الدرس السادس: الإصلاح بين المؤمنين

 

مفاهيم محورية:

– من هم المأمورون بالإصلاح؟

– المبادئ الاجتماعية المستفادة من الآية:

– إصلاح ذات البين.

– الانتصار للمظلوم.

– وجوب التصدّي للعدوان.

– قتال أهل البغي وحالات الفئة الباغية.

– الدروس المستفادة من الآية.

النص القرآني

قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

 

تمهيد

إنّ صلاح العمل من الأمور العظيمة والمهمّة التي ذكرها القرآن الكريم “فالصلاح المطلق في الإنسان: هو القدم الأوّل والمرحلة الأولى في سيره إلى الكمال، وما لم يتحصّل هذا القدم: لا يتيسّر له السلوك والخروج عن عالم الحيوانيّة، بل جريان أمره يكون في اختلال وفساد. نعم قد ذُكر في كلام الله تعالى: أنّ اللقاء وهو آخر مراحل الكمال والسعادة، يتوقّف على حصول أمرين، الصلاح والإخلاص. فقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. والإخلاص هو حقيقة التوحيد الحقّ. وأمّا التقييد بصلاح العمل: فانّ الصلاح في العمل هو آخر درجة منه، وهو لا يتحقّق إلَّا بعد صلاح الباطن…”[1].

 

ومن هنا يكتسب الإصلاح بين الناس الأهمية القصوى كما سنبيّن.

شرح مفردات الآية

طَائِفَتَانِ: الطائفة عبارة عن جماعة لهم ارتباط وسابقة وحركة وتردّد إلى الجانب الَّذى هو المنظور[2].

 

فَأَصْلِحُوا: الصَّلَاحُ: ضدّ الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسّيّئة[3]. الإصلاح ينتفي بتحقّق الإفساد[4].

 

بَغَتْ: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية، يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. والبَغْيُ على ضربين: أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوّع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحقّ إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبه….[5].

 

تَفِيءَ: هو التّحنّي بعد التجبّر. ومن لوازمه: العود، والرجوع، والتقلُّب، والتحوّل. ومن مصاديقه: حصول الظلّ بعد حرارة الشمس. وتحنّي الزوجة وانعطافها بعد قهرها. قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ يراد الانعطاف والتحنّي والخضوع بعد الإيلاء والبغي، وليس بمعنى الرجوع، فإنّ مطلق الرجوع من دون خضوع وتحنٍّ وانكسار، لا فائدة فيه. وهذا لطف التعبير بالمادّة[6].

بِالْعَدْلِ: عدل: هو توسّط بين الإفراط والتفريط بحيث لا تكون فيه زيادة ولا نقيصة، وهو الاعتدال والتقسّط الحقيقيّ. وبمناسبة هذا الأصل تطلق على الاقتصاد والمساواة والقسط والاستواء والاستقامة، كلّ منها في مورد مناسب مع لحاظ القيد[7].

 

وَأَقْسِطُوا: هو إيصال شيء إلى مورده وإيفاء الحقّ إلى محلَّه. وهذا المعنى إنّما يتحقّق في مقام إجراء العدل وإعماله في الخارج. ومن مصاديقه: إيصال النفقة وتفريقها على العيال. ويظهر من ذكر الإقساط بعد العدل: أنّ الإقساط يغاير العدل ويتحقّق بعده، فإنّه تطبيق العدل في الخارج وإجراؤه[8].

 

المعنى الإجمالي

إنّ الآية الكريمة هي علاج للآثار الخطيرة التي قد يُحدثها خبر الفاسق في المجتمع، فلو حصل بسبب إخباره اقتتال بين المؤمنين، فإنّ الواجب على الآخرين من المجتمع الإيماني الإصلاح بينهم، فالآية تكملة لإبراز أخطر ما يمكن أن يوقعه الفاسق في المجتمع الإيماني، فإنّ نفس التفكير بالوصول إلى هذه النتيجة يُشدّد على المؤمنين كيفية تعاطيهم مع الأنباء.

 

فالآية متّصلة مع ما سبق من آية النبأ بهذا البيان: أنّ الله لمّا حذّر المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق، أشار إلى ما يلزم منه استدراكاً لما يفوت، فقال فإن اتفق أنّكم تبنون على قول من يوقع بينكم، وآل الأمر إلى اقتتال طائفتين من المؤمنين، فأزيلوا ما أثبته ذلك الفاسق وأصلحوا بينهما.

 

ولذلك الآية من الناحية اللغوية بدأت بحرف العطف “واو العاطفة” وهي تدلّ على عطف الجملة الشرطية في هذه الآية على الجملة الشرطية في آية النبأ، ولأنّ العلاقة العاطفة بالواو هو بين جملتين، فلا يوجد بينهما كمال الاتصال ولا يوجد بينهما كمال الانقطاع ومن هنا تظهر لطافة العطف.

قوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يدلّ على أنّهما إذا اقتتلا بقيا على الإيمان، ويطلق عليهما هذا الاسم، بل لا يمتنع أن يفسق أحد الطائفتين أو يفسقا جميعاً، وجرى ذلك مجرى أن تقول: وإن طائفة من المؤمنين ارتدّت عن الإسلام فاقتلوها.

 

ثم قال: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ أي فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى بأن تطلب ما لا يجوز لها وتقابل الأخرى ظالمة لها متعدية عليها: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ لأنّها هي الظالمة المتعدّية دون الأخرى ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي حتى ترجع إلى أمر الله وتترك قتال الطائفة المؤمنة. ثم قال “فإن فاءت” أي رجعت وتابت وأقلعت وأنابت إلى طاعة الله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ يعني بينها وبين الطائفة التى كانت على الإيمان ولم تخرج عنه بالقول، فلا تميلوا على واحدة منهما ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي اعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ يعني العادلين، يقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار[9].

 

[1]  التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي، ج6، ص 266.(بتصرف).

[2]  التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي، ج7، ص 144.

[3] مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، صلح، ص 490.

[4] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي، ج6، ص 266.(بتصرف).

[5] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي، ج1، ص 309.

[6] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي، ج 9، ص 166.

[7] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج5، ص 55.

[8] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 9، ص 259.

[9] راجع: مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، ج9، ص 222. (بتصرف).