إبطال شبهات الغربيين ضد القرآن والدين – السيد حسين الحيدري

اعتراف الأوربيين بكذب تهمة انتشار الإسلام بالسيف:

لقد اعترف ببطلان هذه التهمة وهذا الادّعاء، كُتَّابٌ غربيّون كبار:

أولاً: الكاتب الغربيّ الكبير توماس كارليل، حيث قال فى كتابه (الأبطال وعبادة البطولة): (إنّ اتهامه ـ أي اتهام النبي محمد صلى الله عليه وآله ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخفٌ غير مفهوم، إذ ليس مما يجوز في الفهم أنْ يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدّقين، وتعرضوا للحرب مِنْ غيرهم قبل أنْ يقدروا عليها).

ثانياً: يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) وهو يتحدّث عن سرِّ انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه وآله وفيما بعده: (قد أثبتَ التأريخ أنّ الأديان لا تُفرض بالقوّة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرتْ العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن مِنَ الانتشار في الهند – التي لم يكنْ العرب فيها غير عابري سبيل – ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها… ولم يكن الإسلام أقلّ انتشاراً في الصين، التي لم يفتح العرب أي جزءٍ منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليوناً في الوقت الحاضر) أي في ذلك الوقت الذي ألف فيه كتابه.

ثالثاً: يقول البطريق النسطوري ياف الثالث، في رسالة بعث بها إلى سمعان مطران ريفار دشير، ورئيس أساقفة فارس: (وإنّ العرب الذين منحهم الله سلطان الدنيا، يشاهدون ما أنتم عليه وهم بينكم، كما تعلمون ذلك حقّ العلم، ومع ذلك فهم لا يحاربون العقيدة المسيحية، بل على العكس يعطفون على ديننا ويكرمون قسسنا، ويجودون بالفضل على الكنائس والأديرة). كتاب (الدعوة إلى الإسلام) لتوماس أرنولد ص98.

رابعاً: ويقول غوستاف لوبون: (إنّ مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وإنه لم يقلْ بمثلها مؤسِّسو الأديان التي ظهرتْ قبله، كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسار خلفاؤه على سننه، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوربا) (حضارة العرب) ص128.

ويشير أيضاً إلى حسن سياسة الدولة الإسلامية في معاملة المخالفين لِدينهم قائلا: (كانوا يحترمون عقائدَ الشعوب وعرفها وعاداتهم، مُكتفين بأخذهم في مقابل حمايتها جزية زهيدة، تقلّ عما كانت تدفعه إلى ساداتهم السابقين مِنَ الضرائب، كما حافظوا على كنائس النصارى ولم يمسّوها بسوء). (حضارة العرب) ص134.

خامساً: أشاد المؤلف الأمريكي لوثروب ستودارد بمراعاة الدولة الإسلامية لمشاعر غير المسلمين فقال: (وقد سار الخلفاء مِنْ بعده على آثاره، فما ضيّقوا على النصارى، وما نالوا بمساءة طوائف الحجاج النصارى، الوافدين كلّ عام إلى بيت المقدس، مِنْ كلّ فجٍ مِنْ فجاج العالم النصراني). (حاضر العالم الإسلامي) لستودارد ج1 ص13 – 14.

سادساً: كتب النصارى في الشام إلى قائد جيش المسلمين: (يا معشر المسلمين، أنتم أحبُّ إلينا مِنَ الروم، وإنْ كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأفُ بنا وأكفُّ عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا). فتوح البلدان ص97.

سابعاً: وبسبب حُسن معاملة المسلمين لغير المسلمين، كتب أهل بيزنطية يردّون على أحد رؤسائهم الدينيين: (إنه لخيرٌ لنا أنْ نرى العمامة في مدينتنا، مِنْ أنْ نرى فيها تاج البابوية). (الإمبراطورية البيزنطية) لنورمان بينز ص٣.

ثامناً: ويقول المستشرق توماس أرنولد: (لم نسمع عن أيّة محاولةٍ مُدبّرةٍ لإرغام الطوائف مِنْ غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أيّ اضطهادٍ مُنظم قصد منه استئصال الدين المسيحيّ، ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين، لاكتسحوا المسيحيّة بتلك السهولة التي أقصى بها فردينالد وإيزابلا دين الإسلام مِنْ إسبانيا، أو بتلك السهولة التي جعل لويس الرابع عشر المذهب البروتستانتي مذهبًا يُعاقب عليه متبعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظلّ بها اليهود مُبعدين عن إنجلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة، ولهذا فإنّ مُجرّد بقاء هذه الكنائس حتى الآن، ليحمل في طيّاته الدليل القويّ، على ما قامتْ عليه سياسة الحكومات الإسلامية والنظم السياسية بوجهٍ عام مِنْ تسامح نحوهم) (الدعوة إلى الإسلام) لتوماس أرنولد ص98 و99.

تاسعاً: تقول المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري: (كان المسلمون لا يكادون يعقدون الاتفاقيات مع الشعوب، حتى يتركوا لها حريّة المُعتقد، وحتى يحجموا عن إكراه أحدٍ مِنْ أبنائها على الدخول في الدين الجديد – إلى أنْ تقول: – ليس هذا فحسب، بل لقد فرض المسلمون في فترةٍ مِنَ الفترات، على كلِّ راغب في الدخول في الإسلام، أنْ يسلك مسلكاً لا يُساعد مِنْ غير ريب، على تيسير انتشار الإسلام، ذلك أنهم طلبوا إلى الراغبين في اعتناق الدين الجديد، أنْ يمثلوا أمام القاضي ويعلنوا أنّ إسلامهم لم يكن نتيجة لأيّ ضغوط، وأنهم لا يهدفون مِنْ رواء ذلك إلى كسبٍ دنيوي) انظر كتابها (دفاع عن الإسلام) ص٣٥ طبع دار العلم للملايين بيروت، ونقله إلى العربية منير البعلبكي.

عاشراً: يقول البطريك غيثو بابه: (إنّ العرب الذين مكنهم الرب مِنَ السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا ويوقرون قسيسينا وقديسينا، ويمدّون يدَ العون إلى كنائسنا وأديرتنا) (أهل الذمة في الإسلام) لآرثر ستانلي تريتون ص158.

أما اتهام الإسلام بإكراه الناس على الدخول في الدين:

فرغم أننا قد ذكرنا خلال الجواب الأول، أموراً كثيرة تصلح لتكون جواباً عنه، ولكننا سنذكر هنا، بعض الآيات القرآنية التي تأمر بعكس ذلك تماماً:

1 – قال تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشدُ مِنَ الغيّ﴾ البقرة: 256.

2 – وقال تعالى أيضاً: ﴿ولو شاءَ ربّكَ لآمنَ مَنْ في الأَرضِ كلهم جَمِيعاً أفأنتَ تُكرِهُ النّاسَ حتى يكونوا مؤمنين﴾ يونس: 99.

3 – وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إِنْ عليك إلا البلاغ﴾ الشورى: 48.

4 – وقال أيضاً: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإنْ تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ آل عمران: 20.

وغيرها مِنَ الآيات التي توضِّح، بأنّه ليس للنبيِّ ص إجبار الناس على الدين، بل وظيفته البلاغ والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال في سورة النحل آية 125: ﴿اُدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾.

ونسأل التأريخ: متى أكره النبيُّ ص الناسَ على الدخول في الإسلام؟

1 – هل كان ذلك في مكة؟ رغم أنّ رسول الله ص كان مستضعفاً فيها، ومكثَ في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، دون قتال ولا إكراه، فدخل في الإسلام كثيرٌ مِنَ الناس، وأغلبهم كانوا مِنَ الضعفاء.

وقد تحمَّلوا صنوف العذاب مِنْ قريش، فلم يصرفهم ذلك عن دينهم، ولم تتزعزع عقيدتهم، بل ازدادوا صلابة وصموداً وثباتاً، حتى اضطرّوا للهرب مِنْ مكة، فهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فمتى أجبر النبيُّ ص الناسَ وأكرههم على الدخول في الدين؟!

2 – أم كان ذلك في المدينة؟ فأهل المدينة أسلموا طوعاً قبل أنْ يُهاجر إليهم النبي ص، حيث جاءوا إلى مكة وبايعوه سِرّاً في بيعتي العقبة الأولى والثانية، ثم دَعَوه ص ليهاجر إليهم ويترك مكة، بسبب ما لاقاه هو وأتباعه مِنْ أذىً كبير وتعذيب شديد مِنَ المشركين، فمتى أكره النبيُّ ص الناسَ على الدخول في دينه؟!

3 – أم كان ذلك حين هاجر النبي ص إلى المدينة المنورة، حيث عاهدَ النبيُّ ص يهودَ المدينة (بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة ويهود خيبر)، وعقد معهم ميثاقاً للتعايش السلمي، وهو مشهور في كتب التأريخ، وقد مرّ ذِكره سابقاً، فبقيَ اليهود على دينهم وشعائرهم، ولم يجبرهم النبيّ ص على الدخول للإسلام.

4 – وممّا يدلُّ على أنّ أهل الكتاب كانوا يمارسون طقوسهم في بلاد المسلمين بحرية، ما روي عن أمير المؤمنين علي ع، أنه كان يسير مع أحد أصحابه، فسمعا صوت ناقوس كنيسةٍ يَدُقّ، فقال الإمام ع: (أتعلم ماذا يقول الناقوس)؟ فقال: لا أعلم، قال ع: إنه يقول: (لا إله إلا الله حقاً حقاً صدقاً صدقاً، إنّ الدنيا قد غرّتنا وشغلتنا واستهوتنا واستقوتنا، يا ابن الدنيا مهلاً مهلاً ….) قصص الأنبياء للجزائري ص472، وهو يدلّ على أنه ع لم يمنع المسيحيين مِنْ إقامة طقوسهم في بلاد المسلمين.

5 – بل نستطيع أنْ نفهم مِنْ قول أمير المؤمنين ع المشهور: (لو ثنيت لي الوسادة لحكمتُ أهل التوراة بتوراتهم، ولحكمتُ أهل الإنجيل بإنجيلهم…) أمالي الطوسي ص523، والاحتجاج ج1 ص391، مِنْ أنّه ع لا يجبر غيرَ المسلمين على العمل بأحكام الإسلام، بل إنه يحكم لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم.

6 – ومما روي عن الإمام علي ع في احترامه لغير المسلمين، أنه صاحَبَ يهودياً في سفر، ولم يكن اليهودي يعرف أنّ مَنْ يسيرُ معه هو خليفة المسلمين، فسأله اليهوديّ عن مقصده مِنْ سفره ذاك، فأجابه ع بأنه يقصد الكوفة، فلمّا بلغا مفترق الطرق، مشى الإمام ع مع اليهوديّ مسافة، في الطريق التي لا تؤدي إلى الكوفة، فتعجّب اليهوديّ، واستفسر منه عن علة عدم ذهابه لطريق الكوفة، فأجابه ع بما مضمونه، بأنّ هذا من المُشايعة وهي مِنْ حقوقك التي يفرضها عليّ ديني، لأنك رافقتني في هذا السفر، فأسلم لمّا علم أنه الخليفة. راجع: أصول الكافي ج2 ص67.

7 – وحين عاهد النبي ص نصارى نجران، الذين كانوا قريبين مِنَ اليمن، بمعاهدة تعايش وصلح وسلام، بقيَ أهلُ نجران على المسيحيّة، ولم يجبرْهم النبيُّ ص على الدخول في الدين الإسلامي مُطلقاً، كما مرّ سابقاً.

8 – وحين أرسل رسائله إلى الملوك والحكام، يدعوهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، فدخل بعضهم ورفض آخرون، لم يكن هناك إكراه، لأنه لم يُرسل إليهم جيوشاً أو جُنداً مطلقا، فليدلنا أحدٌ على حادثةٍ واحدةٍ، أجبر فيها النبيُّ ص شخصاً في زمانه، على الدخول في الدين الإسلامي.

9 – ولما استقرّ النبيُّ ص في المدينة، وأسّس حكومته فيها بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة، لم يأمرْه الله بقتال المشركين في البداية.

فلما هاجتْ قريشٌ على رسول الله ص، وجيّشتْ الجيوش وحشّدتْ الكتائب لِحربِ النبي ص رغم ابتعاده عنهم، عند ذلك نزل الإذنُ مِنَ الله بالقتال، في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ للذين يُقَاتَلُونَ بأنهم ظُلِمُوا وإنّ الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا مِنْ ديارهم بغير حق إلا أنْ يقولوا ربنا الله – الى أن يقول – ولينصرنّ الله مَنْ ينصره إنّ الله لقويٌّ عزيز﴾. الحج:39-40.

والتعبير بالإذن يدلُّ على المنع مِنَ القتال قبل نزول الآية، ويدلّ بأنّ القتال في الصدر الأول مِنَ الإسلام شُرِّع للدفاع عن النفس، أمامَ ظالميهم الذين أخرجوهم مِنْ ديارهم وأموالهم.

10 – ويروى بأنّ الإمام الصادق ع كان في سفر مع جماعة مِنْ أصحابه، فوجدوا مسيحيّاً قد استولى عليه الضعف مِنَ العطش، فبادر الإمام ع لإنقاذه وأمرهم الإمام ع بسقيه الماء. راجع ميزان الحكمة ص1933.