12) الأمثال العربية – محمد رضا المظفة
شرح بعض الأمثال في القرآن الكريم
شرح بعض الأمثال في سورة البقرة:
1 – شرح الآية 17 من سورة البقرة:
(مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) .
قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا “إلخ” مثل يمثل به حالهم، أنهم كالذي وقع في ظلمة عمياء لا يتميز فيها خير من شر و لا نافع من ضار فتسبب لرفعها بسبب من أسباب الاستضاءة كنار يوقدها فيبصر بها ما حولها فلما توقدت و أضاءت ما حولها أخمدها الله بسبب من الأسباب كريح أو مطر أو نحوهما فبقي فيما كان عليه من الظلمة و تورط بين ظلمتين: ظلمة كان فيها و ظلمة الحيرة و بطلان السبب.
و هذه حال المنافق، يظهر الإيمان فيستفيد بعض فوائد الدين باشتراكه مع المؤمنين في مواريثهم و مناكحهم و غيرهما حتى إذا حان حين الموت و هو الحين الذي فيه تمام الاستفادة من الإيمان ذهب الله بنوره و أبطل ما عمله و تركه في ظلمة لا يدرك فيها شيئا .
أما المشبه به، فهو صفة المستوقدين نارا كلما أضاءت ما حولهم من الأماكن والأشياء أذهب الله نورهم عند الإضاءة وأمسكه وتركهم في ظلمات متعددة شديدة أدهشتهم بحيث اختلت مشاعرهم وقواهم، فهم لا يقدرون على الرجوع إلى ما كانوا عليه من قبل. أما المشبه فهو صفة المنافقين الذين إظهارهم الإيمان باللسان بمنزلة إيقاد النار العظيمة، وانتفاعهم به بسلامة الأموال والأولاد وغير ذلك كإضاءتها ما حولهم، و زوال ذلك الانتفاع منهم على القرب بإهلاكهم، وإفشاء نفاقهم على النبي (صلى الله عليه وآله) هو ذهاب نورهم وإلقاؤهم في أحيان ظهور النفاق والوعيد بالعذاب السرمد، أو الوقوع فيه على مراتبه، تركهم في الظلمات المتعددة الشديدة، وعدم استعمالهم قواهم فيما خلقت له بمنزلة إخلالها، ورسوخهم وتمكينهم فيما أوقعهم فيه بما يخالف فطرتهم كعدم القدرة من المستوقدين على الرجوع إلى ما كانوا عليه .
لقد ظنّ هؤلاء أنهم قادرون على أن يحققوا أهدافهم بما لديهم من إمكانات إنارة محدودة.
ولكن نارهم سرعان ما انطفأت بسبب عوامل جوّيّة، أو بسبب نفاد الوقود، وظلّوا حائرين لا يهتدون سبيلا.
ثم تضيف الآية الكريمة أن هؤلاء فقدوا كل وسيلة لدرك الحقائق: (صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ).
والمثال المذكور يصوّر بدقّة عمل المنافقين على ساحة الحياة الإنسانية. فهذه الحياة مملوءة بطرق الإنحراف والضلال، وليس فيها سوى طريق مستقيم واحد للهداية، وهذا الطريق مليء بالمزالق والأعاصير. ولا يستطيع الفرد أن يهتدي من بين الطرق الملتوية إلى الصراط المستقيم، كما لا يستطيع أن يتجنب المزالق ويقاوم أمام الأعاصير، إلاّ بنور العقل والإيمان، وبمصباح الوحي الوهّاج .
ان حال هؤلاء المنافقين لما اظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر كحال من ضل في طريقه وسط الظلام في مكان حافل بالأخطار فأوقد ناراً لإنارة طريقه فإذا بريح عاصف أطفأت النار وتركته في ظلمات لا يهتدي إلى سبيل .
وهذا التمثيل الذي برع القرآن الكريم في تصويره يعكس حال المنافقين في عصر الرسالة،ومقتضى التمثيل أن يهتدي المنافقون بنور الهداية فترة من الزمن ثم ينطفئ نورها بإذن الله سبحانه،وبالتالي يكونوا صماً بكماً عمياً لا يهتدون،فالنار التي اهتدى بها المنافقون عبارة عن نور القرآن الكريم وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله،حيث كانوا يتشرفون بحضرة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ويستمعون إلى كلامه وحججه في بيانه ودلائله في إرشاده وتلاوته لكتاب الله فهم بذلك كمن استوقد نارا للهداية،فلما أضاءت لهم مناهج الرشد ومعالم الحق تمردوا على الله بنفاقهم،فخرجوا كونهم أهلا للتوفيق والتسديد فأوكلهم الله سبحانه إلى أنفسهم الأمارة وأهوائهم الخبيثة وعمّتهم ظلمات الضلال بسوء اختيارهم.

 

المحور المصري –تلكرام
https://t.me/Mehwar_Masr

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here