بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين ….
السلام على الحسين
وعلى على بن الحسين
وعلى أولاد الحسين
ومازلنا نركب قطار الذكريات ، ونسير عكس إتجاه الزمان ، نحاول أن نقرأ تاريخنا ، بعيدا عن التأويل والتحريف ، نلتمس فيه المعرفة ، والتجارب ، التى بها نستطيع أن نسير فى حاضرنا ومستقبلنا ، وفى محطة الليلة الرابعة ، نقف أمام عبارة من عبارات الإمام الحسين عليه السلام ، التى تضع بروازا يحدد صورة الفاجعة ، وإن كانت حقيقتها غير محدودة ، لأنها كما سنعرف ( مشروع الله ) المكلف بتنفيذه الإمام الحسين عليه السلام ، ومن قبله الأنبياء والرسل والأئمة الهداة المهديين :
يقول الإمام الحسين عليه السلام فى رده على من سأله عن علة أخذه للنساء معه :
( شاء الله أن يرانى قتيلا ، وأن يراهن سبايا )
ومن خلال هذه العبارة ننطلق لبحثنا فى أعماق الثورة الحسينية ، ونحاول أن نعرف السر فى خلودها ، وبإستقراء أحداث الثورة الحسينية نجد أنها عبارة عن ( مشروع إلهى ) … ولعل هذه مرحلة مفصلية فى التكليف الألهى الغيبى للأنبياء والرسل للقيام بمهامهم فى قيادة البشرية للتكامل الأخلاقى ، وفى تعريفها بالدين الألهى الهادف فى النهاية لتنفيذ ( الوعد الألهى ) لنشر العدل الإلهى فى الأرض كلها ، وتمكين المستضعفين من دينهم الذى أرتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، ليعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاَ …
يقول تعالى :
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ..
فهذا وعد من الله للمؤمنين بالتمكين والإستخلاف فى الأرض
وكذلك قوله تعالى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
ولاحظ هنا كلمة ( أنا ) لنعرف العناية الألهية والدور الغيبى الذى كلف به الله رسله ( أنا ورسلى ) …
والمعروف أن المشروع الألهى لتكامل الإنسان ، ولنشر العدل فى الأرض ، طبقاَ لمدرسة أهل البيت عليهم السلام ، يكلف به خليفة الله فى أرضه ، والذى لا تخلوا منه الأرض ولو للحظة واحدة ، يقول تعالى :
(إنما أنت منذر ولكل قوم هاد )
فلابد أن تكون عند هذا الخليفة تكليفات واضحة من مستخلفه وهو الله عز وجل ، تحدد دوره فى مرحلته التى يبعث فيها .. حتى وصل الأمر للإمام الحسين عليه السلام .
وهنا نأتى للحديث التالى الذى يوضح ذلك التكليف:
ففى الكافى حديث العمري عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) قال :
إنّ الله (عزّ وجلّ) أنزل على نبيّه (صلّى الله عليه وآله) كتاباً قبل وفاته ، فقال
: يا محمّد هذه وصيتك إلى النُجَبَة من أهلك
… فدفعه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأمره أن يفكّ خاتماً منه ويعمل بما فيه ، ففكّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) خاتم وعمل بما فيه ،
ثمّ دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السّلام) ففكّ خاتماً منه وعمل بما فيه ، ثمّ دفعه إلى الحسين (عليه السّلام) ففكّ خاتماً فوجد فيه
: أن اخرج بقومٍ إلى الشهادة ، فلا شهادة لهم إلاّ معك ، واشترِ نفسك لله (عزّ وجلّ(
وسوف نستعرض فيما يلى الروايات والنصوص المتعلقة بإثبات أن واقعة كربلاء كانت تكليفاَ إلهياَ :
إخبار النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل البيت بالفاجعة قبل وقوعها :
1 ـ روي أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خطب في المسلمين ، وأخبرهم بقتل الحسين (عليه السّلام) فضجّ الناس بالبكاء ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أتبكون ولا تنصرونه ؟
2 ـ وروى الطبراني بسنده عن عائشة حديثاً طويلاً يتضمّن إخبار النبي (صلّى الله عليه وآله) لها بقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) بالطفّ ، وفيه : ثمّ خرج إلى أصحابه ـ فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبو ذرّ (رضي الله عنهم) ـ وهو يبكي ، فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟!
فقال
أخبرني جبرئيل أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بأرض الطفّ ، وجاءني بهذه التربة ، وأخبرني أنّ فيها مضجعه.
3 ـ وعن ابن عباس أنه ذكر خطبة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في ذلك وقال: “ثم نزل عن المنبر، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا وتيقن بأن الحسين مقتول” (2) .
4 ـ كما أسند غير واحد عن ابن عباس أنّه قال : ما كنّا نشكّ وأهل البيت متوافرون أنّ الحسين بن علي يُقتل بالطفّ
الإخبار بقاتل الإمام الحسين عليه السلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بل أن الإخبار عن هذه الواقعة الإلهية كان أيضاَ عن تفاصيلها الدقيقة ، مثل :
الإخبار بقاتل الحسين عليه السلام
فلقد وردت روايات عديدة عن شخصية محورية مسئولة عن قتل الإمام الحسين عليه السلام وهى شخصية عمر بن سعد وهو قائد الجيش الذى قتل الحسين عليه السلام :
1 ـ وقال الشيخ المفيد : وروى عبد الله بن شريك قال : كنت أسمع أصحاب علي (عليه السّلام) إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون : هذا قاتل الحسين بن علي (عليه السّلام) ، وذلك قبل قتله بزمان
2 ـ وروي أنّ عمر بن سعد قال للإمام الحسين (صلوات الله عليه) : إنّ قوماً من السفهاء يزعمون أنّي أقتلك !
فقال له الإمام الحسين (عليه السّلام): (( ليسوا بسفهاء ، ولكنّهم حلماء )) ، ثمّ قال : (( والله ، إنّه ليقرّ بعيني أنّك لا تأكل برّ العراق بعدي إلاّ قليلا ً)
3 ـ وروي أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال لعمر بن سعد : كيف أنت إذا قمت مقاماً تخيّر فيه بين الجنّة والنار ، فتختار النار ؟!
( والمعروف أن إبن زياد الولى من قبل يزيد إبن معاوية على الكوفة ، كان قد وعد عمر بن سعد بولاية الرى إذا قتل الحسين عليه السلام ، وهنا إخبار من الإمام الحسين عليه السلام لعمر بن سعد بأنه لن يتولى الرى .. لأنه لن يعيش طويلا بعد قتل الإمام الحسين عليه السلام …
الإخبار بقتل قتلة الإمام الحسين عليه السلام
بل وصل الأمر إلى حد الإخبار بمصير قتلة الإمام الحسين عليه السلام
1 ـ عن ابن عباس أنّه قال : أوحى الله إلى نبيّكم (صلّى الله عليه وآله) أنّي قتلت بيحيى سبعين ألفاً ، وإنّي قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً .
ويأتي من الإمام الحسين (صلوات الله عليه ) التأكيد على ذلك ، وذلك فى إخباره بإنتقام المختار الثقفى من قتلة الإمام الحسين عليه السلام :
2 ـ الإخبار بقتل إبن زياد على يد المختار الثقفى
قال ميثم التمّار (رضوان الله عليه) ـ وهو من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) وحملة سرّه ـ للمختار بن أبي عبيدة الثقفي وهما في حبس ابن زياد قبل قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) :
إنّك تفلت ، وتخرج ثائراً بدم الحسين (عليه السّلام) ، فتقتل هذا الجبّار الذي نحن في سجنه ، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخديه.
3 ـ أخبار أمير المؤمنين عليه السلام بأحد القتلة
( قتل سنان بن أسد النخعى )
ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن أبي الحديد أنّه قال : روى ابن هلال الثقفي في كتاب الغارات ، عن زكريا بن يحيى العطار ، عن فضيل ، عن محمد بن علي قال : لمّا قال علي (عليه السّلام)
: سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله لا تسألونني عن فئة تضلّ مئة وتهدي مئة إلاّ أنبأتكم بناعقتها وسائقتها ( .
قام إليه رجل فقال : أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر .
فقال له علي (عليه السّلام)
)والله ، لقد حدّثني خليلي أنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك ملكاً يلعنك ، وإنّ على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطاناً يغويك ، وإنّ في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله(.
وكان ابنه قاتل الحسين (عليه السّلام) يومئذٍٍ طفلاً يحبو ، وهو سنان بن أنس النخعي . شرح نهج البلاغة 2 / 286
إخبار الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّ عاقبة نهضته القتل :
بل صرّح الإمام الحسين (عليه السّلام) نفسه ولوّح بأنّه يُقتل في هذه النهضة المقدّسة ، كما يأتي في خطبته (عليه السّلام) في مكّة حينما أراد الخروج إلى العراق .
نحو حديث الإمام الحسين (عليه السّلام) مع عبد الله بن عمر
1 ـ ففي حديث له مع بعض مَنْ لقيه في الطريق قال فيه
: هذه كتب أهل الكوفة إليّ ، ولا أراهم إلاّ قاتلي.
2 ـ وفي حديث له مع أبي هرّة الأزدي
: (( يا أبا هرّة ، لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنّهم الله تعالى ذلاً شاملاً ، وسيفاً قاطعاً.
3 ـ وقد سبق منه (عليه السّلام) تأكيده لعمر بن سعد صدق ما يتحدّث به الناس من أنّه سيقتله ، وأنّه من بعده (عليه السّلام) لا يأكل من برّ العراق إلاّ قليلاً ، وكرّر (عليه السّلام) التنبؤ له بقلّة بقائه بعده قبل المعركة بأيام.
4 ـ وقال له يوم عاشوراء قُبيل المعركة : (( أما والله يا عمر ، ليكوننّ لما ترى يوم يسوؤك.
وقال له أيضاً : (( يا عمر ، أنت تقتلني وتزعم أن يولّيك الدعي ابن الدعي بلاد الرّي وجرجان ! والله لا تتهنأ بذلك أبداً ؛ عهد معهود . فاصنع ما أنت صانع ؛ فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة قد نُصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتّخذونه غرضاً بينهم
5 ـ كما خطب (صلوات الله عليه) عسكر ابن سعد لمّا رأى منهم التصميم على قتاله ، فقال في آخر خطبته
: (( ثمّ أيم الله لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يُركب الفرس ، ثمّ تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي ، فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً … .
6 ـ وقال (عليه السّلام) في دعائه عليهم : (( اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبّرة ، ولا يدع فيهم أحداً إلاّ قتله ، قتلة بقتلة ، وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم
7 ـ خطبة الإمام الحسين ع فى مكة
كما أنّ الإمام الحسين (صلوات الله عليه) صرّح برضى الله تعالى بنهضته ، وأنّ الله تعالى قد اختارها له في خطبته العظيمة في مكّة المكرّمة حين عزم على الخروج منها متوجّهاً إلى العراق ، حيث قال فيها في جملة ما قال
خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة . وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف . وخِيرَ لي مصرع أنا لاقيه . كأنّي بأوصالي هذه تقطّعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلاء … لا محيص عن يوم خطّ بالقلم. رضى الله رضانا أهل البيت . نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين … مَنْ كان فينا باذلاً مهجته ، وموطّناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى
هذه بعض من نماذج النصوص من الأحاديث الشريفة التى تدل على أن حركة وثورة الإمام الحسين عليه السلام هى مشروعه الذى إختاره الله له ، بل هو مشروع الله ، ولذلك فالحسين ثار الله ..
الدور الغيبى فى دعوة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وأله :
1 ـ توقيت وقت البعثة النبوية هو توقيت إلهى
2 ـ توقيت الجهر بالدعوة :
( وأنذر عشيرتك الأقربين )
3 ـ الأمر بالكف عن القتال :
( ألم ترى إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة )
4 ـ وهو الذى أذن ببدأ القتال :
( أذن بالذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير )
الخلاصة :
أن الصراع بين الحق والباطل ، هو صراع بدأ مع بدأ الخليقة ، بين مشروع إلهى يتولى قيادته خليفة الله فى أرضه ، وبين أعداء هذا المشروع والذى يتولى قيادته الغيبية الشيطان أو إبليس ، وله أولياءه فى الأرض من الحكام والطواغيت ،
وهذا دافع للمؤمن أن يتأكد أنه يدور فى فلك المشروع الألهى بقيادة الإمام المهدى عليه السلام ، وليس يدور فى فلك المشروع الشيطانى المعادى بقيادة إبليس وجنوده من شياطين الإنس والجن وعلى رأسهم فى عصرنا هذا أمريكا والعدو الصهيونى …
وفى الختام :
عظم الله أجوركم جميعاَ
السلام على الحسين
وعلى على بن الحسين
وعلى أولاد الحسين
وعلى أصحاب الحسين

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here