الفصل السابع

تألقت الأنوار في بيت سعاد ، وهو يستقبل ثلة من الأصدقاء الخصوصيين للزوجين ، وقد وجهت الدعوة إليهم بمناسبة عيد ميلاد محمود ، وكانت سعاد تتألق في حلة زرقاء داكنة ، وقد زينت صدرها وجيدها وساعدها بالحلي ، وبدت رائعة الجمال بالغة الأناقة . وبدأ الضيوف يتوافدون على الدار ، وكان من مقدمتهم المصور صلاح ، وهو شاب كان من المعروف أنه على علاقة جديدة مع سعاد … بعد أن نبذت صاحبها الممثل سليم ، واختار صلاح لنفسه مجلساً قريباً من سعاد ، وكانت سعاد مشغولة في استقبال المدعوين ، وتوزيع الابتسامات والمداعبات . وكان من جملة المدعوين شاب يعمل مهندساً ، وقد تعرفت عليه سعاد منذ مدة وجيزة ، وشاءت أن تلقي حوله أحابيلها ، فدعته إلى هذه الحفلة مع الأصدقاء الخصوصيين ، وقد جاء هذا المهندس بصحة واحد من أخص أصدقاء محمود اسمه سعيد ، وكانت سعاد تنتقل بين الضيوف ، حتى اختارت لها مجلساً إلى جوار المهندس الشاب ، وشاعت الغبطة في قلب المهندس وهو يرى سعاد تجلس إلى


( 74 )

جواره ، وانتظرته سعاد لكي يتكلم ، ولكن المسكين كان يشعر بارتباك إلى درجة لم تمكنه من الكلام ولكن سعيداً بدأ الحديث فخاطب سعاد قائلة :
ـ تصوري يا ست سعاد أن صديقي هذا كان يخشى من المجيء إلى هنا.
واتسعت حدقتا سعاد وهي تتظاهر باللهفة قائلة :
ـ آه ! … ولماذا يا سعيد ؟!
ـ أنه كان يخشى أن تتجاهليه …
ـ أنا ! وكيف لمثلي أن تتجاهل مثله وهو ملء السمع والبصر ؟!
وتمتم المهندس ببضع كلمات شكر.. وشعرت سعاد أنها تتمكن أن تستحوذ عليه بسهولة ، وأنها قد تجعل منه أداة تلوح بها لصلاح إذا صدف عنها ، وفعلاً ، فقد تمكن بعد مدة وجيزة من أن تطمأن إلى خضوعه لها ، وعند ذلك قامت من جواره بعد ن أشعلت فيه النار التي تريدها ، وذهبت تفتش عن صلاح ، وكانت قد لاحظت أنه لم يكن قد ارتاح لطول إقامتها إلى جوار المهندس ، وحاولت أن تراه في الصالون أو الشرفات ، ولكنها لم تقع هل على أثر هناك … وخرجت إلى الحديقة وفي نهايتها وبين مجموعة من الأشجار المتراصة وجدت ضالتها … فقد كان صلاح هناك وإلى جواره إحدى


( 75 )

صديقاتها من الغانيات .. وثارت سعاد لذلك ، فهي لم ترتو بعد منه ، ولا ترضى أن تخسره بهذه السرعة ، فتقدمت نحوهما وهي تقول :
ـ أهكذا تعتزلان الحفل ، لتعتكفا هنا بين الأشجار ؟!.
وعلت البغتة وجه صلاح ، ولملمت رفيقته أطرافها في ارتباك واستمرت سعاد تقول بانفعال :
ـ أنا كنت أعرف أنك متقلب ، كثير الزوات يا صلاح ، ولكن ليس بهذه السرعة ، وليس على هذه الصورة ! وتمتم صلاح قائلاً :
ـ أرجو أن لا تظني .. أني …
وقطعت سعاد كلامه قائلة :
ـ دع عنك هذه الكلمات الفارغة ، هكذا أنت دائماً ، كل يوم في مكان وكل ساعة على اتجاه جديد.
ـ ولكنك أنت … أقصد … أغني.
ـ أنا أدرى ما الذي تقصده وما تعنيه يا صلاح ، فلا داعي لاتعاب نفسك في الكلام ، إن الذنب ذنبي ، أنا الذي وثقت بك وركنت إليك ، وفاتني أنك لا تختلف عن غيرك من الرفاق رجل مداج ، تتلاعب مع الريح.
ـ سعاد … أنك أنت التي أهملت وجودي في الحفل ، وانصرفت عني إلى ذلك المهندس الشاب…


( 76 )

ـ وما أنت وما وجودك ؟… لكي أهمله أو لا أهمله … هل حفظت لوجودك قيمة ؟ هل استطعت أن تقف أمام نزواتك في داري على الاقل ؟ أنت لم تعد تعني عندي شيئاً.
ـ سعاد … ماذا تعنين يا سعاد ؟!.
ـ نعم ، أنا أعني أنك رجل … رجل نزق لا تستقر على حال…
قالت سعاد هذا واستدارت وابتعدت عنهما . وساء صلاح أن يكون قد أغضب سعاد ولم يعد يطيب له المقام مع فاتنته الجديدة ، ولاحظت صاحبته عليه ذلك . فصممت على أن لا تدعه يفلت منها بسهولة ، فحاولت أن تغريه بالجلوس ، ولكنه امتنع وأصر على الالتحاق بباقي المدعوين ، وفكر أنه سوف يتمكن أن يسكب بين يدي سعاد دموع الندم والتوبة حتى يسترضيها ويردها إليه ، وفاته أن سعاد كانت تحوم حول صيد جديد ، وهو المهندس الشاب … وإنها لم تثر غيرة عليه أو حباً له ، ولكنها كانت تريد أن تجعل من هذه الحادثة وسيلة للتهرب منه إلى حين…
أما سعاد فقد التحقت بضيوفها وكأنها لم تتخاصم مع أحد ، ولاحظت أن زوجها لم يكن في المكان الذي عهدته فيه ، ففتشت عنه في الشرفات فلم تجده أيضاً . وخرجت إلى الحديقة مرة ثانية ولكنها لم تره ، ففكرت لحظة ثم توجهت نحو غرفته الخاصة وهناك.. رأته ملقى على سريره بينما كانت


( 77 )

سنية جالسة عند رأسه تمسح وجهه بالماء. وتقدمت نحوه سعاد وانحنت عليه دون أن تفوه بكلمة فزكمتها رائحة الخمرة المنبعثة من فمه. وعرفت أنه مخمور ، وكان من عادة محمود أن يقع دائماً تحت تأثير الخمرة إذا أكثر منها ، لأنه لم يكن يشربها من قبل زواجه واتصاله بسعاد ورفعت سعاد رأسها وسألت سنية قائلة :
ـ من الذي جاء بسيدك إلى هنا يا سنية ؟
وردت سنية في تحفظ :
ـ أنا يا سيدتي.
ـ وكيف قدتيه إلى هنا وهو على هذه الحالة ؟!
ـ لا … أنه لم يكن هكذا حين ذاك.
ـ إذن أنت سقيته هنا أيضاً؟
ـ نعم ، إنه هو الذي طلب مني ذلك.
ـ يا لك من سافلة.
ـ عفواً يا سيدتي لست بسافلة.
ـ أتستكثرين ذلك يا سنية ؟!
ـ أنا لا اختلف عنك بقليل أو كثير وأنا لا أقر أن سيدتي سافلة.
ـ ويل لك من صلفة لئيمة…
ـ مهملاً ، فقد اكتفيت من هذا الحفل الصاخب بسيدي وحده ، صحبته إلى هذه الغرفة وهو مخمور لكي أنعشه وأنبهه … وأما أنت يا سيدتي …


( 78 )

ـ أسكتي .. أسكتي يا بلهاء…
ـ لست بلهاء يا سيدتي ، بل أني أذكى مما تظنين !
وانتبهت سعاد إلى أن غيبتها عن المدعوين قد طالت أكثر مما ينبغي ، فاتجهت نحو الباب وهي تقول :
ـ حاولي إيقاضه بكل طريقة ، فليس من اللائق أن ينام هنا مخموراً وضيوفه على أهبة الانصراف.
وخرجت سعاد وهي تتعثر بأذيالها من الخزي والعار والحقد والبغضاء ، وكان صلاح قد عاد والتحق بجماعة الضيوف ، وحاول مراراً أن يختلي بسعاد ؛ ليعتذر لها ، ويبرر سلوكه عندها ، ولكنها كانت تتجاهله وتتحاشاه ، ولذّ لها أن تراه وهو يتعذب لهذا التجاهل الظاهري.
وكأن سنية فشلت في مهمتها فلم تتمكن من إيقاظ محمود ، وفعلاً فقد بدأ الضيوف ينصرفون ومحمود لم يعد بعد ، وبعد ساعة كان الصالون قد اقفر إلا من صلاح وركع صلاح أمام سعاد وأقسم بكل غال : أنه لم يكن يعني من مصاحبته لتلك السيدة غير اللهو وقضاء الوقت ، وأنه لا يزال كما كان عاشقها المفتون. وكان صلاح موهوباً في نسج الكلمات الرقيقة والألفاظ الخلابة ، ولم تكن سعاد تحتاج إلى كثير من عذر ، او طويل استغفار ، ولكنها شاءت أن تنعم أكثر باستغفار هذا الراكع على قدميها ، فماطلته بالعفو ،


( 79 )

وتلاعبت به طويلاً قبل أن تفهمه أنها عفت عنه. واطمأن صلاح إلى رضائها فودعها وانصرف . وعادت إلى غرفة زوجها فوجدته مستغرقاً في نوم عميق ، فتوجهت إلى غرفتها وهي تشعر بإعياء شديد ، فقد حطم سلوك زوجها أعصابها ، كما أن خيانة صلاح كانت قد أثرت عليها كثيراً ، وخلعت عنها ملابسها ، واستلقت على سريرها ، وهي تشعر أن رأسها سوف ينفجر تحت تأثير الأفكار المتضاربة التي كانت تتصارع فيه. فقد خرجت من الاحتفال وهي لم تزدد إلا شعوراً بالحقارة ، وإحساساً بالضياع والحرمان ، وحاولت أن تنام ، ولكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلاً . وعادت تفكر في إبراهيم … وهي في الواقع لم تخرج عن التفكير فيه طيلة الحفلة ، فقد كان ماثلاً في ذهنها على طول الخط ، ولكن في إطار من الحقد والنقمة ، فهي لم تكن تغفل عن فكرة الانقام لحظة واحدة … وودت لم تمكنت من جر نقاء إلى أمثال هذه الحفلات ، لعلها تغريها وتستهويها بلهوها وصخبها ، فهي على ثقة أن نقاء لو ظهرت في حفلة واحدة ، لوجدت حولها عشرات من الشباب يركعون على أقدامها ويسجدون. وسعاد لا تشك لحظة في أن المرأة التي تصمد أمام إغراءات الشباب المندفع لم تخلق بعد على وجه الأرض ، وسهرت مع أفكارها طويلاً حتى غلبها النوم ، ولم تفق إلا وقد طلعت الشمس وعلا النهار ، فتمطت في فراشها قليلاً ، وكان من عادتها في أغلب الأيام أن تستدعي سنية ؛ لتساعدها على الاستحمام ،


( 80 )

ولكنها لم تنشأ أن تستدعيها ذلك الصباح بعدما صدر منها في المساء الماضي ، فاستحمت بمفردها ، وصففت شعرها بنفسها ، وارتدت ملابسها ونزلت الدرج ، وحاولت أن تخرج من الدار دون أن تراها سنية ، ولكن صوت سنية باغتها وهو يقول :
ـ ما لي أراك وقد عزمت على مغادرة البيت دون إفطار يا سيدتي ؟!.
والتفتت سعاد نحو الصوت ، فرأت سنية في غرفة الطعام وهو تهيئ مائدة الافطار ، ثم أردفت سنية قائلة :
ـ لماذا لم تستدعني لمساعدتك في الاستحمام ؟ أرجو أن لا تكوني غاضبة عليّ.
واحتارت سعاد بماذا ترد على هذه المتهكمة الوقحة ، ولم تر بداً من أن تقول :
ـ أنا لم استحم اليوم ، ولذلك لم استدعك عند صحوي من النوم.
ـ ولكن تناهى لي خرير الماء وهو يصب في الحمام . وعلى كل حال فالمهم أن لا تكوني غاضبة.
ـ لا … لا… أبداً أبداً.
ـ هلا استفسرت عن صحة سيدي !؟
ـ آه لقد نسيت … كيف حاله هذا الصباح ؟
ـ إنه لا يزال تعباناً يا سيدتي !


( 81 )

ـ إذن فهو لن يخرج اليوم أيضاً ؟
ـ نعم يا سيدتي ! فقد قال إنه لن يخرج من الدار.
وكادت سعاد أن تنقض على سنية فتنشب أظافرها في عنقها حتى ترديها ، ولكنها تذكرت الحبل الذي يشدها إليها فتمالكت نفسها ، وردت قائلة :
ـ اعتني به جيداً يا سنية ! فإنّ لدي موعداً هاماً . وعليّ أن أذهب.
وردت سنية في برود قائلة :
ـ إذهبي يا سيدتي مع السلامة.
وأسرعت سعاد في الخروج وكأنها تفر من شبح مخيف ، وتنفست الصعداء عندما شعرت أنها تحررت من سنية ومن سلطانها عليها إلى حين ، وهكذا أحست أن بيتها لم يعد بالنسبة لها سوى سجن بغيض يعمر بالمحن والآلام.

 

يكون النشر 06-16-26 من كل شهر

 

 

المحور المصري –تلكرام
https://t.me/Mehwar_Masr

[email protected]