إذا كانت إسرائيل قد نجحت في إغتيال كل علماء الذرة المصريين الأفذاذ، بدأ بالدكتور علي مصطفى مشرفة ، الملقب بـ إينشتاين العرب، في الأربعينات من القرن الماضي ، ومرورا بتلميذته ،سميرة موسى، وهي تدرس الدكتوراه في أمريكا في 1954 ، وانتهاء بالدكتور يحيى المشد ، خبير بناء المفاعلات النووية في سنة 1980 في باريس ، فإن بناء محطة الضبعة النووية ستسلح مصر بأكثر من 1500 مشد يدرس طليعتهم حاليا في الأكاديميات النووية الروسية و عندئذ ستحتار إسرائيل إيهم أولى بالقتل والاغتيال والتصفية.

فعندما قرر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إدخال مصر العصر النووي، ردا على إستراتيجية إسرائيل الرامية آنذاك لبناء مفاعل “ديمونة ” النووي بصحراء النقب ، أرسل بعثة إلى موسكو عاصمة روسيا في عام 1956 ، تكونت من 15 من الأساتذة المصريين المتفوقين من خريجي كليات الهندسة و العلوم ، لدراسة العلوم الذرية و النووية من بينهم المهندس، يحي المشد ، ليكونوا اللبنة الاولى لإدخال مصر العصر النووي .

و لم يتمكن الدكتور، يحيى المشد ، بسبب الظروف السياسية التي مرت بها مصر خلال فترة عبد الناصر و التي إنتهت بوفاة الحلم النووي المصري بهزيمة 5 يونيو سنة 1967 ، من إظهار مواهبه العلمية التي تمكن من تنميتها خلال السنوات الست التي حصل فيها في موسكو على الدكتوراه في بناء المفاعلات النووية . و نظرا لهذه الظروف ، و إنشغال الرئيس الراحل أنور السادات بتحرير الأرض من المحتل الصهيوني ، إضطر الدكتور يحي المشد ، شد الرحال في منتصف السبعينات إلى العراق ليساهم بعبقريته العلمية في بناء مفاعل ” تموز العراقي ” الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية في 7 يونيو 1981 قبل يوم واحد فقط من إفتتاحه بشكل رسمي بالتعاون مع فرنسا .و في واقع الأمر لم تتخذ إسرائيل قرار إغتيال الدكتور يحي المشد إنتقاما من نبوغه العلمي و جهوده في بناء مفاعل تموز فحسب ، و لكن إغتالته بعد أن أعرب عن رغبته في العودة إلى مصر للعمل في بناء مفاعل “سيدي كرير” النووي الذي كان يريد الزعيم الراحل أنور السادات بناؤه في منطقة سيدي كرير بالساحل الشمالي ليغتال بذلك ثاني حلم مصري لدخول العصر النووي بإغتيال السادات على أيدي الإرهابيين في 6 أكتور 1981 في الذكرى الثامنة لإنتصار أكتوبر .

و ينبغي هنا أن أعيد سريعا إلى الأذهان ظروف إغتيال إسرائيل للدكتور المشد، ففي يوم 13 يونيو 1980 قامت مجموعة الإغتيالات بجهاز الإستخبارات الإسرائيلي الموساد ” بقتل الدكتور يحي المشد في غرفته ،رقم 941، بالطابق الأخير بفندق الميريديان بالعاصمة الفرنسية باريس ، و هو في رحلة عمل مع وفد عراقي مكون من 8 رجال للإشراف على نقل مكونات مهمة للمفاعل النووي العراقي من فرنسا إلى العراق . و كما هي عادة الموساد ، أراد أن يعطي الإنطباع بإن مقتل الدكتور المشد هي جريمة قتل عادية تتعلق بالسرقة مصحوبة بعلاقة نسائية .

و لم يجد الموساد أفضل من إستخدام ” عاهرة فرنسية ” تدعي، ماري كلود ماجال ، للوصول الى غرفة الدكتور المشد و عندما طرقت على باب غرفته ، رفض إستقبالها بعد حوار سريع ، لكنه لم يلحظ و هي بصدد الخروج من الغرفة أنها حصلت على مفتاح الغرفة ليتم عمل نسخة منه تمكن بفضله رئيس قسم الإغتيالات في الموساد من إستخدامه و الدخول لغرفة الدكتور المشد و قتله بآلة حادة .

و كما هي عادة الموساد لإخفاء معالم الجريمة، قامت سيارة بدهس العاهرة الفرنسية ،جون كلود ماجال ، و هي بصدد عبور الشارع في حي بيجال الشهير بوسط باريس في نهاية شهر يونيو من نفس العام و كالعادة في مثل هذه الإغتيالات التي يقوم بها الموساد في أوروبا ، قيدت عملية الدهس ضد مجهول لتموت مع جون كلود ماجال اسرار مقتل المشد بعد أن أصبحت في بؤرة إهتمام الصحفيين و أجهزة الإستخبارات العربية و العالمية مما أثار مخاوف الموساد من أن تبوح بما تعلمه من أسرار .

و في واقع الأمر فإن عبد الناصر و السادات لم يكونا أول من حاول تحقيق الحلم النووي لمصر، فقد دعم الملك فاروق الأول ملك مصر و السودان في الأربعينات من القرن الماضي ، الدكتور مصطفى مشرفة، كما وقفت مصر الملكية بجانب الدكتور مشرفة عندما تبنى علميا عالمة الذرة المصرية الدكتورة ،سميرة موسي، بإرسالها إلى لندن بعد أن تم تعيينها أول معيدة في جامعة فؤاد الأول ( جامعة القاهرة حاليا ) .

و ينبغي الإشارة هنا أن الرئيس السابق حسني مبارك كان قد وقع إختياره على منطقة الضبعة لإقامة أول محطة نووية مصرية لكنه تراجع على ما يبدو أمام الضغوط الصهيو-أمريكية في هذا الإطار .

و قبل أن نتطرق إلى أهمية الخطوة الهائلة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي بإدخال مصر العصر النووي ، ينبغي التنويه إلى مسيرة نجاح إسرائيل في تسليح نفسها بمفاعل ديمونة النووي الذي إنتهي اليوم بتمكينها من إمتلاك” 200 رأس نووي” وفقا لما كشف عنه الخبير النووي الإسرائيلي موردخاي فانونو ( يهودي من أصل مغربي ) . و كان موردخاي فانونو قد تمكن من الكشف عن هذا السر الخطير لإحدى الصحف الإنجليزية بعد أن هرب من إسرائيل ، إلا أن الموساد تمكن من خطفه من العاصمة الإيطالية روما ليعود إلى تل أبيب حيث حكم عليه بالسجن لمدة 18 عاما . و يعيش حاليا موردخاي فانونو في تل أبيب و يخضع للرقابة من جهاز الشاباك الإسرائيلي بعد إنقضاء مدة العقوبة .

و ينبغي الإشارة هنا أيضا إلى أن الدول لا تجد مكانا لها في مصاف الدول المتقدمة في ليلة و ضحاها ، خاصة لو كان الأمر يتعلق بتكنولوجيا فائقة التطور مثل التكنولوجيا النووية . فهذه التكنولوجيا التي تستطيع تدمير دولة بأكملها من خلال قنبلة لا تزيد عن وزن سيارة صغيرة ، تتطلب مسيرة طويلة ، من الجهد ، و العرق ، على أساس أن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة . و كانت إسرائيل قد شرعت في بناء بنيتها التحتية النووية قبل إنشاء دولة إسرائيل بنحو 50 عاما ، و بالتحديد في 1912 ، حين كلف المؤتمر الصهيوني العالمي المنعقد في 1908 في سويسرا المهندسان اليهوديان ، الفرنسي جيمس سيمون، و الألماني يعقوب شبق، بإقامة مؤسسة علمية لتعليم اليهود في فلسطين التخطيط المهني و العلمي . و في عام 1924 ، نجح يهود فلسطين في إنشاء الكلية التكنولوجية العبرية . و في الفترة من 1931 إلى 1948 تاريخ إنشاء دولة إسرائيل وصل عدد الكليات التكنولوجية اليهودية في فلسطين التاريخية، قبل الإحتلال الإسرائيلي ، إلى 5 جامعات ، فضلا عن معهدين كبيرين للتكنولوجيا و البحوث و الطاقة النووية .كما إنشأ اليهود معهد “وايزمان” للعلوم التكنولوجية و النووية في 1941 بمدينة” حيفا ” ثم واصلت إسرائيل مسيرة جهودها بالبدء في وضع حجر الأساس لمفاعل ديمونة في 1958 ، ليتم إفتتاحه الرسمي في 1963 بدعم علمي من فرنسا .و قد توجت إسرائيل مسيرتها العلمية الطويلة التي بدأت منذ أكثر من 100 عام ، بإمتلاك 200 قنبلة نووية وفقا لما كشف عنه ،موردخاي فانونو، الذي كشف أيضا عن أن مفاعل ديمونة ينتج سنويا 40 كيلو جراما من البلوتونيوم ، أي ما يكفي لتصنيع 12 قنبلة نووية كل عام .

و هنا ينبغي أن نشير إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يستحق بالفعل لقب زعيم الزعماء ، بتحقيق حلم المصريين الوطنيين بتحويل مصر إلى دولة نووية بعد ما يقرب من 80 عاما من الإنتظار منذ حكم الملك فاروق ثم عبد الناصر و السادات . و بمقتضى إتفاقية إنشاء محطة الضبعة النووية يدرس حاليا في الأكاديميات الروسية أكثر من 300 مصري أتموا عامهم الأول فيها ، و من المتوقع أن يحتلوا أماكنهم في محطات الضبعة النووية للطاقة السلمية بعد الإنتهاء من دراستهم خلال 4 سنوات و هو تاريخ يتزامن مع قرب إفتتاح محطة الضبعة الاولى . كما إتفقت مصر و روسيا على أرسال ما يقرب من 1500 مصري خلال السنوات القادمة للتعلم في الجامعات الروسية إلى جانب إنشاء أول مدرسة للتعليم الفني للطاقة النووية السلمية في منطقة الضبعة .

و في النهاية لا أجد أفضل من الإعلامي “المعارض” يسري فودة للإستدلال على مدى قيمة الإنجاز الذي حققه الرئيس السيسي بقراره التاريخي بخوض مصر غمار التكنولوجيا النووية . يقول يسري فودة في تقرير مطول بثته قناة الجزيرة القطرية في منتصف التسعينات عن فشل العرب في دخول العصر النووي “إن غياب الإرادة السياسية لدى الحكام هو سبب تأخر مصر و العرب عن خوض غمار التكنولوجيا النووية ، و يعكس ذلك عمق المأساة و عمق الإحباط العربي و مدى الخضوع للضغوط الصهيونية التي تستكثر على مصر أن يكون لها مخلب و لو صغير في مواجهة مخالب قاتلة لمن يكتمون على أنفاسنا ” .

و للأسف لم يصدر حتى الآن من يسري فودة أي تعليق لصالح من سلح مصر بالإرادة السياسية لمواجهة مخالب قاتلة لمن يكتمون أنفاسنا على حد قوله … فهل يعطي يسري فودة السيسي حقه نظير الإنجاز العظيم الذي حققه من خلال القناة المعارضة التي يعمل بها خارج مصر ؟ أشك في ذلك .

المصدر : صدى البلد

 

المحور المصري –تلكرام
HTTPS://T.ME/MEHWAR_MASR

[email protected]

https://chat.whatsapp.com/IrUXihVAIrXBHqbAQwiHG6

 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here