه الفرضية ناقصة من نواح كثيرة. أولاً، بالنظر إلى كلفة انتخاب رئيس الوزراء من جانب واحد لمصداقية برهم صالح في الساحة السياسية العراقية، كان من المنطقي أكثر أن يقوم الرئيس أولاً بتقييم فرص الاتفاق على الزرفي في مشاورات منفصلة وخلف الكواليس مع الأحزاب المختلفة، ثم يقدم علی ترشيح الزرفي. بينما كان من الواضح أن فرصه في اجتذاب أصوات غالبية النواب بدت قليلةً، بالنظر إلى ما دار من حديث حول خلفية الزرفي. ثانياً، هذه الفرضية تنسب أساساً نظرةً غير واقعية لتطورات العراق إلى برهم صالح، بينما عمل الأخير بشكل مختلف في تکليف أشخاص مثل توفيق علاوي أو إرسال رسالة إلى حلبوسي لتقديم حزب الأغلبية.

الفرضية الثانية: الفرضية الأخری حول دافع برهم صالح من ترشيح الزرفي، يمكن دراستها فيما يتعلق بقربه الشخصي من عدنان الزرفي. بمعنی أن للزرفي علاقة وثيقة مع صالح من الناحية الفكرية والسياسية. وبناءً على ذلك، رشَّحه صالح لتشكيل الحكومة على الرغم من المعارضة واسعة النطاق من الشيعة. وإثارة هذه الفرضية في الأوساط العراقية قد دفعت الزرفي في مقابلة مع صحيفة “الشرق الأوسط” إلى القول، بأنه لم يعقد أي صفقة مع برهم صالح أثناء ترشيحه.

الفرضية الثالثة: من الفرضيات الأخرى حول هدف برهم صالح من اختيار الزرفي لتشكيل الحكومة، تتعلق بجهوده لإبقاء الولايات المتحدة راضيةً عن التطورات في العراق. بناءً على هذه الفرضية، يخطط صالح لكسب دعم دونالد ترامب لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، من خلال تقديم عدنان الزرفي الذي يحمل الجنسية الأمريكية. وعلى الرغم من أنه لا يمكن الدفاع عن هذه الفرضية بحزم، ولکن بالنظر إلى الجنسية الأمريكية التي يحملها الزرفي، يری بعض المراقبين السياسيين العراقيين والأحزاب السياسية، أن برهم صالح يسعی إلى تشكيل “حكومة أمريكية”.