بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على آلائه والحمد من آلائه والشكر على نعمائه والشكر من نعمائه والصلاة على محمد خاتم أنبيائه وعلى سيد أصفيائه وأوليائه وآلهما الطاهرين خيرة خلفائه وأمنائه.

«أما بعد» فيقول العبد الآثم العاصي الغريق في بحار الخطايا والمعاصي أفقر الخلق إلى ربه الغني (عبد الله بن محمد رضا الحسيني) ختم الله لهما بالحسنى ورزقهما خير الآخرة والأولى لا يخفي على أولي البصاير النقادة وأرباب الأذهان الوقادة وذوي العقول السليمة وأصحاب الأفهام المستقيمة أن الزيارة الجامعة الكبيرة أعظم الزيارات شأنا وأعلاها مكانة ومكانا وأن فصاحة ألفاظها وفقراتها وبلاغة مضامينها وعباراتها تنادي بصدورها من عين صافية نبعت عن (ينابيع الوحي) والإلهام وتدعو إلى إنها خرجت من السنة نواميس الدين ومعاقل الأنام فإنها فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق الملك العلام قد اشتملت على الإشارة إلى جملة من الأدلة والبراهين المتعلقة بمعارف (أصول الدين) وأسرار الأئمة الطاهرين ومظاهر صفات (رب العالمين) وقد احتوت على رياض نضرة وحدائق خضرة مزينة بأزهار المعارف والحكمة محفوفة بثمار

٢٩

أسرار أهل بيت العصمة وقد تضمنت شطرا وافرا من حقوق أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم وأهل البيت الذين حث الله عليه متابعتهم وذوي القربى الذين أمر الله بمودتهم وأهل الذكر الذين أمر الله بمسألتهم مع الإشارة إلى آيات فرقانية وروايات نبوية وأسرار إلهية وعلوم غيبية ومكاشفات حقية وحكم ربانية ولم يتفق لها شرح شاف يكشف النقاب عن وجوه معانيها وبيان كاف يفتح مغلق مشكلها وخافيها سوى ما اتفق من التعليق للعلامتين (المجلسيين) في البحار (وشرح الفقيه) وكنت أحدث نفسي بذلك وأروم ما هنالك وكان يعوقني عن ذلك قلة البضاعة وكثرة الإضاعة وحقارة الاطلاع في هذه الصناعة ورأيت أن ذلك بالنسبة إلى مثلي ممن لم يعض على العلوم بضرس قاطع ولم يعط التأمل والتتبع حقه في المواضع متعسر بل متعذر فشرعت مع تبلبل البال وتفاقم الأحوال في بيان ما أمكن منها بحسب المقدور إذ الميسور لا يسقط بالمعسور وضممت إلى ذلك أحاديث شريفة وأخبارا ظريفة تحل مشكلاتها وتبين مفصلاتها فإن كلامهم عليهم السلام يحل بعضه بعضا ونسئل الله الهداية والتسديد والعصمة والإرشاد والتأييد فإنه قريب مجيد عزيز حميد.

٣٠

مقدمة

(إعلم) أن هذه الزيارة قد رواها جملة من أساطين الدين وحملة علوم الأئمة الطاهرين وقد اشتهرت بين الشيعة الأبرار اشتهار الشمس في رابعة النهار وجواهر مبانيها وأنوار معانيها دلائل حق وشواهد صدق على صدورها عن صدور حملة العلوم الربانية وأرباب الأسرار الفرقانية المخلوقين من الأنوار الإلهية فهي كسائر كلامهم الذي يغني فصاحة مضمونه وبلاغة مشحونة عن ملاحظة سنده كنهج البلاغة والصحيفة السجادية وأكثر الدعوات والمناجاة وقد رواها شيخ الطايفة المحقة في (التهذيب) ورئيس المحدثين الصدوق في (الفقيه) و (العيون) وغيرهما عن محمد بن إسماعيل البرمكي الثقة عن موسى بن عبد الله النخعي عن علي الهادي عليه السلام وسند العيون هكذا (الدقاق) و (الشيباني) و (الوراق) و (المكتب) جميعا (عن الأسدي) عن البرمكي عن النخعي قال قلت لعلي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام علمني يا بن رسول الله قولا أقوله بليغا كاملا إذا زرت واحدا منكم فقال إذا صرت إلى الباب فقف وقل الله أكبر الله أكبر (ثلاثين مرة) ثم امش

٣١

قليلا وعليك السكينة والوقار وقارب بين خطاك ثم قف وكبر الله عز وجل (ثلاثين مرة) ثم ادن من القبر وكبر الله أربعين مرة تمام مائة تكبيرة ثم قل وساق (الزيارة) الآتية وفي الفقيه كذلك.

٣٢

إيضاح

المراد بالوقوف الوقوف على باب الروضة والإتيان بالشهادتين لتقدمهما رتبة أو للتيمن ولعل السر في الإتيان بالتكبير عند رؤية جلال كبريائهم للإشارة إلى أن (الله أكبر) كل كبير وأن الكبرياء والعظمة له تعالى أو لنزول الدهشة عن الداخل إلى محل كبريائهم والسكينة عبارة عن اطمئنان القلب (بذكر الله) وتذكر عظمته بل عظمة أوليائه وأصفيائه فإنها راجعة إلى عظمته والوقار اطمئنان البدن (وقيل) بالعكس ومقاربة الخطأ إما لأجل حصول كثرة الثواب فإن له بكل خطوة أجرا مقدرا أو لحصول الوقار.

(واعلم) أن هذه الزيارة الشريفة لا تحتاج إلى ملاحظة سند فإن فصاحة مشحونها وبلاغة مضمونها تغني عن ذلك فهي كالصحيفة السجادية ونهج البلاغة ونحوهما.

(وقال الفاضل التقي المجلسي) عند شرح هذه الزيارة ما لفظه هذه زيارة جامعة لجميع الأئمة عليهم السلام عند مشهد كل واحد ويزور الجميع قاصدا بها الإمام الحاضر والباقي والبعيد يلاحظ الجميع ولو قصد في كل مرة واحدا بالترتيب

٣٣

والباقي بالتبع لكان أحسن كما كنت أفعل (ورأيت) في الرؤيا الحقة تقرير الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام وتحسينه عليه السلام ولما وفقني الله تعالى لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام وشرعت في حوالي الروضة في المجاهدات وفتح الله تعالى علي ببركة مولانا أبواب المكاشفات التي لا تحتملها العقول الضعيفة رأيت في ذلك العالم وإن شئت قلت بين النوم واليقظة عندما كنت في رواق عمران جالسا أني بسر من رأى ورأيت مشهدهما في نهاية الارتفاع والزينة ورأيت مولاي ومولى الأنام صاحب العصر والزمان عليه السلام جالسا وظهره عليه القبر ووجهه إلى الباب فلما رأيته شرعت في هذه الزيارة بالصوت المرتفع كالمداحين فلما أتممتها قال صلى الله عليه فسلم نعمت الزيارة قلت مولاي روحي فداك زيارة جدك وأشرت إلى نحو القبر فقال نعم أدخل فلما دخلت وقفت قريبا من الباب فقال عليه السلام تقدم فقلت مولاي أخاف أن أصير كافرا بترك الأدب فقال عليه السلام لا بأس إذا كان بإذننا فتقدمت قليلا فكنت خائفا مرتعشا فقال عليه السلام تقدم تقدم حتى صرت قريبا منه عليه السلام قال اجلس قلت أخاف مولاي قال عليه السلام لا تخف فلما جلست جلسة العبد الذليل بين يدي المولى الجليل قال عليه السلام استرح واجلس مربعا فإنك تعبت جئت ماشيا حافيا والحاصل أنه وقع منه عليه السلام بالنسبة إلى عبده ألطاف عظيمة ومكالمات لطيفة لا يمكن عدها ونسيت أكثرها ثم انتبهت من تلك الرؤيا وحصل في ذلك اليوم أسباب الزيارة بعد كون الطريق مسدودا في مدة طويلة وبعد ما حصلت

٣٤

الموانع العظيمة ارتفعت بفضل الله وتيسرت الزيارة بالمشي والحفا كما قاله الصاحب عليه السلام وكنت ليلة في الروضة المقدسة وزرت مكررا بهذه الزيارة وظهر لي في الطريق والروضة كرامات عجيبة بل معجزات غريبة يطول ذكرها.

والحاصل أنه لا شك أن هذه الزيارة من أبي الحسن الهادي بتقرير الصاحب عليه السلام وأنها أكمل الزيارات وأحسنها بل بعد تلك الرؤيا كنت أكثر الأوقات أزور الأئمة عليهم السلام بهذه الزيارة في العتبات العاليات ما زرتهم إلا بهذه الزيارة.

إنتهى كلامه رفع مقامه وهو الثقة العدل الصادق المصدق وربما يتوهم التنافي بين قوله رضي الله عنه رأيت في ذلك العلم وإن شئت قلت بين النوم واليقظة وقوله بعد ذلك ثم انتبهت من تلك الرؤيا ولا منافاة في ذلك فإن رؤياه رضي الله عنه كانت في عالم الانخلاع عن الطبيعة البشرية وتوجه القلب إلى العوالم الملكوتية وتحلي النفس القدسية بالفضائل الفواضل الفيضانية ورجوع النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية ولما كان ذلك تعجز عنه العقول القاصرة والأفهام الكاسدة الفاترة وتعده أمرا عظيما وخطبا جسيما عدل رضي الله عنه عن التعبير الأول بقوله وإن شئت قلت بين النوم واليقظة كما يتفق ذلك لساير الخلق ولذا أطلق عليه بعد ذلك الرؤيا لا يقال كيف يمكن ادعاء رويته عليه السلام في غير المنام وقد ورد عنهم في التوقيع لعلي بن محمد السمري على ما في الاحتجاج والاكمال وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج

٣٥

السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر لأنا نقول إن ذلك محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه عليه السلام إلى الشيعة الأبرار على نحو السفراء والنواب وإلا فقد استفاضت الأخبار وتظافرت الآثار عن جمع كثير من الثقات الأبرار من المتقدمين والمتأخرين ممن رأوه وشاهدوه في الغيبة الكبرى وقد عقد لها المحدثون في كتبهم أبوابا على حدة وسيما العلامة المجلسي رضي الله عنه في البحار وصرح بحمل هذا الخبر ونحوه على ذلك لئلا ينافي سائر الأخبار.

٣٦

شرح الزيارة