الفصل الرابع

مر أسبوع نسيت نقاء خلاله حديث سعاد ، وكادت أن تنسى سعاد نفسها أيضاً ، فقد كانت تعيش في نعيم مستمر وهي تتذوق كل يوم كأساً جديدة من كؤوس السعادة والهناء ، ولم يكن لديها ما يكدر صفوها سوى ترقب قرب سفر إبراهيم. وفي أحد الأيام ذهب إبراهيم في مهمة إلى اللاذقية ، واتفق أن كانت في ذلك اليوم على موعد مع الخياطة لتذهب لعمل القياسات. ونظراً لعدم وجود إبراهيم اضطرت إلى الوقوف في الشارع لانتظار سيارة تقلها إلى حيث تريد. وفجأة أبصرت أمامها سعاد وهي تترجل من سيارتها قائلة :
ـ يا لها من صدفة سعيدة ، تفضلي واركبي معي يا نقاء ! فأنا على استعداد لايصالك إلى حيث تشائين.
ولم تشأ نقاء أن تركب مع سعاد ، فاعتذرت عن ذلك ، ولكن سعاد ألحت عليها بالطلب بصورة لم يسعها إلا أن تجيب ، وركبت السيارة إلى جوار سعاد ، وكانت سعاد هي التي تسوق سيارتها دائماً وبعد أن سارت بهما السيارة مدة وجيزة التفتت سعاد نحوها قائلة :


( 42 )

ـ كأني قد سمعت منك أن لدى … لدى … أعذريني ، أقصد لدى زوجك ، فقد نسيت اسمه .. لديه سيارة.
ـ لقد سافر إبراهيم في ساعة مبكرة من الصباح في مهمة مستعجلة إلى اللاذقية.
ـ لابد لي أن أتعرف عليه يوماً ما يا نقاء.
ـ طبعاً طبعاً.
ـ ولكني أخشاه..
ـ أنت غلطانة يا سعاد ! فهو دمث الاخلاق محبب إلى النفس.
ـ ولكنه على ما سمعت منك يا عزيزتي رجل شديد ، صارم ، له سلوك خاص.
ـ أنا لم أقل شيئاً من هذا يا سعاد ! فهو لين الجانب ، سهل العريكة ، مسالم إلى أقصى حد.
ـ بالنسبة لك طبعاً ، وبعد أن سخرك لآرائه وأفكاره ، أما بالنسبة لنا ـ نحن النساء العصريات ـ فلا.
ـ أنا لا يعجبني منك هذا التعبير يا سعاد ، أنه لم يسخرني أبداً فأنا بطبعي أشاركه في آرائه وأفكاره.
ـ ما شاء الله يا لكما من زوجين سعيدين.


( 43)

ـ واقعاً…
ـ على فكرة يا عزيزتي ! هل تفكرين أن تتعلمي السياقة يوماً ما ؟
ـ لا ، لأنها ليست ضرورية للمرأة ، ولست في حاجة إليها.
ـ ولماذا … ؟.
ـ الواقع إني لا أشعر بحاجة إلى ذلك ، فان ابراهيم على استعداد لايصالي إلى حيث أريد ، ثم إني لن أركب السيارة وحدي بدونه ، فما الذي يدعوني إلى أن أقودها بدلاً عنه !.
ـ طبعاً أنه سوف لن يسمح لك بذلك ، وسوف يكون له من هذا أحسن حجة لمتابعتك إلى حيث تذهبين ، ولكنك سوف لن تستطيعي أن تتابعيه حتى إلى مكان واحد بحجة أنك مسلمة محافظة.
ـ وما لي وله يا سعاد ! هل ترين لي من اللائق أن أذهب معه إلى المحل أو أجلس بجواره في غرفة الحسابات ، أن هذه أمور من اختصاصه هو وحده.
ـ وسهراته وحفلاته ورحلاته .. ووو… إلى آخر تحركاته وتنقلاته ؟.
ـ لكل رجل رحلاته وحفلاته ، كما أن للمرأة أيضاً حفلاتها وزياراتها الخاصة.


( 44 )

ـ ولكن الرجل تكون له الحفلات العامة والمجالات الواسعة ، أما المرأة التي على غرارك فإن لها حفلاتها الخاصة وتنقلاتها المحدودة.
ـ إن إبراهيم ليس من رواد الحفلات المختلطة. والنوادي الصاخبة.
ـ أنت مخدوعة يا نقاء ! فالرجل ، وأي رجل كان ، لا تقف أمام تحركاته حدود أو سدود ، ولكنهم على صنفين : صنف مسالم طيب ، يشرك زوجته في جميع أنواع فعالياته الاجتماعية ، وقسم صارم شديد ، يستغل بساطة زوجته ليحتجزها في البيت بشتى أنواع الحجج والمبررات.
ـ إن الرجل الطيب المثالي هو الذي يشرك معه زوجته في آرائه وأفكاره وأهدافه ووجدانه لا في تحركاته وتنقلاته ، فإن للمرأة أفقاً خاصاً لا يصح للرجل أن ينزل بها عنه.
ـ مرحى مرحى لهذه النغمة الغريبة التي أصبحت تتكلمين بها يا نقاء !…
ـ أنا لا أقرك ، أن عندي نغمة غريبة أو أي فكرة جديدة ، فأنا هكذا كنت وهكذا سأكون.
ـ طبعاً أنت هكذا كنت قبل الآن ، أيام كنت طفلة جاهلة بأساليب الحياة ، ولكن الغريب في الأمر جمودك على هذا وأنت في هذا السن الذي يقف بك على عتبة الحياة.


( 45 )

ـ أرجوك يا سعاد ! أنت لا تعرفين ما تقولين.
ـ على العكس يا عزيزتي ! فأنا أعني ما أقول ، ولكن …
ـ أنا لا أحب هذا اللاكن يا سعاد ! فكأن كلماتك لها ما وراءها !.
ـ صدقي أني في حيرة منك يا عزيزتي ! لا أدري كيف أتصرف ، وأنا أراك في طريقك إلى افتقاد شخصيتك ، وإتلاف مستقبلك بالسير وراء أمثال هذه الفكر الرجعية ، أنت الفتاة العصرية المثقفة تلتزمين بقيود وحدود بحجة أنك مسلمة ، وأن زوجك مسلم محافظ. أفلسنا جميعاً مسلمين ؟ أتصدقين أن إبراهيم وحده على حق وملايين البشر على باطل ؟ فكري بنفسك يا نقاء ! لترين أنك بخضوعك لابراهيم ولأفكاره ومعتقداته سوف تخسرين الكثير !
ـ أنا لست خاضعة لابراهيم أو غيره ، وإنما أنا سائرة وراء مبدأي وعقيدتي الشخصية.
ـ وهل أن من عقيدتك الشخصية هذه الحياة التافهة التي تحيينها ، وهذه العزلة التي فرضت عليك فرضاً ؟ !.
ـ أنا لست في عزلة كما تظنين ، وليست حياتي حياة تافهة بل أنها حافلة بجميع ما تصبو إليه النفس.
ـ لأنك لا تزالين تجهلين ما تصبو إليه نفسك ، ولا تزالين


( 46 )

تجهلين الحياة الواقعية لتصبي إليها يا نقاء ! أنت لا تزالين صغيرة ، ولذلك فقد تمكن إبراهيم من تضليلك…
ـ أنا لا أجهل شيئاً من الحياة ، وإني واثقة من صواب نهجي الذي أنا عليه ، وإن عقيدتي هذه سوف تحقق لي ولزوجي السعادة الكاملة في كل حال من الأحوال … أنا لست متعطشة للاندماج في مجتمع متحلل فاسد … فإن لي مجتمعي الخاص الذي أنعم فيه بالعلاقات البريئة والمصاحبات الطاهرة النقية … أنا لست جاهلة يا سعاد ، ولكنني أعني ما أقول وأقصد ما أعمل ولست في حاجة إلى أي نصيحة أو إرشاد …
وضحكت سعاد طويلاً ، ثم أردفت قائلة :
ـ عفوك يا آنسة ! أنا لم أكن أقصد إثارتك من قريب أو بعيد ، أما الآن وقد ثرت … ولا أدري لماذا ؟! .. فأنا أستميحك العذر…
ثم أدارت وجهها ناحية نقاء ، وحاولت أن تركز نظراتها في وجهها لتقرأ على صفحته السبب في انفعالها ، فقد خيل لها ، أن سهماً من سهامها قد أصاب هدفاً في قلب نقاء ، فاندفعت تنفس عن مشاعرها بهذه الثورة بدون إحساس منها لذلك ، ولكن نقاء أدارت وجهها ناحية الشارع ، وقالت :
ـ أنا لم أثر يا سعاد ! ولكن تأثرت فقط.


( 47 )

ـ الويل لي إذا كنت قد آذيتك يا عزيزتي ! أنا لن أغفر لنفسي هذا مطلقاً ، فأنا أعتبر نفسي أختاً ناصحة ، ولا أقصد مما قلت سوى صلاحك وصلاح مستقبلك الذي يهمني كثيراً !!! فقد كنت واثقة دائماً من أنك سوف تتربعين على عرش المجتمع وأنك سوف تدخلين الحياة لترين جميع أبوابها مفتوحة أمامك واسعة ، ولكن الآن وقد تلاشت جميع آمالي بالنسبة لك ، وهذا هو ما دعاني إلى الاندفاع إلى مصارحتك ببعض الحقائق … ومرة أخرى أستميحك العذر.
ـ انت معذورة يا سعاد !…
ـ أهكذا … وبمثل هذه اللهجة يا نقاء … ؟
ـ نعم ، فلا يسعني أن أقول شيئاً غير هذا !.
ـ كما تريدين يا عزيزتي ! فلست إلا ناصحة ، والآن وقد وصلنا ، فمتى تريدين أن أمر عليك لأرجعك إلى البيت ؟
ـ شكراً يا سعاد ! سوف أرجع وحدي …
ـ أبداً ، إن هذا محال ، لن أدعك تنتظرين « الأمانة » على قارعة الطريق وعندي سيارة ، سوف أرجع بعد ساعة لآخذك إلى البيت.
ولم ترد عليها نقاء رداً واضحاً ، ولكنها بعد أن أتمت عمل القياسات ركبت « الأمانة » ورجعت إلى البيت دون أن


( 48 )

تنتظر سعاد ، وكانت تعلم أن ذلك سوف يغيظها ، ولكن لا يهم ، فهي تود أن تبعد سعاد عن طريقها بأي صورة كانت.
وفي العصر كانت نقاء جالسة أمام مكتبتها تصلح من ترتيبها ، فشعرت أن باب غرفتها يتحرك ، فاستدارت لترى سعاد فارتبكت وظنت أن سعاد جاءت عاتبة ، ونهضت لاستقبالها ، وقد صممت على أن تصارحها بالحقيقة إن عتبت عليها ، لعدم انتظارها لها عند الخياطة ، ولكنها فوجئت بسعاد تقول :
ـ أنا خجلانة جداً يا نقاء … ! فقد كانت غلطة لابد أن تغفريها لي ، أنا لم أكن أقصد التأخر ، ولكني تأخرت ، وسبب ذلك عودتك وحدك.
ـ واحتارت نقاء … بماذا ترد على سعاد ، ولم تتمكن أن تقابل تسامحها هذا بالتجني ، فلم يسعها إلا أن تقول :
ـ لا عليك يا سعاد ! فأنا لم انتظر طويلاً كما تظنين ، والآن تفضلي واجلسي يا سعاد !
وجلست سعاد على كرسي هناك ، وشرعت تتكلم … تكلمت عن الحفلة التي دعيت إليها في الليلة الماضية ، والمطربة التي أحيتها حتى مطلع الفجر ، والفتيات المخدوعات اللواتي كن يتطايرن في سمائها … وتحدثت عن الأفلام الأجنبية التي تعرض في دور السينما ، وفصولها المثيرة الخلابة


( 49 )

وتحدثت عن رحلات الصيد التي تقوم بها مع ثلة من أصحابها في كثير من الأوقات ، ثم تحدثت أخيراً عن أحواض السباحة والمسبح الجديد. وعلى الجملة : فقد تحدثت عن كل شيء أرادت أن تتحدث به ، ونقاء ، تستمع إليها بهدوء وإتزان لا تكاد تعلق على كلامها إلا بالنزر القليل. واستغربت نقاء تجاهل سعاد لذكر زوجها في جميع أحاديثها ، وإهمالها لوجوده في جميع تصرفاتها ، فاغتنمت فرصة قصيرة سكتت خلالها سعاد لتسألها قائلة :
ـ وزوجك يا سعاد ! أراك تتجاهلين وجوده في سجل حياتك الحافل ؟!.
وودت سعاد لو تتمكن أن تصرخ بنقاء ، قائلة : مالك ولزوجي يا بنت … فقد ظنت أن نقاء تتحداها بهذا السؤال ، فإن شخصية زوجها التافهة كانت نقطة ضعف بالنسبة إليها على طول الخط ، ولكنها سرعان ما تذكرت أن عليها ان لا تغضب نقاء ، وأن عليها أن تداهنها حتى تتمكن من الوصول إلى غاياتها الانتقامية ، فتمالكت نفسها ، وأجابت ضاحكة :
ـ أنا زوجة حرة يا نقاء ! لا أقرن حياتي بحياة زوجي مطلقاً ، ولا أسايره إلا في الحفلات العامة التي ندعى إليها سوياً ، نحن نقول بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل.


( 50 )

ـ عجيب أمرك يا سعاد ! منذ ساعة كنت تدعين إلى مرافقة المرأة زوجها ومسايرته إلى حيث ذهب ، والآن تقولين أنك حرة ، لك عالمك المستقل !!
ـ أنت لم تنتبهي إلى ما أعنيه يا نقاء ! فأنا أساير زوجي وأتابعه ، ولكن لا أسمح له أن يسايرني ويتابعني إلى كل مكان أذهب إليه ، فأنا واثقة من نفسي ، ولكني لست واثقة من زوجي ، فالمرأة الذكية ينبغي أن لا تثق بزوجها مهما داجاها وداهنها ، وأن لا تترك له الحرية الكاملة للتلاعب من ورائها.
وسكتت نقاء برهة وهي تعجب لهذا المنطق ! ثم قالت :
ـ وهل تحبين زوجك يا سعاد ؟
وارتكبت سعاد وترددت لحظة ثم أجابت :
ـ طبعاً .. طبعاً … فهو رجل ممتاز ، وسوف أعرفك عليه في أقرب فرصة ، أنه شاب رائع … ولعلني سوف أصحبه لزارتك في أحد الأيام.
ـ عفواً يا سعاد …! فأنا لا استقبل ضيوفاً من الرجال بمفردي وبدون ابراهيم.
ـ حقاً لقد نسيت إبراهيم ، هذا الذي يقف حائلاً دون كل شيء …


( 51 )

ـ سعاد .. لا تنسي أنه زوجي قبل كل شيء ، ثم إني أحبه جداً ، ولا أسمح لك أن تنالي منه شيئاً.
ـ ليتني كنت موجودة قبل عقد قرانك يا نقاء … !
ـ ولماذا يا سعاد ؟!
ـ كنت أحول بينك وبين هذا المصير …
ـ إذن لكنت قد تسببت في حرماني من السعادة في الحياة …!
ـ أنت تكابرين يا نقاء …! وهذه هي غلطتك منذ اليوم الأول إذ وافقت على إتمام العقد قبل أن تتعرفي على سلوكه وطباعه …
ـ لم تزدني المعرفة إلا ثقة فيه وإعجاباً به ، ثم إني لا أكابر وليس هناك أي داع للمكابرة يا سعاد ! أنا رضيت بإبراهيم زوجاً بكامل حريتي ، وقد كنت أتمكن أن أرفضه لو شئت ، ولكني رضيت ولم أندم على ذلك يوما ما ، ولن أندم عليه طول الحياة . أنت تظنين أنه بإمكان الفتاة المخطوبة أن تتعرف على شخصية خطيبها الواقعية ايام الخطوبة … إن كلا من الطرفين سوف يسلكان سلوكاً تحفظياً رسمياً ما داما خطيبين ، وسوف لن تتكشف طباعهما وسلوكهما لبعضهما إلا بعد الزواج ، فالرجل مهما حمل من أخطاء وعانى من نقاط ضعف ، فهو يتمكن أن يخفيها عن عروسه إلى مدة من الزمان حتى لا يخسرها قبل الزواج ، وكذلك المرأة أيضاً ، وعلى هذا


( 52 )

فإن أيام الخطوبة لا تزيد الخطيبين إلا غموضاً وتعقيداً فقد تبدو من الرجل بعض خصاله غير المحمودة أمام امرأة غريبة بدون قصد منه ، ولكنه بالنسبة لخطيبته سوف يتعمد أن لا تبدو منه إلا النواحي الحسنة.
ـ ولكن المجتمع يرى غير رأيك يا نقاء ! أنت الوحيدة التي تفكرين على هذا النحو من التفكير.
ـ أنت تقصدين بالمجتمع ، مجتمعك أنت يا سعاد ! أما المجتمع الذي أعيشه فأفكاره أفكاري وما أنا إلا واحدة من ملايين يرون هذا ويسيرون عليه.
ـ وما لي أرى لملايينك هؤلاء أثراً ولا اسمع لهم خبراً ؟!.
ـ أنت ترينهم وتسمعينهم يا سعاد ! ولكنك تأبين أن تصدقي عينيك ، وتستنكرين ما تسمعه أذناك ، أنهم ملء السمع والبصر ، ولكن الظلام الذي يكتنف أبصار المنحرفين يحجبهم عنهم إلى حين.
ـ إستمري يا نقاء ! فأنا يلذ لي كثيراً أن أسمعك وأنت ترجعين أمثال هذه الكلمات الرنانة ، فلم يعد يعوزك يا عزيزتي إلا محراب تصلين فيه الليل والنهار وترتلين فيه الأدعية والأوراد !…
ـ أنت غلطانة يا سعاد ! فإن البون شاسع جداً بين ما


( 53 )

أقوله وبين أن أعتكف في محرابي أصلي واصوم ، أنا ملء الحياة يا سعاد ، والحياة كلها لي أيضاً ، ولكن الحياة الطاهرة النقية والحياة المثلى.
ـ أراك أصبحت ترددين كلمات العجائز من جاراتك يا نقاء ! أهكذا وبهذه السرعة تتلاشى منك روح الشباب الوثابة وحرارة الفتوة الطليقة ، أسفي عليك يا نقاء ! فأنا دائماً وأبداً كنت أتنبأ لك بمستقبل باهر لما أنت عليه من جمال وسحر ، وطالما قلت لمحمود زوجي ، أن أبنة خالتي هي أجمل فتيات عصرها ، ولهذا فهو يتحرق شوقاً للتعرف عليك وإذا بك الآن وأنت لا تتكلمين إلا بالمثل ، ولا تتحدثين إلا بالمواعظ والحكم.
ـ أنا لم أفه بموعظة واحدة أو آتي بحكمة قصيرة ، وإنما كنت أتكلم عن واقع الحياة ، والواقع بدون رتوش.
ـ لله در إبراهيم الذي تمكن من تلقينك هذه العبارات !
ـ سعاد ، أرجو أن لا تعودى إلى المس من إبراهيم ، فهذا ما لن أرضاه أبداً … ليتك كنت وعيت مفاهيمه لتعرفي أي نمط هو من الرجال … نعم ليتك تتعرفين عليه.
ـ وارتبكت سعاد وعلت وجهها صفرة باهتة ، ثم تمالكت نفسها وقالت :
ـ طبعاً سوف أتعرف يوماً ما ، ولكن ليس الآن.


( 54 )

ـ ولماذ يا سعاد ؟! … أنا واثقة من أنك لو رأيته مرة واحدة لغيرت رأيك فيه ، ولأعجبك كثيراً ! … نعم كثيراً.
وبذلت سعاد جهداً جباراً وهي تحاول أن تبدو طبيعية ثم قالت في تهكم :
ـ أنا لا يرضيني الرجل الذي يكون على غرار إبراهيم ، مهما كان وأياً كان.
قالت سعاد ذلك وهي تعلم أنها تكذب ، فهي لم يحلو لها رجل غير إبراهيم ، ولم يسحرها شاب سواه…
وضحكت نقاء ضحكة قصيرة هادئة ، ثم قالت :
ـ ومن يدري فلعلك رأيتيه من قبل ولم تعرفيه ، أو لعلك سوف ترينه بعد الآن فلا تعرفينه ، أنظري يا سعاد …! هي ذي صورته معلقة على الجدار ، أنظريه جيداً لتتعرفي عليه إذا اتفق ورأيتيه.
وارتبكت سعاد … فيه لا تريد أن تنظر إلى صورة إبراهيم بمرأى ومشهد من نقاء ، لكيلا يبدو عليها ما يريب ، فهي لم تكن على ثقة من أن عوامل النقمة والانتقام سوف لن تنطبع على وجهها … وهي ترى صورته تحتل الصدارة في غرفة نقاء ، في الوقت الذي حرمت هي منه حتى من أن تلقي عليه نظرة واحدة . أنها لم تعد تحب إبراهيم فقد استحال حبها إلى حقد اسود … وتبدلت عواطفها نحوه إلى


( 55 )

شواظ من نار ، تحاول أن تحرق بها إبراهيم وزوجته والمثل التي يؤمن بها … ولذلك فلم ترفع رأسها نحو الصورة ، ولكن نقاء كررت عليها وهي تشير إلى الصورة قائلة :
ـ أنظريه بالله عليك يا سعاد ! هل يمكن لصاحب هذه الصورة أن يكون رجلاً مداجياً أو ظالماً لأحد ؟ … أو هل يستحق هذا الشخص العزيز هجماتك الظالمة ؟ انظريه .. يا سعاد لتري صدق ما أقول…
وكانت سعاد تعلم أنها صادقة فهي تعرف إبراهيم حق المعرفة وتعلم أنه بريء من كل ما تسعى لأن تنسبه إليه ، ولم يسعها إلا أن ترفع بصرها نحو الصورة ، وألقت نحوها نظرة عابرة ، ثم قالت :
ـ لا يبعد أن أكون قد رأيته مرة أو مرتين في إحدى الحفلات الليلية…
ـ أنا لا يهمني ما تقولين ، ولكن الذي يهمني أن تفهمي يا سعاد إني أحترم صاحب هذه الصورة ! وهو زوجي أمام الله وأمام الناس ، وأنا فخورة به جداً ، ولا أرضى لأحد أن يمسه بسوء أو ينال منه بكلام … نعم … أنا فخورة به جداً.
وكانت كلمات نقاء تلذع فؤاد سعاد كجمرات من نار ، ولم تكن نقاء تعلم ذلك او تحتمله أيضاً.


( 56 )

ـ أدام الله لك سعادتك هذه يا نقاء ! فأنا بصفتي زوجة أقدر السعادة الزوجية ، وأدعو لكل زوجة بالنجاح فيها.
وساد الغرفة سكوت دام دقائق ونهضت بعده سعاد واستأذنت بالانصراف ، ولم تشأ نقاء أن تستبقيها أكثر ، وودعتها بفتور ، ثم عرجت على غرفة أمها وجلست تسامرها حتى قدم أبوها ، فتناولوا عشاءهم ، وانصرفت نقاء بعده إلى غرفتها ، وكانت تشعر بوحشة لغياب إبراهيم ، وافتقدت قدومه في الموعد المحدد من كل يوم ، وكانت تحس بضيق شديد على أثر سماع كلمات سعاد ، وهي تود لو أنها لم تكن ضيفتها ، لتتمكن أن تكون معها أكثر صراحة وأن تبدي لها رأيها فيها وفي سلوكها كما أبدت سعاد رأيها في سلوكها هي … ولكنها كانت مسالمة … وكان من العسير عليها أن تجابه بنت خالتها وهي في ضيافتها بكلام شديد أو تكلمها بلهجة صارمة… وأرقت تلك الليلة وهي تفكر في مفاهيم سعاد الخاطئة ، وتسعى لإيجاد طريقة لإصلاح هذه المفاهيم وتوجيهها توجيهاً صحيحاً.

يكون النشر 06-16-26 من كل شهر

 

 

المحور المصري –تلكرام
https://t.me/Mehwar_Masr

[email protected]

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here