التثبُّت والتبيُّن من الأخبار وعلاقته بالتربية الأخلاقية للمجتمع الإسلامي:

إنّ هذا المقطع يُمثّل جزءاً لا يتجزّء من آداب وأخلاقيات المجتمع المؤمن بالله ورسوله، والذي لا تستقرّ أركانه إلا بتمام أضلاع هذه السورة المباركة، ففي هكذا مجتمع لا مكان للمرجفين والمشكّكين الذين يفترون الكذب والإشاعات المغرضة الهادفة إلى إضعاف وتفكيك بنية المجتمع الإيماني. إنّه مجتمع قائم على أسس ومبادىء تضمن أمنه وسلامته تُحصّنه من أي ريح عاتية تعصف به. وإنّ أيّ تفريط بهذه المبادىء سيُعرّض أمن وسلامة المجتمع لخطر الفتنة ويؤجّج الصراعات بين أبنائه ويُفقده أحد أهمّ أسوار الأمان. وإنّ تجاهل وجود القيادة الحكيمة والعادلة في المجتمع سيؤدّي بهذا المجتمع إلى الفوضى والفساد العقائدي والأخلاقي، وإنّ أمِنَ بعض أفراده من ذلك فإنّ الخلاص الفردي لا يؤدّي إلى الأمان المجتمعي، ولذا ينبغي تربية المجتمع على هذه الأخلاق التي تُمثّل جزءاً رئيساً من أجزاء التربية الأخلاقية للمجتمع الإسلامي.

 

إنّ هذه التربية تعني أن لا ننساق وراء كلّ دعاية وإشاعة وتقوّل، فكم من كلام رُتّبت عليه آثار ومواقف وتصرّفات، وعند البحث عن مصدره ومعرفة مدى صحته، يتبيّن أنه كلام مختلق وكذب لا أصل له. فإنّ من ينساق وراء الكذب من دون تبيُّن سيكون مورد للوم من قِبَل الله ورسوله ومجتمعه الإيماني، وإنّ من يبني على الأخبار الصادقة سيكون مورد مدح من الله ورسوله ومجتمعه وسيضمن سلامة وأمن هذا المجتمع الذي هو أمانة في أعناق كل أفراده وهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة.

للمطالعة

خطورة الأخبار الكاذبة والشائعات

إنّ كثيراً من الأحداث المؤلمة والصراعات المدّمرة التي تقع في عالمنا المعاصر وقد وقعت في التاريخ الإسلامي من قتل وسفك دماء ونهب وتدمير، إنّما هي بسبب الإشاعات والأكاذيب التي يروّجها المنافقون والمندسّون في المجتمع الإيماني، بُغية تفكيكه وهدم عُراه وتقويض أركانه, فما أحوجنا لأخلاقيات هذه السورة المباركة وأن نكون على حذر دائم من أخبار هؤلاء المنافقين، خصوصاً أنّنا في مجتمع اختلطت فيه الموازين، ويصعب فيه التمييز بين الحق والباطل، فقد ننخدع ببريق بعض الشخصيات ونأخذ بكلامه ونبني عليه تصرّفات ومواقف معيّنة ثم يتبيّن لنا الخلل الكبير الذي وقعنا فيه بسبب هذا الإنسان أو المحطة الفلانية لأنه كان ظاهره وديعاً كالحمل، ولكن حقيقته كالثعلب في روغانه، والعقرب في لدغاتها. فالمطلوب التثبُّت ثم التثبُّت ثم التثبُّت… فالإشاعة التي يُعرّفها بعضهم بأنّها: “الأحاديث والأقوال والأخبار التي يَتناقلُها الناس، والقَصص التي يَروونها، دون التثبُّت مِن صحَّتها، أو التحقُّق مِن صِدقِها”، ويكون منشأ هذه الإشاعة – غالبًا -: خبرًا مِن شخص، أو خبرًا مِن جريدة، أو مِن مَجلَّة، أو خبرًا من إذاعة، أو خبرًا من تلفاز، أو خبرًا من رسالة خطِّية، أو خبرًا مِن شَريط مُسجَّل”. إنّ لهذه الإشاعة آثاراً متعددة فهي تؤثّر على سَعادة الفرد وأمنِه النفسي، تؤثِّر على الأسرة: فكم من أسرٍ تفكَّكتْ مِن جرَّاء هذه الإشاعات، وكم مِن بيوت هُدِّمت، وكم من أموال ضُيِّعت، وأطفال شُرِّدت, كل ذلك مِن أجل إشاعة من مُنافقٍ أو كذَّاب، وتؤثّر على العلاقات والوشائج بين أفراد المجتمع الواحد، وإنّ الله تعالى ومن خلال هذه السورة المباركة وضع أسسًا ومعاييرَ لإقامة المجتمع، ومِن هذه الأُسس والمعايير أن تَسُود روح الحبِّ والأُخوَّة والسلام بين أفراد المجتمَع, فـ “المسلم أخو المسلم, لا يظلمه، ولا يَخذله، ولا يُسلمه”،

و”المؤمن للمؤمن كالبُنيان, يشدُّ بعضه بعضًا”، هذه هي الروح التي أراد الله تعالى أن يبثَّها في هذه السورة ويحثّ على اتباعه، أمّا أن تنشأ العلاقات على الفُرقة والتنازُع والاختِلاف والإفساد بين الناس، فهذا ما حاربه الإسلام، والإشاعة سبب رئيس لبثِّ هذه الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الإسلام. وقد حدّد الله تعالى في القرآن الكريم منظومة ردعية متكاملة لمحاربة الشائعات تبدأ بالتربية النفسية للأفراد، إلى العلاجات الوقائية والردعية في مواجهة هذه الأخبار، ومنها ما حدّده في هذا المقطع من السورة.

المحور المصري –تلكرام
HTTPS://T.ME/MEHWAR_MASR

[email protected]

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here