المحور المصري:

شُرّع الحج لما فيه من الأجر العظيم والمنافع الكثيرة، فالحج مؤتمر إسلامي كبير يلتقي فيه المسلمون، ويشعرون بحاجتهم للوحدة، والاتحاد حين يلبسون لباساً واحداً، يقفون على صعيد واحد، ويتوجهون لرب واحد, لا فرق بين غني وفقير، ولا أسود وأبيض إلا بالتقوى، فكلهم سواسية، جاؤوا لتحقيق الوحدة والأخوة الإسلامية, والتعاون في الخير، وتكبدوا مشاق السفر لمحو الذنوب كما قال رسول الله صلى الله عليه و على اله و سلم: “مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”.

طرح السؤال التالي لماذا يقصد الحجاج بيت الله الحرام؟: استجابة لدعاء خليل الله إبراهيم عليه السلام بعد تركه لأم إسماعيل في وادي لا زرع فيه ولا ضرع، ثم قال : (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) إبراهيم :37. ولأن الله سبحانه أمر إبراهيم عليه السلام أن يعلن في الناس التوجه لزيارة المسجد الحرام لأداء شعائر الحج والعمرة؛ لما في ذلك من تعظيم لشعائر الله تعالى: (وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـتٍ)الحج 27,28 ، وأيضا لأخذ الدروس والمواعظ، وتذكر التاريخ العظيم لمن بنى البيت ورفع قواعده. ففي هذه الرحلة الإيمانية يزداد المسلم قربا من خالقه ، ويتعلم دروساً تربوية عديدة وترتفع درجة إيمانه، وتحل مشكلاته النفسية أو المعنوية والمادية أيضا. من هنا انطلق مفهوم الحج الابراهيمي الذي عدّ الحج الذي شرعه الله تعالى و امر بأن يؤذن به ابراهيم الخليل عليه السلام و أذّن في الناس بالحج.هو كما يراه الامام الخميني رحمة الله عليه اقتراب الانسان من صاحب البيت والاتصال به، و ليس مجرد حركات وأعمال و ألفاظ، ولا مجرد النظر إلى بعض الأحجار ومشاهدة البيت.

“إنّ فلسفة الحج هي رؤية صاحب البيت، ولابُدّ من أن توجّه الحركات والأعمال التي تؤدى هناك في هذا السبيل”. هكذا قال الامام الخميني قدس سره و يضيف ” إنّ مناسك الحج هي مناسك الحياة، وعلى الأُمّة الإسلاميّة بمختلف قومياتها أن تصبح إبراهيمية لتلتحق بركب أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وتكون يدا واحدة”. زيادة على ذلك فانّ الحجّ هو تمرين و بلورة للحياة التوحيدية. هو يمثل مركز المعارف الالهية الذي ينبغي ان يؤخذ منه محتوى السياسة الاسلامية. لهذا يمكن ان تستخرج سياسة الاسلام بجميع أبعادها من الحجّ. و اعتبر الامام الخميني ان فريضة الحج هي من جملة الفرائض النادرة التي أدرجت فيها ابعاد متعددة و متنوعة ترتبط بالحياة الفردية و السلوك الجمعي بشكل عظيم و ذات تأثير عميق في الجسم و النفس و التفكير.انّ أهمّ ابعاد و مظاهر احياء الفكر الاسلامي الصحيح في العالم الاسلامي هو احياء الحجّ الابراهيمي و المحمديّ الاصيل و بالتالي توضيح و بيان فلسفة الحجّ و اثاره و تطهير و ازالة الاراء و الافكار الخرافية عن هذه العبادة و الفريضة العظيمة .

احدى اهمّ وظائف المسلمين العظيمة هي معرفة ماهية الحجّ و أهميته و لماذا علينا دائما ان نستهلك جانب من قدراتنا المادية و المعنوية لأداء هذه الفريضة. انّ احدى الافات التي كانت تهدد المجتمعات الاسلامية على مرّ التاريخ هي تلك المفاهيم و التفاسير المخالفة لحقيقة الحجّ و الترويج لها بين الناس فهناك بعض الجهلة يعرفون الحجّ و يحصرونه بأمور ترفيهية و سياحية و هذا مردّه جهل عظيم بحقيقة هذه الفريضة العظيمة و اهدافها العقائدية و العبادية.

اضافة الى البعض الاخر من المنافقين الذن يسعون دوما لتغيير فلسفة الحجّ خدمة لمصالحهم الاقتصادية والحزبية والسياسية. و لانّ الحجّ الواقعي الحقيقي سيكون سببا لخسارة هؤلاء لمنافعهم و مطامحهم و عدم تحقيقها بالشكل المطلوب لذا يحاولون دوما تفسير و تحليل هذه الفريضة حسب اهوائهم و رغباتهم.حاول العديد من العلماء و فقهاء الامة الاسلامية ابراز مفهوم الحجّ الحقيقي و منهم الامام الخميني رحمة الله عليه الذي حذّر في زمن سابق من مخاطر هذه التفاسير الخاطئة للحجّ. فأكّد على ان الحجّ هو تنظيم و اختيار و تشكيل هذه الحياة الموحّدة , هو ايضا مسرح لعرض و موازنة الامكانات و القدرات المادية و المعنوية للمسلمين هو مثل القران الكريم اذ يستفيد منه كل مسلم.

للحجّ الابراهيمي و المحمدي الاصيل العديد من الابعاد. أهمها البعد المعنوي الذي يعد من النقاط المهمة التي على الحجاج الكرام الالتفات اليها. فأولها هو زيارة مكة المكرمة والمشاهد المشرفة هذا المكان الذي نزل فيه الانبياء و جبريل الامين, هذا المكان الذي يذكرنا بالمصاعب ا لتي واجهها النبي الاكرم محمد ص في سبيل الاسلام و البشرية لعدد من السنين. و اذا ما تمعنا اكثر في قيمة هذه الاثار لادركنا اكثر انجازات هذه النهضة الانسانية و هذه الرسالة الالاهية و كم عانى الرسول محمد ص من الغربة لاجل دين الحق. في هذا البعد المعنوي تصبح الكعبة المشرفة مركز التوليّ و التبرّي أي انها المركز الاوحد لتحطيم الاصنام و لقد رفع نداء التوحيد من الكعبة ابراهيم الخليل سلام الله عليه في اول الزمان ليستمر نبي الله محمد ص في رفعه بعد ذلك و سيبقى مرتفعا. فيقول الله عزّ و علا لخليله ابراهيم ع ” و أذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق”. و يقول تعالى “و طهّر بيتي للطائفين و القائمين و الركّع السجود” و هذا تطهير من كل الارجاس و على راسها الشرك بالله. و في هذا البعد المعنوي ايضا يصبح المسجد الحرام بيت الجميع فهو اول بيت بني للناس و هم سواسية شيدّ لهم و لاجل نهضتهم و منافعهم. و هذا المسجد الحرام هو ليس فقط للعبادة فقد اثبت التاريخ الاسلامي في عهد النبي الاكرم ص ان المسجد الحرام هو ايضا مركز سياسي و عسكري و اجتماعي يعالج امور الناس و الرعية و يلبي حاجات الاسلام.

لابد من الاشارة هنا ايضا الى ان الحجّ الحقيقي هو الذي تنطبق فيه احكام و قوانين الحج العبادية بشكل صحيح و حسن و دون تحريف, و عليه لن يتحقق البعد السياسي و الاجتماعي للحجّ الا بعد تحقق البعد المعنوي و الالهي و ان تكون كلمة “لبيك” هي الاستجابة لدعوة الحق تعالى. هناك بعد معنوي اخر لا يقل اهمية عما ذكر و هو سرّ التلبية فهي من الاشارات العرفانية بدءا من الاحترام و التلبية و حتى اخر المناسك فكلمة لبيك التي تتكرر عدة مرات من الانسان الملبي تفيد استجابته لدعوة الله تعالى بالاسم الجامع فيتجاوز الملبي ذاته ليصل الى عمق النداء.

لابد للملبي ايضا ان يتحرر من ذاته و هواه فيبتعد عن متاع الدنيا و لا يرتبط بغير الله جتى تكون الاعمال و المناسك في سيرها الى الله مليئة بمضمون الحج الابراهيمي . يعتبر الحجّ ايضا سؤال لله و تقرب له و طلب لعفوه و مغفرته و عطائه و رحمة منه في الدنيا قبل الاخرة. لذا يستوجب الاخلاص في الحجّ اعتمادا على سرّ من اسرار المناسك و هي الطواف بالبيت العتيق و الرحمة بين الحجاج فتكون ايديهم ممدودة للسلام راجمة لشباطين النفس حتى يصبح الحجّ صحيحا كاملا. و يتوجه الملبيّ برفقة القران المؤنس في كل مراحل الحجّ و اعماله.

اما البعد الاجتماعي للحجّ فيقول الامام الخميني ” ان احدى الفلسفات الاجتماعية لهذا التجمع العظيم توثيق عرى الوحدة بين اتباع بني الاسلام”. فالحجّ هو مركز التعارف و التقارب بين الشعوب و الوحدة بينها في لحظات العبادة, كالاتحاد في رجم الشياطين و الوقوف في عرفات. لذلك يصرّ الامام الخميني في وصيته للحجاج على القول بالوحدة التي يراها هي الحلّ الامثل لكل المشكلات و على ضرورة تشكيل جبهة للمستضعفين و على ضرورة الاحتراز من التفرقة و المشاركة في صلاة الجماعة.

اما البعد السياسي للحجّ فهو يعني انّ الحجّ الحقيقي هو فرصة للوعي السياسي فهو الاجتماع الاكبر لذا و ان اجتمع كل المسلمين من كل مكان في هذا الموقع العظيم اجتمعت كلمتهم و عرفوا عدوهم المشترك و هنا يبرز دور العلماء و المفكرين الذين عليهم توعية الناس. و الاهم هو صرخة البراءة التي تعتبر من الاركان التوحيدية و الواجبات السياسية للحج. هذا الحجّ الاكبر الذي يعتبر اكبر مدرسة للتضحية تطبق فيه الشعائر الحقيقية و تطلق فيه صرخات العقيدة و التوحيد هكذا فرضه الله تعالى على انبيائه و هكذا يجب ان يكون و ان يبقى.

المصدر: iuvmpress

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here