المحور المصري :

سعى الكيان الإسرائيلي منذ اغتصابه الأرض الفلسطينية تقديم صورة نمطية عن حكمه، تتعلق بالمؤسسية الحاكمة والرقابة التي وفرت شكلاً كاذباً من أشكال نقاء الحكم مما انعكس على التصور الذهني للعرب عن الكيان.

اليوم، ظهرت في قضية فساد نتنياهو اختلافات جوهرية في تعامل الاحتلال وسلوكه في الملفات المماثلة السابقة كملف رئيس وزراء الاحتلال ايهود أولمرت المتعلقة بالرشوة، أو رئيس الكيان كتساف المتعلقة بالاغتصاب، سواء من حيث التعقيدات التي تتداخل فيها قضية نتنياهو من حيث الاتهامات التي تحولت إلى منظومة مترابطة من أشكال الفساد،  طالت زوجته، والأسرة، وعددا من مستشاريه، وشركات ورجال أعمال، ومؤسسات إعلام، ومنظومة سياسية تخشى على نفسها في حال سقوط نتنياهو، وائتلاف حكومي يرتبط بنتياهو وجوديا.

الواقع الفاسد أدى إلى تشوه في حركة المجتمع الصهيوني والانقسام الحاد حول أهمية استقالة نتنياهو الذي ظهر منه استغلال النفوذ وتعيينات في سلك الكيان والقضاء تهدف لحمايته.

هذا التشوه لم يظهر في المجتمع وحده؛ بل طال المؤسسة السياسية والأحزاب، إذ ظهر جليا، بعد قيام  الشرطة الأسبوع الماضي بتوجيه اتهام واضح لنتنياهو بالرشوة وخيانة الأمانة العامة والاحتيال في (الملف 1000) المتعلق بتقديم رشوة بشأن حصول الأخير على هدايا من رجال أعمال تقارب مليون شيكل، و(الملف 2000) الذي يشتبه نتنياهو فيه بتقديم عرضا لناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أرنون موزيس، بعرقلة توزيع صحيفة “يسرائيل هيوم” مقابل الحصول على تغطية إيجابية في صحيفة يديعوت واسعة الانتشار، عدا ملفات فساد منزلية تتعلق بزوجته، وأخيرا ملف (4000) وشهادة القاضية غرستل التي أكدت في إفادتها تلقي عرض من المستشار الإعلامي إيلي كمير، تضمن تعيينها في منصب المستشارة القضائية للحكومة إذا التزمت بإغلاق الملف ضد زوجة رئيس الحكومة سارة.

صحيفة هآرتس أشارت إلى النحس المتسارع الذي أصاب نتنياهو، والذي باتت معه؛ تفتح عليه ملفات لم يكن مستعدا لها بعد اطمئنان الإفلات من العقاب، نذكر منها مواضع أزلت هيبة الكيان وحكومته.

أولا: على الرغم من الشبهات القوية التي طالت نتنياهو إلا أن الأخير ظل في ذهن الجمهور الصهيوني الملك الذي لا يمكن للسياسة الإسرائيلية الاستغناء عنه.

ثانيا: ضعف الثقة في المؤسسة وقناعة الجمهور الصهيوني أن الشرطة فاسدة، وأن الشرقي روني الشيخ قائد الشرطة تحركه أجندات في اتهام نتنياهو.

ثالثا: ضخامة الفساد في المؤسسة (الشرطة، الجيش، الانحلال الأخلاقي، وعبث رأس المال، وضوح الفساد في المجالس المحلية) خلق مجتمع يقبل السياسي الفاسد.

رابعا: إفلاس المؤسسة الصهيونية من الرموز، إذ تشير الساحة الصهيونية إلى خفوت نجم العسكر، وعقم الحالة السياسية من تقديم بديل نتنياهو، الأمر الذي وضع المجتمع الصهيوني أمام التخوف من القادم، وصعوبة الثقة بالصبية كما قال يعلون عن وزراء الكبينت في حرب غزة.

خامساً: الانقسام بين فئات المجتمع الصهيوني إذ يرى الغربي والتيار اليميني أن بدائل الحكم صعبة في ظل غياب نتنياهو.

هذه المناقشة تعبر عن المجتمع، والمؤسسة، والدولة، لكن في المقابل تدحرج الملفات بات يثقل على الساحة السياسية في الكيان، برغم تصريحات ليبرمان، نفتالي بنت، الأحزاب الدينية التمسك بنتنياهو الائتلاف الحاكم.

وعليه يرى مركز القدس “أن التطور الأخير في الملف القضائي لنتنياهو، عقد موقفه، وزاد من فرص إنهاء مواصلته الحكم لدورة قادمة”.

لكن بحسب المركز، “إن المهم في قراءة المشهد الصهيوني، هو علنية الفساد وقبوله في المؤسسة الصهيونية واتساعه، وقبول المجتمع له، وتعاطيه مع أشكاله، وقبول حكمه، مما يشكل تطورا مهما على صعيد ضعف الاحتلال وتراجع مكانته”.

وأشار المركز “هذا يُعد التطور الأهم خلال السنوات العشر الماضية، مضافا إلى ضعف الرمزية التي قادت الاحتلال، الأمر الذي من شأنه الانعكاس على قدرة الكيان اتخاذ خطوات مصيرية، تتعلق بالحروب الكبيرة، أو الاتفاقات الواسعة”.

يمكن القول الآن أن الكيان الإسرائيلي حطم الصورة التي سعى لرسمها في عقول مستوطنيه، لا بل العالم أجمع، فالفساد يأكل أركانه وثورة تغيير النظام التي حرّض عليها في شتى البلاد، ستطاله شاء أم أبى.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here