الفصل الرابع

أدَّوا صلاتي الظهر والعصر، ثم تناولا الغداء ورقدا ساعةً ثم قامتْ هدى وهيّأتْ الشايَ، فلمّا استيقظ زوجها صبَّتْ كوبين من الشاي، فارتشفاه مع قطعتي كيكٍ لذيذتين، ثم ارتدى عليٌّ ملابسه الخارجية واستأذن مِنْ هدى، سألته عن السبب، فأخبرها بعزمه على شراء بعض ما يحتاجانه من خبز وخضار ووو، عاد بعد ساعة وهو يحمل بيده ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فشكرته هدى على زحماته، ودعته للجلوس، فحط رحاله بجنبها.

هدى: رغم أنّ موضوع افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، أحرقَ دماغي مِنْ كثرة التفكير فيه، إلا أنني أحبُّ إكمال ملاحظاتي على صلاتِك.

علي: أنا طوعُ أمر سيدتي، فأيُّ موضوعٍ تُحِبُّ بحثهُ، فذلك هو المحبَّبُ عِندي أيضاً.

هدى: دَعنا مِنَ الهزلِ ولِندخلَ في الجدِّ.

علي: أنا لستُ هازلاً يا عزيزتي، بل أنا جَادٌّ في كلامي.

هدى: حفظك الله ورعاك، أمّا السؤال فقد لاحظتك تضعُ حجراً في سجادتك وتسجد عليه، فما هي قصة هذا الحجر؟ ولماذا لا تسجد على السجاد؟

علي: لماذا لم تسأليني السؤالَ المشهور عند الوهابية، وهو هل تعبدُ هذا الحجر؟

هدى: (تضحك) لقد سمعتـُه مراراً مِنْ أساتذتي، ولم أطرحْهُ لِعِلمِي بسخافتِهِ، ومع ذلك أجبني عليه ما دُمْتَ قد طرحته.

علي: هلْ تتصوّرين بأني أعْبُدُ هذا الحَجَر؟

هدى: كلا، قلتُ لك بأنه سخيفٌ لذا لم أسألكَ عنه، خصوصاً بعدَ أنْ قضيتُ مَعكَ هذه المُدّة، ولكنْ ما هو جوابك عليه؟

علي: هل الذي يعبدُ شيئاً، يَسْجُدُ لهُ أم يسجدُ عليه؟

هدى: يسجدُ له.

علي: وماذا كـُنتُ أفعلُ أنا في صلاتِي؟

هدى: كـُنتَ تسجدُ عليه، ولكنْ لو أصرّ خصمُكم بأنكم تعبدونه فماذا تجيبه؟

علي: نقولُ له حينئذٍ: بأنكَ تعبدُ السجادةَ التي تَسْجُدُ عليها، فبماذا سيجيب يكون هو جوابنا بعينه عليه.

هدى: (تبتسم) الحقُّ معكم فيه، والآن أخبرني عن دليلكم في السجود عليه.

علي: دليلنا هي السنة النبوية الشريفة المتواترة عندنا وعندكم.

هدى: عجيبٌ جداً، ففي كلّ موضوعٍ أطرحُهُ عليكَ، تنقلُ لي أحاديثَ كثيرةً مِنْ مصادر أهلِ السنة، إلى حدِّ أنكَ تصفها بالمتواترة، فكيفَ غابتْ عني رغم دراستي للشريعة سنين طويلة، وكيف غابتْ عن كبار علمائِنا؟

علي: لقد مرّتْ عليكِ بالتأكيد.

هدى: سوف لنْ أقولَ لكَ هذه المَرّة: هلْ تعلمُ الغيبَ، ولكنْ عَجِّلْ بذكرها.

علي: وَرَدَ عن النبي ص قوله: (جُعِلـَتْ ليَ الأرضُ مَسْجداً وطهوراً).

هدى: (تنفرج أساريرُها) سبحان الله .. لقد مرَّ عليّ هذا الحديث كثيراً، وهو في البخاري ومسلم، ولكنْ ما علاقتُه بالحجر الذي تضَعَهُ في سِجّادتِك وتسجد عليه؟

علي: هذا الحجر يُسمى (التربة)، وهي قِطعَةٌ مِنْ ترابِ الأرض، والحديثُ السابق يقول: (جُعِلتْ ليَ الأرضُ مسجداً) أي يجوز السجود عليها.

هدى: استدلالٌ سهلٌ ودقيقٌ ولطيفٌ، لكنْ لماذا لا تسجدون على السجاد؟

علي: لأنه ليس أرضاً.

هدى: ولكنّ السجادَ مأخوذ مِنَ الأرض.

علي: أسألـُكِ عن حالتِهِ الآن وليس سابقاً، فهلْ السجادُ الآنَ أرضٌ؟

هدى: لا، ليسَ أرضاً، ولكنه كان أرضاً.

علي: والحديث يقول: (جُعِلتْ ليَ الأرضُ) ولم يقلْ: (جُعلَ ما كان سابقاً أرضاً).

هدى: كلامُك صحيحٌ، لكنْ لو أصَـرَّ خصمُكم على أنّ ما كان أرضاً فهو أرضٌ أيضاً، فيكونُ هذا الحديث دالٌ على السجودِ على السجادة أيضاً.

علي: إذنْ دَعِيني أسألكِ: لو أرَدْتِ التيَمُّمَ، فبماذا تتيَمَّمِين؟

هدى: بالتراب.

علي: وهل تتيمَّمين بالسجاد؟

هدى: كلا، لأنه لا يَصُحُّ التيمُّم بهِ.

علي: لو كانَ السجّادُ أرضاً، لصحَّ التيمُّم بهِ.

هدى: مِنْ أينَ أتيتَ بهذه المُلازمة؟

علي: مِنْ نفسِ الحديثِ الشريفِ السابق.

هدى: حقاً إنه لشيءٌ عَجيبٌ، وهلْ ذكرَ الحديثُ هذه الملازمة؟

علي: نعم، ألم يقلْ النبي ص: (جُعِلتْ ليَ الأرضُ مسجداً وطهوراً)، فمسجداً يعني يَصُحُّ السجود عليها، وطهوراً يعني يَصُحُّ التيمّم بها.

هدى: الله أكبر، لم أنتبه أبداً لِمعنى (طهوراً).

علي: فالترابُ هو أرضٌ، لذا يَصحّ السجود عليه والتيمم به، أما السجادُ فلو كان أرضاً لـَصَحَّ التيمم به، ولمّا لم يَصُحّ التيمم به، فهو ليس أرضاً.

هدى: ما شاء الله، كم أنا جاهلةٌ بالسنةِ النبوية، والعجيبُ أني كنتُ أسمعُ مِنْ أساتذتي الوهابيين في الدورة الصيفية، يقولون: هذه مِنْ بـِدَعِ الشيعة.

علي: البِدْعَة هي إدخالُ ما ليس مِنَ الدينِ في الدين.

هدى: نعم، هذا هو تعريفها.

علي: وهل كان السجادُ موجوداً في مسجد النبي ص في المدينة؟

هدى: لا أعلم.

علي: أرضُ المسجدِ النبويّ في المدينة كانتْ مِنَ التراب والحصى، وكان النبي ص والمسلمون يسجدون على التراب، فقد يُقال أنّ السجودَ على السجّادِ هو البدعة.

هدى: ولكنْ هذا اتِّهامٌ خطيرٌ.

علي: قلتُ لكِ: قد يُقال بأنها بدعة.

هدى: ولكنّ كلامَكَ يُوحِي بأنّ هناك مَنْ قال ذلك.

علي: نعم، هناك مِنْ عُلمائِكم مَنْ قال ذلك.

هدى: مِنْ علمائنا؟! لعله مِنَ النَكِرَاتِ غير المعروفين.

علي: بل إنه ابنُ تيمية، حيثُ قال في (مجموع الفتاوى) ج22 ص60: (لم تكن هذه [أي الصلاة على السجادة] سُنـَّة السلف مِنَ المهاجرين والأنصار ومَنْ بعدهم مِنَ التابعين لهم بإحسان …. بل كانوا يصلـُّون في مسجده على الأرض، لا يَـتَّخِذ أحدُهم سجّادةً يختصّ بالصلاة عليها، وقد روي أنّ عبد الرحمن بن مهدي لمّا قدِمَ المدينة، بَسَطَ سجادةً، فأمَرَ مالكٌ بحَبسِهِ، فقِيلَ له: إنه عبد الرحمن بن مهدي، فقال: أمَا عَلِمْتَ أنّ بَسْطَ السجّادة في مسجدنا بدعة).

ويقول أيضاً في ص179 – 180 من ج22 من (مجموع الفتاوى): (ومن اتخذ السجادة لِيفرشها على حصر المسجد، لم يكن له في هذا الفعل حُجّةٌ في السُنـّةِ، بل كانتْ البدعةُ في ذلك منكرةً مِنْ وجوهٍ …. مَعَ أنّ الصلاة على الأرض سُنـَّة ثابتة بالنقل المتواتر) انتهى كلام ابن تيمية.

هدى: (يصيبها الذهول) وهل يوجدُ مَنْ يقولُ بمثلِ هذا الرأي غير ابن تيمية؟

علي: نعم، يقولُ ابنُ قيِّم الجوزية في (إغاثة اللهفان) ص126: (وكذلك ترى أحدَهم لا يُصَلي إلا على سجّادة، ولم يُصَلِّ [ النبي ] عليه السلام على سجّادة قط، ولا كانتْ السجّادةُ تُفرشُ بين يديه، بل كان يُصَلي على الأرض، وربّما سَجَدَ في الطين)، ووردَ في مصنف ابن أبي شيبة ج1 ص438: (عن سعيد بن المسيب قال: الصلاةُ على الطنفسةِ مُحْدَثٌ).

هدى: وما هي الطنفسة وما معنى مُحْدَثٌ؟

علي: الطنفسة هي السجادة من القطن أو الصوف، ومُحْدَثٌ هو الأمرُ الذي لم يكنْ في زمَنِ النبي ص، ثمّ أحدثهُ الناس بعده، لذا ورد عنه ص: (شرُّ الأمور مُحدثاتـُها).

هدى: (تستغربُ من ذلك أشدَّ الاستغراب) سبحان الله، أرادَ الوهابيون اتهامكم بالبدعة فارْتَدَّتْ عليهم، ثم إنّ سجود النبي ص على الطين يدلّ على عدم جواز السجود على الثوب، وإلا لمَا سَجَدَ على الطين، ولكني أقول: لو ثبَتَ أنّ السجّادَ قد وضِعَ في مسجد النبي ص زمنَ الخلفاءِ، فهذا يكفي عندنا في صِحّةِ العملِ بهِ.

علي: كلا، لم تُوضَعْ السجّادةُ في المسجد النبوي في زمن الخلفاء، وأمّا في زمن الخليفة الثاني، فقد فـُرشَ المسجدُ النبوي بالحصباء أي الرمل.

هدى: وهلْ ذكرَ المؤرّخون هذا الأمر؟

علي: قال السمهودي: والذي يقتضيه كلامُ المؤرخين أنّ تحصيبَ المسجدِ إنـّمَا حدثَ في زمان عمر بن الخطاب، وروى يحيى عن عبد الحميد عن عبد الرحمن الأزهري قال: (قال عمر بن الخطاب حين بنى مسجدَ رسولِ الله ص: ما ندري ما نفرش في مسجدنا؟ فقيلَ لهُ: اُفرُشْ الخصف والحصر، قال: هذا الوادي مباركٌ، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ يقول: (العقيقُ وادٍ مباركٌ) قال: فحصبه عمر بن الخطاب).

هدى: ومَنْ ذكرَ ذلك؟

علي: ذكره ابنُ سعدٍ في (الطبقات الكبرى) ج3 قسم 1 ص204.

هدى: أتصور أني كنتُ نائمةً قبل زواجي منك، والآن بدأتُ أستيقظ تدريجاً.

 علي: لو شِئتِ أنْ أرْمِيَ سَطلاً مملوءةً من الماء على رأسِكِ كي تستيقظي تماماً.

هدى: (ضاحكة) لا حاجة لذلك، دعني أستيقظ بالتدريج، والآن نعودُ لموضوعِ السجود، ألا ترى فرقاً بَيْنَ فِعْلِ النبي ص والصَحَابةِ مِنْ سُجودِهم على الأرض، وبين فِعْلِكم بأخْذِ حجرٍ أو قطعةٍ مِنَ الأرض وتسجدون عليها.

علي: بلْ كان الصحابة يأخذون الحصى ويجعلونها في أيديهم، ثم يضعونها على الأرض ويسجدون عليها.

هدى: اُذكرْ لي حديثاً واحداً في ذلك عنهم.

علي: روي عن جابر قال: (كنتُ أصلي مع النبي ص الظهرَ فآخذُ قبضةً مِنَ الحصى فأجعلها في كفي، ثمّ أحوِّلها إلى الكفِّ الأخرى حتى تبرد، ثمّ أضعُها لِجَبيني حتى أسجدَ مِنْ شِدَّةِ الحرِّ).

هدى: وهل يوجدُ مصدرٌ معتمدٌ عندنا لهذا الحديث؟

علي: نعم، رواها النسائي في سننه ج2 ص204، وأبو داود في سننه ج1 ص110، وأحمد في مسنده ج3 ص327، والبيهقي في سننه ج1 ص439، وشرح عون المعبود ج1 ص249، والمتقي في كنز العمال ج4 ص188.

هدى: (يصيبُها شِبْهُ الدوار، لِجهلها بكتبها مِنْ ناحيةٍ، والإعجاب والإكبار بزوجها مِنْ ناحية أخرى، لاطلاعه الواسع على السنة النبوية) ما شاء الله، ولكنْ هل تكفي رواية واحدة في مِثلِ هذا الأمرِ المهم؟

علي: بلْ هناك العشرات من الروايات عن النبي ص والصحابة والتابعين، تدلُّ على أنهم كانوا يسجدون على التراب، بل كانوا يَشْكونَ لِرسولِ اللهِ ص حرَّ الأرضِ في الصيف، فلا يَسْمَحُ لهم بالسجودِ على ملابسهم أو العمامة.

هدى: اُذكرْ لي نموذجاً مِنْ تلك الأحاديث.

علي: وردَ عن أنس قال: (كنا مع رسول الله ص في شدَّةِ الحرِّ، فيأخذ أحدُنا الحصباءَ في يدِهِ، فإذا بَرَدَ وضعه وسَجدَ عليه)، رواه البيهقي في السنن الكبرى ج2 ص105، وقال بعد نقله للحديث: قال الشيخ: (ولو جاز السجود على ثوبٍ متصلٍ بهِ، لكان ذلك أسهل مِنْ تبريدِ الحَصى في الكفِّ ووضعها للسجودِ).

هدى: بلْ لو كان السجودُ على منديلٍ مُنفصل جَائِزاً، لكانَ أسهلَ مِنْ تبريد الحصى.

علي: ما شاء الله، أحسنتِ استنتاجاً، فعَمَلهُم يَكشف عن عَدَمِ جواز السجودِ على الثيابِ، سواءً كانتْ متصلةً أو منفصلةً.

هدى: وهل مِنْ مَزيد؟

علي: روى الخبابُ بن الأرت وابنُ مسعود قالا: (شكونا إلى رسول الله حرَّ الرمضاءِ فلم يُشَكـِّنا). رواها مسلم في صحيحه ج1 ص433، وإرشاد الساري ج1 ص487، وأحمد في مسنده ج5 ص108 – 110، والمصنف ج1 ص544، والبيهقي في سننه ج1 ص438 وج2 ص105، والنسائي في سننه ج1 ص247، وابن ماجة في سننه ج1 ص222، وغيرهم كثير.

هدى: ولكنْ ليس في الحديثِ ذِكرٌ للسجودِ في الصلاة؟

علي: يقولُ ابنُ الأثير في كتابه (النهاية) في مادة (شكى) بعد نقله لحديثِ خباب: (والفقهاءُ يذكرونَهُ في السجود، فإنَّهم كانوا يَضَعُونَ أطرافَ ثيابهم تحتَ جباهِهم في السجود مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، فنُهُوا عن ذلك، فلمّا شَكَوْا إليهِ [ص] ما يَجدونه مِنْ ذلك، لم يفسحْ لهم أنْ يسجدوا على طَرَفِ ثِيابهم).

هدى: ولماذا لم يُنقل مثلُ هذا الأمر المهم عن الصحابةِ والتابعين؟

علي: بل إنّ كثيراً مِنَ الصحابةِ كانوا مُلتزمين بالسجودِ على الترابِ أو الحَصَى، كأبي بكر وابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبادة بن الصامت وجابر الأنصاري وعثمان بن حنيف وخباب بن الأرت وابن عباس وغيرهم، وكذلك التابعين، راجعي المصنف لعبد الرزاق ج1 ص397.

هدى: (يصيبُها الذهولُ) سبحان الله .. وهل استمرَّ هذا الأمر في التابعين؟

علي: نعم، روى القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ج1 ص204 – 205: (أنّ عمر بن عبد العزيز كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليها).

هدى: سبحان الله، ولكن ما هي الخمرة؟

علي: هي حصير صغير يُصنع من سعف النخيل، ثم إنَّه قد ورد عن ابنِ مسروق بن الأجدع أنه كانَ لا يُرَخِّص في السجودِ على غير الأرض حتى في السفينة.

هدى: وماذا كان يَصْنـَعُ إذا ركبها؟

علي: كان يَحْمِلُ معه قِطعَةً مِنَ الترابِ فيَسْجُدُ عليها.

هدى: ومَنْ روى ذلك عنه؟

علي: رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ج6 ص53، والمصنف لعبد الرزاق ج2 ص583، والمصنف لابن أبي شيبة ج2 ص172 باب من كان يحمل في السفينة شيئاً يَسجدُ عليه.

هدى: (تندهشُ بشدةٍ لِسَماعِها هذه الأخبار) ولكني وَجَدْتـُك تُقبّلُ التربةَ بعدَ الصلاة.

علي: وَرَدَتْ رواياتٌ عنه ص، أنهُ فعلَ ذلك مع التربةِ التي سَيُقتلُ عليها الحسين ع.

هدى: لم أفهمْ مَقصودَكَ يا علي.

علي: قالتْ أم سلمة رض: (اضطجعَ رسولُ الله ص فاستيقظ وبيدِهِ تـُربة حمراء يقبِّلـُها، فقلتُ: ما هذه التربة يا رسول الله؟ قال: أخبرني جبرئيلُ أنَّ ابني هذا – يعني الحسين – يُقتلُ بأرضِ العراق، فقلتُ لِجبرئيل: أرني التربة التي يُقتلُ بها، فهذه تربتها). فالشيعة يأخذون مِنْ ترابِ كربلاء يَسجدونَ عليه، ويقبلونه عملاً بالسُنـَّة.

هدى: وهل وَرَدَ هذا الحديثُ في مصادرنا أيضاً؟!

علي: نعم، فقد رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص398 وصَحَّحَهُ، والطبراني في المعجم الكبير ج ص145، والمتقي في كنز العمال ج13 ص111، والذهبي في تاريخ الإسلام ج3 ص10.

هدى: أليس عَجيباً أنْ يُقبِّلَ النبي ص تربةَ كربلاء قبلَ مَقتلِ الحسين عليها؟

علي: صحيح، ويَشمُّها أيضاً.

هدى: تقصد كما تُشمُّ الرياحين؟

علي: وربما أكثر، لأنّ الوردَ إذا شَمَّهُ المرءُ لا يبكي، بينما النبي كان يَشمُّها ويبكي.

هدى: ولكنّ روايةَ أمِّ سلمة لم تذكرْ إلا التقبيل؟

علي: وَرَدَ ذلك في روايةٍ أخرى.

هدى: وما هي؟

علي: رُويَ عن علي بن أبي طالب ع أنه (دخلَ على النبي ص ذاتَ يومٍ وعيناهُ تفيضان بالدموع، فقال: يا نبي الله، أغضبكَ أحدٌ، ما شأنُ عينيكَ تفيضان؟ قال: بل قامَ عندي جبرئيلُ قبلُ فحَدَّثني: أنّ الحسينَ يُقتلُ بشطِّ الفرات، قال: فقال: هلْ أشمّكَ مِنْ تـُرْبَتِهِ؟ قال: قلتُ: نعم، فمدّ يدَهُ فقبضَ قبضةً مِنْ ترابٍ فأعطانيها، فلم أملك عينيّ أنْ فاضتا).

هدى: الغريبُ في الرواية أنّ جبرئيلَ هو الذي قال للنبي ص: (هل أشمّكَ مِنْ تربتهِ؟) وكأنّه يَحُثـُّهُ على شمِّهَا إذا جاءَهُ بها، ولكنْ قلْ لي: مَنْ رواها؟

علي: رواها أحمد بن حنبل في مسنده ج1 ص85، وج4 ص242، والذهبي في تاريخ الإسلام ج3 ص9، وسير أعلام النبلاء له أيضاً ج3 ص193، والمتقي في كنز العمال ج13 ص122، والطبراني في المعجم الكبير ج ص144، وتهذيب التهذيب للعسقلاني ج2 ص346، والتذكرة لابن الجوزي ص260، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص485.

هدى: الله أكبر، أحقاً قد وردتْ في كلِّ هذه المصادر، ولم ألتفتْ إليها حتى مرة واحدة في كلّ مطالعاتي؟! يا ليتني اطلعتُ عليها منذ زمنٍ بعيد.

علي: ولماذا؟

هدى: لأني كنتُ أتصور بأنّ البكاء على الحسين من بـِدَعِ الشيعة، وها أنتَ تنقلُ مِنْ مصادرنا بأنّ النبي ص قد بكاهُ قبلَ مَقتلِهِ.

علي: صحيح، فالنبي ص هو الذي سَنَّ البكاءَ على الحُسين، ونحنُ نقتدي به، قال تعالى: (لقد كانَ لكم في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنةٌ).

هدى: لِنُكملَ باقي الملاحظات حول الصلاة.

علي: لم يبقَ على أذانِ المغربِ إلا دقائقَ معدودات، فلنتهيَّأ للصلاة.

هدى: ولكنْ لنستغلّ هذه الدقائق المتبقية لِمزيدٍ مِنَ المعرفة.

علي: كنتُ أظنُّ بأني صَدَّعْتُ رأسَكِ بكثرةِ الكلام.

هدى: على العكس يا عزيزي، فكلامُك الطيبُ أحدَثَ تغييراً في نفسي.

علي: بالطبع يا عزيزتي، فالعلمُ نورٌ.

هدى: ليس فقط نور العلم، بل تحوّلَ بُغضي للشيعةِ إلى حُبٍّ واحترامٍ لهم، لأنّ أساتذتي الوهابية زَرَعُوا في نفسي بُغضَهم، لِكثرةِ التـُهَمِ والكذبِ الذي كانوا يُوَجِّهُونهُ لهم، وأنهم مُبتدِعَة توارثوا جهلهم عَمَّنْ سَبَقهم.

علي: وهل هكذا وجدتينا؟

هدى: بل أدركتُ الآنَ مدى جهلي بالسُنةِ التي عندنا، كما عَرَفتُ قوةَ بَراهينِكم ومَتانة أدلتِكم فيما تأتونَهُ مِنَ عبادات، والأغربُ هو استدلالكم مِنْ كتبنا وأحاديثنا !!!

علي: ها هو صوتُ المؤذن قد ارتفعَ لِصَلاةِ المغرب، هيّا بنا نُصلي لِربّنا.

هدى: صَدَقتَ .. هيّا بنا نصلي.