المحور المصري:

أثار خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ألقاه في ولاية أوهايو الأمريكية والذي أعلن فيه الانسحاب من سوريا في وقت قريب تاركاً الأطراف الأخرى تهتم بالأمر ـ في حين كانت وزارة الحرب الأمريكية تلقي الضوء على الحاجة لبقاء القوات الأمريكية في سوريا على المدى القريب ـ جدلًا كبيراً حيث شكل مفاجأة لفريقه السياسي قبل أي طرف آخر.

هذا القرار يعكس نقاشاً وسجالاً أمريكياً داخلياً حول خيارات وسياسات واشنطن في سوريا في المرحلة المقبلة، وفق ما يؤكد الدكتور حسام مطر الباحث في العلاقات الدولية في حديث خاص لموقع “العهد” الإخباري، مشيراً إلى أن “هناك اتجاهين بشكل أساسي في الإدارة الأمريكية في ما يخص مرحلة ما بعد داعش”.

الاتجاه الأول وفق مطر يدعو إلى البقاء في سوريا واستخدامها كساحة للمواجهة مع روسيا من ناحية وإيران من ناحية أخرى، وذلك من خلال شراكتها مع الأكراد من ناحية، وعودة تمتين العلاقة مع الأتراك والتوصل الى صيغة تفاهم معهم، في ظل الضغط على الدولة السورية ومنعها من استعادة كامل أراضيها وعدم حصول حل سياسي وإبقاء الحصار الاقتصادي عليها ومنع حصول عمليات إعادة إعمار، وبالتالي تكون سوريا ساحة ترسل من خلالها واشنطن رسائل وإشارات سياسية لإبقاء التوازن الدولي على حاله.

أما الاتجاه الثاني فيعتبر بحسب الدكتور حسام مطر أن سوريا لا تحتمل ان تكون ساحة مواجهة وأن افضل ما يمكن تحقيقه قد حققناه فلنترك هذه الساحة لغيرنا خاصة أنه لم يعد هناك مبرر قانوني داخل الولايات المتحدة لبقاء الجيش الامريكي في سوريا مع ضرورة القيام بترتيبات مع الاتراك والروس تضمن أن الانسحاب الامريكي لن يترك فراغاً في المناطق التي يتركها وأن هذه الترتيبات هي الضمان للمصالح والخطوط الحمر الأمريكية، وبناءً عليه يغادر الأمريكيون سوريا تحت عنوان أنهم انتصروا في محاربة تنظيم داعش بدون تحمل كلفة مادية وبشرية أكبر، ويكون ذلك تمهيدا للمواجهة المقبلة مع إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، موضحاً أن “الولايات المتحدة تكون بذلك أكثر قدرة على المناورة ضد إيران عندما تسحب جنودها من الميدان لكي لا يكونوا تحت الاستهداف الإيراني”، ويضيف أن “ترامب يميل الى وجهة النظر هذه التي تقول علينا الانسحاب من سوريا من خلال ترتيبات تضمن حفظ مصالح الحد الادنى للامريكيين وإبقاء الدولة السورية “كرة أزمة” اقتصادية وأمنية وعسكرية في الحضن الروسي بكل أزماته”.

ويرى “مطر” أن الانسحاب الأمريكي في حال تم سيعيد إحياء التنافس والتصعيد في المناطق التي كان يتواجد فيها، ويقول إن “هذا التنافس سيعطي إشارة سيئة جداً لحلفاء أمريكا سواء في سوريا أو خارجها عن ضحالة الالتزام الامريكي وضعف الإرادة والرغبة الأمريكية في السياسة التدخلية في المنطقة وسيدفع اللاعبين جميعاً إلى مزيد من التواصل مع الروسي باعتباره اللاعب الدولي الأقوى في سوريا وايضاً سيحسن من وضعية الدولة السورية وحلفائها ويجعلهم  في وضعية تفاوضية أفضل”.

خطاب ترامب يؤكد أن أميركا لم تعد تنظر إلى إمكانية إسقاط النظام في سوريا، وهنا يوضح مطر  أن الامريكيين اقتنعوا بما حققوه في سوريا ولم يعد بالامكان الذهاب نحو إسقاط النظام او تقسيم سوريا وهذا تسليم بالتوازنات الأقليمية الحالية التي تضع روسيا في موقع متقدم، مشيراً إلى أن الدولة السورية في وضعية العودة الى الامساك بسيادتها واستقلالها.

مطر يلفت ايضاً إلى أن “اتخاذ هكذا قرار سيؤثر في مكانة الولايات المتحدة في المنطقة وسيكون استمرارا لمنحى التراجع الأمريكي داخل المنطقة وخلق تصور عند الأنظمة العربية أن التحالف مع واشنطن وحده هو مغامرة وعلى الدول أن تنوع خياراتها وأن تنفتح على قوى جديدة داخل الإقيلم وخارجه وأن الولايات المتحدة لن تقاتل عن أحد وهي تتعامل بالقطعة وحسب مصالحها مع السياسية الاقليمية في الشرق الأوسط”.

ويعتبر الباحث في العلاقات الدولية أنه ليس هناك انسحاب امريكي من سوريا بل إعادة انتشار لقواتهم في المرحلة القادمة والحفاظ على حد ادنى من القوات الأمريكية وسحب الجزء الآخر وترك بعض القواعد العسكرية لضمان دور سياسي لحلفاء واشنطن ومحاولة التوصل إلى تسوية مع الاتراك.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الانسحاب يُضعف الموقف الاسرائيلي ويشكل ضرراً في مصالحه ويجعله بحاجة أكبر الى التفاهم مع موسكو، فالتواجد الأمريكي بحسب الدكتور حسام مطر هو لمصلحة “إسرائيل” في سوريا سواء لناحية سياسية أو لناحية ميدانية وتكتيكية لأن الإسرائيليين يعتقدون أن أي مواجهة مُقبلة ستكون مواجهة اقليمية ولن يكون اللاعب الاسرائيلي وحده قادرا على الانخراط  فيها وهو يريد شراكة أمريكية مباشرة.

بالإضافة إلى الخسارة الاسرائيلية من الانسحاب يوجد خاسر أكبر وهو قوات سوريا الديموقراطية، التي في حال لم تقم قبل الانسحاب الاميركي بفتح خطوط جدية مع الدولة السورية عندها ستكون لقمة سائغة بالنسبة للأتراك وخاصة اذا حصل هذا الأمر دون أن يسبقه تفاهمات وضمانات خاصة أن اللاعب الكردي  يسير تحت المظلة الأمريكية واذا رُفعت هذه المظلة سينكشف سواء للدولة السورية التي تريد استعادة كل سوريا أو بالنسبة للاتراك الذي يرون فيه طرفا إرهابيا يجب القضاء عليه، لذلك يقول مطر إن على الأكراد مراجعة شاملة لإستراتيجيتهم السياسية وعلاقاتهم الأقليمية وأن يفتحوا خطوطا مع القوى الموجودة داخل سوريا لأنهم سيكونون أول من سيدفع الثمن عند كل انعطافة في السياسة الامريكية، وفق ما يؤكد الدكتور حسام مطر.

المصدر: العهد

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here