إبطال شبهات الغربيين ضد القرآن والدين – السيد حسين الحيدري

ثمّ إنّ الإسلام لم يُشرِّعْهُ، وإنما جاء فوجد نظام الإماء والعبيد موجوداً في جميع المجتمعات، وقانوناً معمولاً به عند كلّ الأمم قبل الإسلام، حيث كانتْ الأعمال كالزراعة والصناعة وأمثالها بعُهدة العبيد، أمّا الأحرار فيستنكفون مِنْ مزاولتها، فلو قام الإسلام بتحرير العبيد دفعةً واحدة مِنْ أول مجيئه، لتوقفتْ عجلة الحياة ولأصابها الشلل ولاضطربت الأمور، لذلك فإنّ الحكمة اقتضتْ وضعَ حلولٍ جذريّة للقضاء على نظام العبيد وتحريرهم، دون أنْ يضرَّ ذلك بالحياة الاجتماعية للناس.

لذا قام الإسلام أولاً بتشجيع الأحرار على مزاولة الأعمال والصناعات والزراعة، مُعتبراً أنها عبادة وجهاد في سبيل الله.

ومِنْ ناحيةٍ أخرى شجّع الناس على عِتق العبيد، قال تعالى: ﴿العقبة وما أدراك ما العقبة فكُّ رقبة﴾ البلد: 11 – 13، كما جعل واحداً مِنْ مصارف الزكاة هو تحريرهم بقوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه …. وفي الرقاب﴾ البقرة: 177، كما جعل إحدى العقوبات التي يتوجّب على مَنْ فعل بعض الذنوب، تحرير العبيد أو الإماء، ويُسمّى بالكفارات، مثل كفارة الظهار أو كفارة إفطار يوم مِنْ شهر رمضان عمداً مِنْ دون عُذر، أو القتل خطأً.

وجعل مِنَ المُستحبّات المؤكدة تحرير العبيد، بل أوجب على مَنْ آذى عبده إيذاءً شديداً أنْ يُحرّره.

وبهذه السياسة الحكيمة، زال نظام العبيد والإماء مِنَ المجتمعات الإسلامية منذ مئات السنين، بينما في البلاد المسيحية، استمرّ نظام العبيد عندهم إلى أزمنة متأخرة، حتى قام (لنكولن) في أمريكا بتحريرهم نظرياً، ولكنهم لا يزالون يقاسون الأمرّين مِنَ التفرقة العنصرية حتى اليوم.

أمّا عن علة تعدّد زوجات النبي ص، فلابُدّ مِنْ ذِكر أمور توضّح الحقيقة:

أولاً: عندما أعلن النبيُّ ص دعوته، عرض المشركون على النبي ص تزويجه بأجمل نساء قريش وباختياره هو، في مقابل أنْ يكفّ عن دعوتِهِ لهذا الدين، فرفض بشدّة حتى لو مات دونها.

ثانياً: كانت سيرته قبل البعثة مثالاً للعفة والنقاء والطهارة، فلم يلوّث نفسه بما اعتاده شباب الجاهلية، مِنَ الرذيلة أو ارتياد دور البغاء، مع أنه كان ميسوراً للجميع ومنتشراً بشكلٍ كبيرٍ جداً، ولم يستطعْ ألدُّ خصوم النبي ص أنْ ينسبوا إليه شيئاً مِنْ أمثال تلك الأمور أبدا.

ثالثاً: لقد تزوج النبيُّ ص في الخامسة والعشرين مِنْ عمره، وهو في عنفوان شبابه، إمرأةً واحدة وبقي معها فترة شبابه وكهولته، حتى ماتتْ دون أنْ يتزوج غيرها، حيث بلغ عمره 53 سنة، فلو كان يبحث عن الشهوة كما يزعم هؤلاء المستشرقون، لتزوّج أيام شبابه وفتوّته بما يشاء مِنَ النساء، كما كان ذلك سائداً بين الناس حینذاك.

رابعاً: كان زواجه مِنْ باقي نسائه خلال السنوات العشر الأخيرة مِنْ عمره في المدينة، ونلاحظ بأنّ أكثرهنّ كبيراتُ السنِّ ثيّبات قد فقدن أزواجهنّ، ولم يكن لهنّ مِنْ ذويهنّ أحدٌ يؤويهنّ، فتزوجهنّ النبيُّ ص لهذا الجانب الإنساني، وكان يمكنه خطبة الشابات الجميلات الأبكار، ويفتخرنَ بذلك لو تزوّجهنّ، ولكنه لم يفعل ذلك، ولقد زوّج النبيُّ ص الدلفاء، وهي أجمل نساء الأنصار وأبوها رئيس عشيرتها، مِنْ شابٍّ أسودٍ دميمٍ فقير غريب، لا حسب له ولا نسب اسمه (جويبر)، وذلك لإيمانه فقط، ولِكسر الأعراف الجاهلية التي تمتنع عن تزويج أمثاله، كما إنه ص أمرَ بتزويج ابنة عمته (زينب) وهي حرّة ومن أشرف قبائل قريش ومن سادات بني هاشم، زوّجها مِنْ عبدٍ اسمه (زيد) كان النبي ص قد حرّره مِنَ العبودية، فأطاعتْ زينبٌ أمرَ النبيِّ ص وتزوجته، ولو أراد النبيُّ ص أنْ يتزوّجها منذ البداية، لأسرعتْ إلى إجابته وهي مستبشرة ومفتخرة على أقرانها.

خامساً: لو بحثنا عمّا حدث في خلال هذه السنوات العشرة الأخيرة مِنْ حياة النبيِّ ص، لعلمنا أنه لم يكنْ للنبي ص وقتٌ كافٍ للتفرّغ لنسائه:

أ . لقد أقام النبي ص بناء الدولة الإسلامية بما رافقها مِنْ آلاف المشاكل والمصاعب، حيثُ كان يشارك بنفسه في كلّ صغيرة وكبيرة، حتى في بناء المسجد وحفر الخندق وغيرهما.

ب . وقد بلّغ النبي ص خلال الأعوام العشرة، جميع الأحكام الشرعية التي يحتاجها الناس إلى يوم القيامة، حيث ملأتْ تلك الأحاديث اليوم مئات الكتب والمجلدات في كلّ مجالات الحياة.

ج . وقام بتعليم كلّ الآيات القرآنية التي كانت تنزل عليه تباعاً، مع ذكر تفسيرها وأسباب نزولها وخاصها وعامها وناسخها ومنسوخها ووو.

د . لقد خاض النبي ص (83) حرباً، كان يستغرقُ بعضها أشهراً ذهاباً وإياباً، وتجهيزاً وإمداداً، وهذا يعني أنّ ثمانية معارك كانت تحدث في السنة الواحدة.

هـ . كان ص يسهر أكثر ليله في العبادة والصلاة وتلاوة القرآن، رغم عدم استراحته في النهار، حتى نزل قوله تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾.

و . إضافة لإقامته لصلاة الجماعة في كلّ يوم خمس مرات، وارتقائه المنبر للوعظ والإرشاد، وحله للمشاكل والخلافات، وإجابته عن الأسئلة الشرعية، والقضاء بين الناس في الخصومات، وإقامة الحدود ولقاء الوفود وعقد المعاهدات، وإرسال الرسل إلى الملوك والرؤساء، وعيادة المرضى والجرحى، ودفن الشهداء بعد الصلاة عليهم ووو، فهل يبقى له مجالٌ للتفكير بالجنس؟

ز . ثم لو أنصف الإنسان في حكمه، لعلم أنّ إدارة تسعة نسوة في دار واحدة، بكامل العدل والأخلاق والسكينة والوقار، في نفس الوقت الذي يدير فيه دولة بكاملها، يُعَدُّ مُعجزةً مِنْ معاجزه ص، لأننا نلاحظ أمام أعيننا، اضطراب حال مَنْ يتزوّج زوجتين فقط، حتى لو كانتا في منزلين منفصلين.

وأخيراً نقول: لو رجع كاتب هذا الاعتراض إلى كتابه الذي يقدسه، لوجده ينقل عن أنبياء مثل سليمان ع، بأنه تزوّج المئات مِنَ الزوجات، ففي سفر الملوك (11: 3 ): (وكان له – أي لسليمان – سبع مائة زوجة مِنَ الأميرات وثلاثمائة جارية)، فكيف لم يعترض كاتبنا المحترم على ذلك، وجاء ليعترض على نبينا ص الذي تزوّج تسعة نساء فقط، مع ملاحظة سبب هذه الزواجات كما شرحنا، ومع أنّ العُرف في ذلك المجتمع الجاهليّ لا يمنع مِنَ التزوّج بالعشرات.

أما الحديث الذي ذكره أخيراً، فلا ندري من أين جاء به، لأننا لم نعثر عليه في كتب المسلمين، وأكبر الظن أنه من خيالاته.

11 – قال في شبهته الحادية عشر: (في مرّة حرّم الخمر في الدنيا، وفي مرّة أخرى حلّل الخمر في الآخرة).

حرّم الخمر في الدنيا: المائدة: 93 ﴿إنما الخمر والميسر …. رجسٌ من عمل الشيطان﴾.

حلّل الخمر في الآخرة:

أ ـ المطففين: 25 و26 ﴿يُسقون فيها مِنْ رحيقٍ مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾.

ب ـ محمد: 15 ﴿مثل الجنة … وأنهارٌ مِنْ خمرةٍ لذةٍ للشاربين﴾.

الجواب: إنما حرّم الله خمر الدنيا لكثرة أضرارها ومفاسدها، يقول الأطباء: الخمرة تتلف خلايا الدماغ والأعصاب، وتسبّب تليّف الكبد وتُضعِف الجهاز التناسلي وتدمِّر أجهزة الجسم عموماً، لأنها معدودة عندهم مِنَ السموم.

ولو تتبعنا الإحصاءات الدولية، لدُهشنا مِنَ النتائج الخطيرة التي سبّبتها الخمرة، فما أكثر المدمنين الذين يموتون سنوياً بسببها، وما أكثر المجانين في المصحّات العقلية بسببها، وما أكثر المواليد المشوّهين بسبب إدمان الحوامل على الخمر، وما أكثر حوادث المرور من اصطدامات مهلكة بسببها، وما أكثر المجرمين في السجون بسببها، ووو … حيث أنّ شاربها يفقد عقله وشعوره، فتصدر منه أنواع الجرائم والإعتداءات على الآخرين.

يقول الأب (بيلي غراهام) وهو من أشهر رجال الدين في أمريكا في كتابه (العالم يحترق): (المسكرات أصبحت الآن كارثة قومية)، ولهذا حاولت الولايات المتحدة الأمريكية منع بيعه أو شرائه أو استعماله سنة 1934م، فعجزتْ عن ذلك.

أمّا خمر الجنة فبينه وبين خمر الدنيا ما بين السماء والأرض مِنَ الفروق، إذ أنّ خمر الجنة ليس فيها شيءٌ واحدٌ مِنْ أضرار خمر الدنيا ومفاسدها، وقد وصف القرآن الكريم خمر الجنة بعدة أوصاف:

أ ـ ﴿بيضاء لذة للشاربين﴾ الصافات: 46، بينما خمر الدنيا رائحتها تزكم الأنوف، ويصرّح شاربوها بأنّ طعمها مجٌ ومُزعجٌ وحَارقٌ للحنجرة والمعدة، وكثيراً ما يتقيؤها شاربها.

ب ـ ﴿لا فيها غولٌ﴾ الصافات: 47، فليس فيها مادة الكحول التي تغتال العقل وتدمّر أجهزة البدن، والآية تخبرنا بأنّ هذه المادّة الضارّة، غير موجودة في خمر الجنة.

ج ـ ﴿ولا هم عنها ينزفون﴾ الصافات: 47، فلا تسبّب السُكر وفقدان الشعور، الذي تسببه خمر الدنيا.

د ـ ﴿لا يُصدّعون عنها﴾ الواقعة: 19، فلا يحصل لشارب خمر الجنة صداعٌ، كما تحدثه خمر الدنيا.

اذن فالإشتراك في الاسم بين خمر الدنيا والآخرة، لا يعني تساويهما في الصفات، كما لو قال شخصٌ: (اِشترِ السيارة من النوع الفلاني، ولا تشتري السيارة من النوع الكذائي) إذا كانت مواصفات الأولى ممتازة، ومواصفات الثانية رديئة، فهل في هذا الكلام تناقض، لِمُجرّد كون كلٍّ منهما تسمّى (سيارة)؟ وهكذا الحال في كلّ المنتجات التي تشترك في الاسم وتختلف في الصفات، كالطيارات والقطارات ووو، حيث لكلٍّ منها مواصفات تختصُّ بها.

12 – قال في شبهته الثانية عشر: (في مرّة نهى عن إيذاء الكفار وعدم التعرّض لهم، وفي مرّات أخرى أمر بقتل الكفار – غير المسلمين -).

نهى عن إيذاء الكفار:

البقرة: 256 ﴿لا إكراه في الدين﴾، البقرة: 272 ﴿ليس عليك هداهم﴾، الأحزاب: 48 ﴿ودع أذاهم﴾، يونس: 99 ﴿ولو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض جميعاً أفأنتَ تكره الناسَ حتى يكونوا مؤمنين﴾، النحل: 125 ﴿اُدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، الأنعام: 107 ﴿ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا﴾، آل عمران: 20 ﴿وإنْ تولوا فإنما عليك البلاغ﴾.

أمر بقتل الكفار – غير المسلمين -:

الأنفال: 65 ﴿حرِّض المؤمنين على القتال﴾، البقرة: 193 ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾.

الجواب: لقد أجبنا عن ذلك في النقطة السادسة، وكذلك في القسم الأول في جواب شبهة انتشار الإسلام بالسيف، وذكرنا الآيات التي تأمر المسلمين بالقسط والإحسان إلى الذين لا يُقاتلون المسلمين، فراجعها ولا نكرّرها هنا.

أما الآيات التي تأمر بالقتال فإنها أولاً: تأمر بقتال مَنْ يهاجم المسلمين ويعتدي عليهم، وثانياً: هذا الحكم لا يختصّ بالكفار كما ادّعى، بل إنّ هذا الحكم نفسه، ورد في قتال المسلمين، الذين يهاجمون غيرَهم مِنَ المسلمين ظلماً وعدوانا، قال تعالى: ﴿وإنْ طائفتان مِنَ المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإنْ بغتْ إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ الحجرات: 9.

وهنا نشير إلى أنّ كاتب الشبهات لو أراد فهم الحقيقة، لما اختار من سورة البقرة آية: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ مع أنّ آية: ﴿فإنْ قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ البقرة: 191، جاءتْ قبلها، ومعلومٌ بأنها تؤكد ما قلناه مراراً، مِنْ أنّ الإسلام في الصدر الأول، كان يأمر بقتال الذين يقاتلون المسلمين، ولكنّ الكاتب اقتطع الآية مِنْ سياقها، فأوهم القارئ بأنها تدعو إلى قتال الكفار مطلقاً، وهذا خلاف الأمانة العلمية، وخلاف التدبّر الذي عَنْوَنَ به هذه المُغالطات، فأيّ كلامٍ لو بُتِرَ عن سياقه، فقد يؤدّي لغير معناه المقصود منه.

ثم إنّ الآية التي اقتطعها مِنَ السياق وهي: ﴿قاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ كافية في معرفة الحقيقة، لأنّ تتمتها تقول: ﴿فإنْ انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾، فهي تشير إلى أنّ الكفار هم الذين بدأوا القتال، فإذا انتهوا فلا يصح الاعتداء عليهم، ثم نقول: حتى لو اقتصرنا على قوله تعالى: ﴿قاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ فإنها توضح هدف القرآن مِنَ القتال، وهو رفع الفتنة والظلم، فهل يتمنى كاتبنا المحترم بقاء ظلم الظالمين وطغيانهم، وتسلطهم على الشعوب المقهورة؟ لا أظنّ أنّ عاقلاً يوافقه على ذلك، ولو قرأ تاريخ صدر الإسلام، لعلم أنّ الشعوب المسيحيّة قد استقبلتْ المسلمين، وساعدتهم على دخول بلادهم، لتخليصهم مِنْ ظلم الروم، كما حدث في الشام ومصر وغيرهما.

ثم إنّ الإسلام – كما سبق ذكره في الفصل الأول – قد انتشر في بلاد كثيرة مِنْ غير إرسال جيوشٍ إليها كأندونيسيا، وهي أكبر بلدٍ إسلاميٍّ اليوم مِنْ حيث عدد النفوس، وقلنا أيضاً بأنّ الكفار الذين غزوا بلاد المسلمين قد اعتنقوا الإسلام.