المراد من أهل البيت عليهم السلام في آية التطهير

إذن ، لابدّ من بيان المراد من أهل البيت عليهم السلام في هذه الاية المباركة ، لانّ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً  .

محلّ الاستدلال في هذه الاية المباركة نقطتان :

النقطة الاُولى : المراد من أهل البيت .

النقطة الثانية : المراد من إذهاب الرجس .

فإذا تمّ المدّعى على ضوء القواعد المقرّرة في مثل هذه البحوث في تلك النقطتين ، تمّ الاستدلال بالاية المباركة على إمامة علي أمير المؤمنين ، وإلاّ فلا يتمّ الاستدلال .

المراد من أهل البيت في هذه الاية المباركة مَن ؟ لابدّ هنا من الرجوع أيضاً إلى كتب الحديث والتفسير ، وإلى كلمات العلماء من محدّثين ومفسّرين ومؤرخين ، لنعرف المراد من قوله تعالى في هذه الاية ، أي : المخاطب بأهل البيت من هم ؟ ونحن كما قرّرنا من


الصفحة 10


قبل ، نرجع أوّلاً إلى الصحاح والمسانيد والسنن والتفاسير المعتبرة عند أهل السنّة .

وإذا ما رجعنا إلى صحيح مسلم ، وإلى صحيح الترمذي ، وإلى صحيح النسائي ، وإلى مسند أحمد بن حنبل ، وإلى مسند البزّار ، وإلى مسند عبد بن حُميد ، وإلى مستدرك الحاكم ، وإلى تلخيص المستدرك للذهبي ، وإلى تفسير الطبري ، وإلى تفسير ابن كثير ، وهكذا إلى الدر المنثور ، وغير هذه الكتب من تفاسير ومن كتب الحديث :

نجد أنّهم يروون عن ابن عباس ، وعن أبي سعيد ، وعن جابر بن عبدالله الانصاري ، وعن سعد بن أبي وقّاص ، وعن زيد بن أرقم ، وعن أُمّ سلمة ، وعن عائشة ، وعن بعض الصحابة الاخرين :

أنّه لمّا نزلت هذه الاية المباركة على رسول الله صلي الله عليه و اله ، جمع أهله ـ أي جمع عليّاً وفاطمة والحسن والحسين ـ وألقى عليهم كساءً وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي » .

وفي بعض الروايات : ألقى الكساء على هؤلاء ، فنزلت الاية المباركة .

والروايات بعضها تفيد أنّ الاية نزلت ففعل رسول الله هكذا .

وبعضها تفيد أنّه فعل رسول الله هكذا ، أي جمعهم تحت كساء


الصفحة 11


فنزلت الاية المباركة .

قد تكون القضيّة وقعت مرّتين أو تكرّرت أكثر من مرّتين أيضاً ، والاية تكرّر نزولها ، ولو راجعتم إلى كتاب الاتقان في علوم القرآن للجلال السيوطي لرأيتم فصلاً فيه قسمٌ من الايات النازلة أكثر من مرّة ، فيمكن أن تكون الاية نازلة أكثر من مرّة والقضيّة متكرّرة .

وسنقرأ إن شاء الله في البحوث الاتية عن حديث الثقلين : أنّ رسول الله صلي الله عليه واله قال : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا … » إلى آخر الحديث ، قاله في مواطن متعدّدة .

وقد ثبت عندنا أنّ النبي قال : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » أكثر من مرّة ، وإنْ اشتهرت قضيّة غدير خم .

وحديث « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » وارد عن رسول الله في مصادر أهل السنّة في أكثر من خمسة عشر موطناً .

فلا نستبعد أن تكون آية التطهير نزلت مرّتين أو أكثر ، لانّا نبحث على ضوء الاحاديث الواردة ، فكما ذكرت لكم ، بعض الاحاديث تقول أنّ النبي جمعهم تحت الكساء ثمّ نزلت الاية ، وبعض الاحاديث تقول أنّ الاية نزلت فجمع رسول الله عليّاً


الصفحة 12


وفاطمة والحسنين وألقى عليهم الكساء وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي » .

فالحديث في :

١ ـ صحيح مسلم(1) .

٢ ـ مسند أحمد ، في أكثر من موضع(2) .

٣ ـ مستدرك الحاكم(3) ، مع إقرار الذهبي وتأييده لتصحيح

الحاكم لهذا الحديث(4) .

٤ ـ صحيح الترمذي ، مع تصريحه بصحّته(5) .

٥ ـ سنن النسائي(6)، الذي اشترط في سننه شرطاً هو أشدّ من

شرط الشيخين في صحيحيهما ، كما ذكره الذهبي بترجمة النسائي في كتاب تذكرة الحفاظ(7).

ولا يخفى عليكم أنّ كتاب الخصائص الموجود الان بين

____________

1- صحيح مسلم ٧ / ١٣٠ .

2- مسند أحمد ١ / ٣٣٠ و ٦ / ٢٩٢ و ٣٢٣ .

3- المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤١٦ .

4- تلخيص المستدرك ( ط مع المستدرك ) ٢ / ٤١٦ .

5- صحيح الترمذي ٥ / ٣٢٧ كتاب التفسير و ٦٢٧ و ٦٥٦ كتاب المناقب .

6- خصائص علي من سنن النسائي : ٨١و٦٢و٤٩ ط الغري.

7- تذكرة الحفاظ ١ / ٧٠٠ .


الصفحة 13


أيدينا الذي هو من تأليف النسائي ، هذا جزء من صحيحه ، إلاّ أنّه نشر أو انتشر بهذه الصورة بالاستقلال ، وإلاّ فهو جزء من صحيحه الذي اشترط فيه ، وكان شرطه في هذا الكتاب أشدّ من شرط الشيخين في صحيحيهما .

٦ ـ تفسير الطبري ، حيث روى هذا الحديث من أربعة عشر طريقاً(1) .

٧ ـ كتاب الدر المنثور للسيوطي ، يرويه عن كثير من كبار الائمّة الحفّاظ من أهل السنّة (2).

وقد اشتمل لفظ الحديث في أكثر طرقه على أنّ أُم سلمة أرادت الدخول معهم تحت الكساء ، فجذب رسول الله الكساء ولم يأذن لها بالدخول ، وقال لها : « وإنّك على خير » أو « إلى خير»(3) .

والحديث أيضاً وارد عن عائشة كذلك(4).

واشتمل بعض ألفاظ الحديث على جملة أنّ النبي صلي الله عليه و اله أرسل

إلى فاطمة ، وأمرها بأن تدعو عليّاً والحسنين ، وتأتي بهم إلى

____________

1- تفسير الطبري ٢٢ / ٥ ـ ٧ .

2- الدرّ المنثور ٥ / ١٩٩ .

3- أحمد ٦ / ٢٩٢ ، والترمذي ، وغيرهما .

4- صحيح مسلم ٧ / ١٣٠ .


الصفحة 14


النبي ، فلمّا اجتمعوا ألقى عليهم الكساء وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي » ممّا يدل على أن النبي كانت له عناية خاصة بهذه القضيّة ، ولمّا أمر رسول الله فاطمة بأن تأتي هي وزوجها وولداها ، لم يأمرها بأن تدعو أحداً غير هؤلاء ، وكان له أقرباء كثيرون ، وأزواجه في البيت عنده ، وحتّى أنّه لم يأذن لاُمّ سلمة أن تدخل معهم تحت الكساء .

إذن ، هذه القضيّة تدلّ على أمر وشأن ومقام لا يعمّ مثل أُمّ سلمة ، تلك المرأة المحترمة المعظّمة المكرّمة عند جميع المسلمين .

إلى هنا تمّ لنا المراد من أهل البيت في هذه الاية المباركةوهذا الاستدلال فيه جهة إثبات وجهة نفي ، أمّا جهة الاثبات فإنّ الذين كانوا تحت الكساء ونزلت الاية في حقّهم هم : علي وفاطمة والحسن والحسين فقط ، وأمّا جهة النفي ، فإنّه لم يأذن النبي لان يكون مع هؤلاء أحد .

في جهة الاثبات وفي جهة النفي أيضاً ، تكفينا نصوص الاحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد وغيرها من الاحاديث التي نصّوا على صحّتها سنداً ، فكانت تلك الاحاديث صحيحةً ، وكانت مورد قبول عند الطرفين .


الصفحة 15


آية التطهير وأزواج النبي صلي الله عليه و اله

لكن يبقى هناك في جهة النفي بحث يتعلّق بقولين :

أحدهما : ما ينقل عن عكرمة مولى عبدالله بن عباس ، فهذا كان يصرّ على أنّ الاية نازلة في خصوص أزواج النبي صلي الله عليه و اله ، حتّى أنّه كان يمشي في الاسواق ويعلن عن هذا الرأي ، ويخطّئ الناس باعتقادهم باختصاص الاية المباركة بأهل البيت ، ممّا يدلّ على أنّ الرأي السائد عند المسلمين كان هذا الرأي ، حتّى أنّه كان يقول : من شاء باهلته في أنّ الاية نازلة في أزواج النبي خاصّة ، وفي تفسير الطبري : إنّه كان ينادي في الاسواق بذلك(1) ، وفي تفسير ابن كثيرإنّه كان يقول : من شاء باهلته أنّها نزلت في نساء النبي خاصّة(2) ، وفي الدر المنثور ، كان يقول : ليس بالذي تذهبون إليه ، إنّما هو

____________

1- تفسير الطبري ٢٢ / ٧ ، ابن كثير ٣ / ٤١٥ .

2- ابن كثير ٣ / ٤١٥ ، الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨ .


الصفحة 16


نساء النبي(1) .

فهذا هو القول الاوّل .

لكنّ هذا القول يبطله :

أوّلاً : إنّه قول غير منقول عن أحد من أصحاب النبي صلي الله عليه و اله

ثانياً : قول تردّه الاحاديث الصحيحة المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين .

ثالثاً : هذا الرجل كان منحرفاً فكراً وعملاً ، وكان معادياً لاهل البيت ومن دعاة الخوارج .

أذكر لكم جملاً ممّا ذكر بترجمة هذا الرجل :

كان خارجيّاً بل من دعاتهم ، وإنّما أخذ أهل أفريقيّة هذا الرأيـ أي رأي الخوارج ـ من عكرمة ، ولكونه من الخوارج تركه مالك بن أنس ولم يرو عنه .

قال الذهبي : قد تكلّم الناس في عكرمة لانّه كان يرى رأي الخوارج ، بل كان هذا الرجل مستهتراً بالدين ، طاعناً في الاسلام ، فقد نقلوا عنه قوله : إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به الناس ، وقال في وقت الموسم أي موسم الحج : وددت أنّي بالموسم

____________

1- الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨ .


الصفحة 17


وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً ، وإنّه وقف على باب مسجد النبي وقال : ما فيه إلاّ كافر ، وذكر أنّه كان لا يصلّي ، وأنّه كان يرتكب جملة من الكبائر .

وقد نصّ كثير من أئمّة القوم على أنّه كان كذّاباً ، فقد كذب على سيّده عبدالله بن عباس حتّى أوثقه علي بن عبدالله بن عباس على باب كنيف الدار ، فقيل له : أتفعلون هذا بمولاكم ؟ قال : إنّ هذا يكذب على أبي .

وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال لمولاه : يا برد إيّاك أن تكذب عَلَيّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس .

وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر الذي هو من فقهاء المدينة المنوّرة : إنّ عكرمة كذّاب .

وعن ابن سيرين : كذّاب .

وعن مالك بن أنس : كذّاب .

وعن يحيى بن معين : كذّاب .

وعن ابن ذويب : كان غير ثقة .

وحرّم مالك الرواية عن عكرمة .

وقال محمّد بن سعد صاحب الطبقات : ليس يحتج بحديثه .

هذه الكلمات بترجمة عكرمة نقلتها : من كتاب الطبقات لابن


الصفحة 18


سعد ، من كلمات الضعفاء الكبير لابي جعفر العقيلي ، من تهذيب الكمال للحافظ المزّي ، من وفيّات الاعيان ، من ميزان الاعتدال للذهبي ، المغني في الضعفاء للذهبي ، سير أعلام النبلاء للذهبي ، تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني(1) .

هذه خلاصة ترجمة هذا الشخص .

لكن الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري ، في مقدمة هذا الشرح(2) ، له فصل يدافع فيه عن رجال صحيح البخاري المقدوح فيهم ، عن الرجال المشاهير المجروحين الذين اعتمدهم البخاري ، فيعنون هناك عكرمة مولى ابن عباس ويحاول الذبّ عن هذا الرجل بما أُوتي من حول وقوّة .

إلاّ أنّكم لو رجعتم إلى كلماته لوجدتموه متكلّفاً في أكثرها أو في كلّ تلك الكلمات ، وهذه مصادر ترجمة هذا الشخص ذكرتها لكم ، ومن أراد التوسع فليرجع إلى الكتب التي ذكرتها .

ومن طريف ما أُحبّ أن أذكره هنا : إنّ عكرمة وإنْ أخرج عنه البخاري ، لم يخرج عنه مسلم ، عكرمة أعرض عنه مسلم وإن

____________

1- طبقات ابن سعد ٥ / ٢٨٧ ، تهذيب الكمال ٢٠ / ٢٦٤ ، تهذيب التهذيب ٧ / ٢٦٣ ، المغني في الضعفاء للذهبي ٢ / ٨٤ ،ميزان الاعتدال ٣ / ٩٣ ،وغيرها .

2- هدي الساري مقدّمة فتح الباري : ٥٢٤ .


الصفحة 19


اعتمده البخاري ، ومن هنا قالوا : إن أصحّ الكتب كتاب البخاري وكتاب مسلم ، وأصحّهما كتاب البخاري ، فلامر ما قدّموا البخاري !! ولي أيضاً شواهد على هذا .

سأقرأ لكم حديث الثقلين من صحيح مسلم ، والبخاري لم يرو حديث الثقلين في صحيحه ، سأذكر لكم ـ إن شاء الله ـ حديثاً عن صحيح مسلم فيه مطلب مهمّ جدّاً يتعلّق بالشيخين ، وقد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع متعددة وحرّفه وذكره بألفاظ وأشكال مختلفة .

إذن ، كون عكرمة من رجال البخاري لا يفيد البخاري ولا يفيد عكرمة إنّه ربّما يحتجّ لوثاقة عكرمة باعتماد البخاري عليه ، ولكن الامر بالعكس ، إنّ رواية البخاري عن عكرمة من أسباب جرحنا للبخاري ، من أسباب عدم اعتمادنا على البخاري ، ولو أنّ بعض الكتّاب المعاصرين ـ ولربّما يكون أيضاً من أصحابنا الاماميّة ـ يحاولون الدفاع عن عكرمة ، فإنّهم في اشتباه .

وعلى كلّ حال ، فالقول باختصاص الاية المباركة بأزواج النبي ، هذا القول مردود ، إذ لم يرو إلاّ عن عكرمة ، وقد رفع عكرمة راية هذا القول ، وجعل ينشره بين الناس ، وطبيعي أن الذين يكونون على شاكلته سيتقبلون منه هذا القول .


الصفحة 20


الثاني : وهو القول بأنّ المراد من أهل البيت في هذه الاية المباركة : أهل البيت ـ أي علي وفاطمة والحسنان ـ والازواج أيضاً .

هذا القول إذا رجعنا إلى التفاسير المعتبرة ، لوجدنا مثل ابن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير(1) ، الذي هو من التفاسير المشهورة ، ينسب هذا القول إلى الضحّاك فقط ، ولم نجد في كتاب ابن الجوزي وأمثاله من يعزو هذا القول إلى غير الضحّاك .

أترى أنّ قول الضحّاك وحده يعارض ما روته الصحاح والسنن والمسانيد عن ابن عباس ، وعن جابر بن عبدالله ، وعن زيد بن أرقم ، وعن سعد بن أبي وقّاص ، وعن أُمّ سلمة ، وعن عائشة ؟

وعجيب ، إنّ هؤلاء يحاولون أن يذكروا لزوجات النبي فضيلة ، والحال أنّ نفس الزوجات هنّ بأنفسهنّ ينفين هذا القول ، فأُمّ سلمة وعائشة من جملة القائلين باختصاص الاية المباركة بأهل البيت ، وكم من عجيب عندهم ، وما أكثر العجب والعجيب عندهم ، يحاولون الدفاع عن الصحابة أجمعين اكتعين كما يعبّر

____________

1- زاد المسير في علم التفسير ٦ / ٣٨١ .


الصفحة 21


السيد شرف الدين رحمة الله عليه : أجمعين أكتعين ، والحال أنّ الصحابة أنفسهم لا يرون مثل هذا المقام لهم ، نحن نقول بعدالتهم جميعاً وهم لا يعلمون بعدالتهم ؟!

فأُمّ سلمة وعائشة تنفيان أن تكون الاية نازلة في حقّ أزواج النبي ، ويأتي الضحّاك ويضيف إلى أهل البيت أزواج النبي ، وكأنّه يريد الاصلاح بين الطرفين ، وكأنّه يريد الجمع بين الحقّين .

لكنّي وجدت في الدر المنثور(1) حديثاً يرويه السيوطي عن عدّة من أكابر المحدّثين عن الضحّاك ، يروي عن النبي صلي الله عليه و اله حديثاً يتنافى مع هذه النسبة إلى الضحّاك .

وأيضاً : الضحّاك الذي نسب إليه ابن الجوزي هذا القول في تفسيره ، هذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه في كتاب الضعفاء ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، وأورده الذهبي في المغني في الضعفاء ، وعن يحيى بن سعيد القطّان الذي هو من كبار أئمّتهم في الجرح والتعديل أنّه كان يجرح هذا الرجل ، وذكروا بترجمته أنّه بقي في بطن أُمّه مدّة سنتين .

وهذا ما أدري يكون فضيلة له أو يكون طعناً له ، وكم عندهم

____________

1- الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ٥ / ١٩٩ .


الصفحة 22


من هذا القبيل ، يذكر عن مالك بن أنس أنّه بقي في بطن أُمّه أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات على ما أتذكّر الان ، وراجعوا كتاب وفيّات الاعيان لابن خلّكان وغيره .

وعلى كلّ حال ، فإنّا نرجع إلى ما في الصحاح ، والافضل لهم أن يرجعوا إلى ما في الصحاح ، وهذا ما دعا مثل ابن تيميّة إلى أن يعترف بصحّة حديث نزول الاية في أهل البيت الاطهار واختصاصها بهم ، وأمّا عكرمة والضحّاك وقول مثل هذين الرجلين المجروحين المطعونين ، فإنّما يذكر لتضعيف استدلال الاماميّة بالاية المباركة ، والذاكرون أنفسهم يعلمون بعدم صلاحيّة مثل هذه الاقوال للاستدلال .

بحث في مقتضى سياق الاية

لكنّهم مع ذلك يحاولون توجيه هذا الرأي ، أي رأي الضحّاك ، يقولون بأنّه مقتضى سياق الاية المباركة .

وقد قرأت لكم بنفسي الايات السابقة على آية التطهير ، والكل يعلم وأنتم تعلمون بأنّ الاية الان في القرآن الكريم جاءت في ضمن الايات التي خاطب الله سبحانه وتعالى نساء النبي ، وقد تعمّدت قراءة الاية ، عندنا اصطلاح في علم الاُصول ، يقولون : بأنّ


الصفحة 23


السياق قرينة في الكلام ، أي أنّه متى ما أردنا أن نفهم معنى كلام أو معنى كلمة ، نراها محفوفةً بأيّ كلام ، وفي أيّ سياق ، فالالفاظ التي تحفّ بهذه الكلمة ، والسياق الذي جاءت الجملة في ذلك السياق يكون معيناً لنا أو معيّنا لنا على فهم المراد من تلك الكلمة أو الجملة ، هذا شيء يذكرونه في علم الاصول ، وهذا أيضاً أمر صحيح في مورده ولانقاش فيه .

إلاّ أنّ الذين يقرّرون هذه القاعدة ، ينصّون على أنّ السياق إنّما يكون قرينة حيث لا يكون في مقابله نصّ يعارضه ، وهل من الصحيح أن نرفع اليد عمّا رواه أهل السنّة في صحاحهم وفي مسانيدهم وفي سننهم وفي تفاسيرهم ، عن اُمّ سلمة وعن عائشة وعن غيرهما من كبار الصحابة : أنّ الاية مختصّة بالنبيّ وبالاربعة الاطهار من أهل البيت ، نرفع اليد عن جميع تلك الاحاديث المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين ، لاجل السياق وحده ، حتّى ندّعي شيئاً لاُمّ سلمة أو لعائشة ، وهنّ ينفين هذا الشيء الذي نريد أن ندّعيه لهنّ ؟!

ليس هناك دليل أو وجه لهذا المدّعى ، إلاّ إخراج الاية المباركة عن مدلولها ، عن معناها ، عن المراد الذي هو بحسب الاحاديث الواردة هو مراد الله سبحانه وتعالى .


الصفحة 24


ولولا أنّ الاية المباركة تدلّ على معنى ، تدلّ على مقام ، تدلّ على مرتبة ، تدلّ على شأن ، لما كانت هذه المحاولات ، لا من مثل عكرمة الخارجي ، ولا من مثل ابن كثير الدمشقي ، الذي هو تلميذ ابن تيميّة ، فالاية المباركة لا يراد من ﴿ أهل البيت فيها إلاّ من دلّت عليه الاحاديث الصحيحة المتفق عليها ، المقبولة بين الطرفين المتنازعين في هذه المسألة .


الصفحة 25


معنى إذهاب الرجس والارادة

ننتقل الان إلى النقطة الثانية في الاية المباركة ، وهي معنى إذهاب الرجس ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً  ، فتعيّن المراد من أهل البيت بقول رسول الله وبفعل رسول الله ، فأصبحت السنّة المتفق عليها مفسّرة للاية المباركة .

فما معنى إذهاب الرجس عن أهل البيت ؟

لابدّ من التأمّل في مفردات الاية المباركة :

كلمة ﴿ إنّما  تدلّ على الحصر ، وهذا ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف من أحد .

﴿ يريد الله  الارادة هنا إمّا إرادة تكوينيّة كقوله تعالى : ﴿ إِذَا


الصفحة 26


أَرَادَ شَيْئَاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) ، وإمّا هي تشريعيّة كقوله

تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2) .

فالارادة ، تارةً تكوينيّة ، وأُخرى تشريعيّة ، وكلا القسمين واردان في القرآن الكريم ، ولله سبحانه وتعالى إرادة تكوينيّةوإرادة تشريعيّة ، ولا خلاف في هذه الناحية أيضاً .

لكن المراد من « الارادة » في الاية لا يمكن أن يكون إلاّ الارادة التكوينيّة ، لان الارادة التشريعيّة لا تختص بأهل البيت ، سواء كان المراد من أهل البيت هم الاربعة الاطهار ، أو غيرهم أيضاً ، الارادة التشريعيّة لا تختصّ بأحد دون أحد ، الارادة التشريعيّة يعني ما يريد الله سبحانه وتعالى أن يفعله المكلَّف ، أو يريد أن لا يفعله المكلّف ، هذه الارادة التشريعيّة ، أي الاحكام ، الاحكام عامّة تعم جميع المكلّفين ، لا معنى لان تكون الارادة هنا تشريعيّة ومختصّة بأهل البيت أو غير أهل البيت كائناً من كان المراد من أهل البيت في هذه الاية المباركة ، إذ ليس هناك تشريعان ، تشريع يختصّ بأهل البيت في هذه الاية وتشريع يكون لسائر المسلمين المكلّفين ، فالارادة هنا تكون تكوينيّة لا محالة .

____________

1- سورة يس : ٨٢ .

2- سورة البقرة : ١٨٥ .


الصفحة 27


﴿ إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس  و ﴿ الرجس  إذا رجعنا إلى اللغة ، فيعمّ الرجس ما يستقذر منه ويستقبح منه ، ويكون المراد في هذه الاية الذنوب ، ﴿ إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس  ، أي إنّما يريد الله بالارادة التكوينيّة أن يذهب عنكم الذنوب أهل البيت ، ويطهّركم من الذنوب تطهيراً ، فهذا يكون محصّل معنى الاية المباركة .

إنّ إرادة الله التكوينيّة لا تتخلّف ، وبعبارة أُخرى : المراد لا يتخلّف عن الارادة الالهيّة ، ﴿ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون  (1) .

فإذا كانت الارادة تكوينيّة ، والمراد إذهاب الرجس عن أهل البيت ، فهذا معناه طهارة أهل البيت عن مطلق الذنوب ، وهذا واقع العصمة ، فتكون الاية دالّة على العصمة .

الارادة التكوينية والجبر

ويبقى سؤال : إذا كانت الارادة هذه تكوينيّة ، فمعنى ذلك أن نلتزم بالجبر ، وهذا لا يتناسب مع ما تذهب إليه الاماميّة من أنّه لا

____________

1- سورة يس : ٨٢ .


الصفحة 28


جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين ، هذه الشبهة موجودة في الكتب ، وممّن تعرّض لها ابن تيميّة في منهاج السنّة .

وقد أجاب علماؤنا عن هذه الشبهة في كتبهم بما ملخصه :

إنّ الله سبحانه وتعالى لمّا علم أنّ هؤلاء لا يفعلون إلاّ ما يؤمرون ، وليست أفعالهم إلاّ مطابقةً للتشريعات الالهيّة من الافعال والتروك ، وبعبارة أُخرى : جميع أفعالهم وتروكهم تكون مجسّدة للتشريعات الالهيّة ، جميع ما يفعلون ويتركون ليس إلاّ ما يحبّه الله سبحانه وتعالى أو يبغضه ويكرهه سبحانه وتعالى ، فلمّا علم سبحانه وتعالى منهم هذا المعنى لوجود تلك الحالات المعنويّة في ذواتهم المطهّرة ، تلك الحالة المانعة من الاقتحام في الذنوب والمعاصي ، جاز له سبحانه وتعالى أن ينسب إلى نفسه إرادة إذهاب الرجس عنهم .

وهذا جواب علميّ يعرفه أهله ويلتفت إليه من له مقدار من المعرفة في مثل هذه العلوم ، والبحث لغموضه لا يمكن أن نتكلّم حوله بعبارات مبسّطة أكثر ممّا ذكرته لكم ، لانّها اصطلاحات علميّة ، ولابدّ وأن يكون السامعون على معرفة ما بتلك المصطلحات العلميّة الخاصّة .

وعلى كلّ حال لا يبقى شيء في الاستدلال ، إلاّ هذه الشبهة ،


الصفحة 29


وهذه الشبهة قد أجاب عنها علماؤنا ، وبإمكانكم المراجعة إلى الكتب المعنيّة في هذا البحث بالخصوص ، حتّى في كتب علم الاصول أيضاً .

أتذكّر أنّ بعضهم يتعرض لمبحث آية التطهير بمناسبة حجيّة سنّة الائمّة ، حجيّة سنّة أهل البيت ، ومنهم العلاّمة الكبير السيّد محمّد تقي الحكيم في كتابه الاُصول العامّة للفقه المقارن ، هناك يطرح مبحث آية التطهير ، ويذكر هذه الشبهة ويجيب عنها بما ذكرت لكم بعبارة مبسّطة بقدر الامكان ، وهناك أيضاً موارد أُخرى يتعرّضون فيها لهذه الشبهة وللاجابة عنها .

وحينئذ ، إذا كان المراد من أهل البيت خصوص النبي والاربعة الاطهار ، وإذا كان المراد من إذهاب الرجس إذهاب الذنوب ، والارادة هذه إرادة تكوينيّة لا تتخلّف ، فلا محالة ستكون الاية المباركة دالّة على عصمة الخمسة الاطهار فقط .

ومن يدّعي العصمة لزوجات النبي ؟ ومن يتوهّم العصمة في حقّ الازواج ، لاسيّما التي خالفت قوله تعالى : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ  (1) ، الاية المباركة الواردة في نفس السورة ، والتي تكون

____________

1- سورة الاحزاب : ٣٣ .


الصفحة 30


آية التطهير في سياق تلك الاية ، وهل يكفي أن يقال بأنّها ندمت عمّا فعلت وكانت تبكي ، فخروجها على إمام زمانها أمر ثابت بالضرورة ، وبكاؤها وتوبتها أمر يروونه هم ، ولنا أن لا نصدّقهم ، ومتى كانت الرواية معارضة للدراية ؟ ومتى أمكننا رفع اليد عن الدراية بالرواية ؟ وكيف يدّعى أن تكون تلك المرأة من جملة من أراده الله سبحانه وتعالى في آية التطهير .

نعم ، يقول به مثل عكرمة الخارجي العدو لامير المؤمنين بل للنبي وللاسلام .


الصفحة 31


بعض التحريفات في كتب القوم

ورأيت من المناسب أن أذكر لكم نقطة تتعلّق بآية التطهير ، وبالحديث الوارد في ذيل الاية المباركة ، ومن خلال ذلك تطّلعون على بعض التحريفات في كتب القوم .

إنّ من جملة الاحاديث الواردة في مسألة آية التطهير ونزولها في أهل البيت : هذا الحديث عن سعد بن أبي وقّاص ، وهو بسند صحيح ، مضافاً إلى أنّه في الكتب الصحيحة ، كصحيح مسلم ، وصحيح النسائي وغيره :

يقول الراوي : عن سعد بن أبي وقّاص : أمر معاوية سعداً فقال : ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب ؟ يعني عليّاً .

يقول معاوية لسعد بن أبي وقّاص لماذا لا تسبّ عليّاً ، وكأنّه أمره أن يسبّ فامتنع ، فسأله عن وجه الامتناع .

فقال : أمّا إن ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله فلن أسبّه .


الصفحة 32


يقول سعد : لان يكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النعم ، سمعت رسول الله صلي الله عليه و اله يقول له وخلّفه في بعض مغازيه : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » إلى آخره ، وسمعته يقول يوم خيبر :

« سأُعطي الراية غداً رجلاً » إلى آخره ، الخصلة الثالثة : ولمّا نزلت : ﴿ إِنَّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً  دعا رسول الله عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فقال :

« اللهمّ هؤلاء أهل بيتي » .

هذا الحديث تجدونه في صحيح النسائي وفي غيره من المصادر .

ترون في هذا اللفظ أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أو ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب ؟ بهذا اللفظ ، وهذا اللفظ ترونه في صحيح مسلم وفي غيره من المصادر أيضاً .

لكن النسائي يروي هذا الحديث بنفس السند في موضع آخر من كتابه يريد أن يلطّف اللفظ ويهذّب العبارة فيقول عن سعد :

كنت جالساً ، فتنقّصوا علي بن أبي طالب فقلت : قد سمعت رسول الله يقول فيه كذا وكذا .

كنت جالساً فتنقّصوا علي بن أبي طالب ، أين كان جالساً ؟


الصفحة 33


وعند مَن ؟ ومن الذي تنقّص ؟ تصرّف في الحديث .

ثمّ يأتي ابن ماجة فيروي هذا الحديث باللفظ التالي : قدم معاوية في بعض حجّاته ، فدخل عليه سعد . فذكروا عليّاً فنال منه فغضب سعد .

فذكروا عليّاً ، من ذكر عليّاً ؟ غير معلوم ، فنال منه ، من نال من علي ؟ غير معلوم ، فغضب سعد وقال : تقولون هذا لرجل سمعت رسول الله يقول له كذا وكذا إلى آخر الحديث .

ثمّ جاء ابن كثير ، فحذف منه جملة : فنال منه فغضب سعد ، فلفظه : قدم معاوية في بعض حجّاته فدخل عليه سعد ، فذكروا عليّاً ، فقال سعد : سمعت رسول الله يقول في علي كذا وكذا .

نصّ الحديث بنفس السند في نفس القضيّة .

أترون من يروي القضيّة الواحدة بسند واحد بأشكال مختلفة ، أترونه قابلاً للاعتماد ؟ أترونه يحكي لكم الوقائع كما وقعت ؟ أترونه ينقل شيئاً يضرّ مذهبه أو يخالف مبناه أو ينفع خصمه ؟

ولكن الله سبحانه وتعالى شاء أن تبقى فضائل أمير المؤمنين ودلائل إمامته وولايته بعد رسول الله ، أن تبقى في نفس هذه الكتب ، وسنسعى بأيّ شكل من الاشكال لان نستخرجها ، نستفيد


الصفحة 34


منها ، نبلورها ، وننشرها ، وهذا ما يريده الله سبحانه وتعالى .

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  (1) .

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .

____________

1- سورة التوبة : ٣٢ .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here