بقلم/محمود عبد الشكور

تدهشنى رحلة محمد الفخرانى الجديدة فى روايته «مزاج حر» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، مثلما أدهشتنى روايته السابقة عليها «ألف جناح للعالم»، إذ بينما تتواتر روايات الديستوبيا العربية، التى ترسم بالخيال مستقبلا كارثيا لمدن يسودها الشر، ويجتاحها البؤس، وتحكمها الجريمة، يواصل الفخرانى رسم ملامح تجربة خاصة، تثق فى الإنسان، وتعيد اكتشافه، وتربط هذا الاكتشاف بمعرفة الكون، والاندماج فيه.
رحلة متفائلة بالقطع، ولكنه ليس التفاؤل الساذج البسيط، وإنما هو محصلة جهاد شاق وصولا لمعراج روحى، زاده الخيال، ومادته الدهشة والشغف والحلم، وأساسه فكرة وحدة الوجود، التحقق يكون من خلال هذه الوحدة، وكأنها تجربة صوفية كونية، تجمع بين لعبة الفن، وعمق التأمل والسؤال.
وبينما كانت الرحلة العلمية منطلقا لإعادة اكتشاف معنى الحياة كلها فى «ألف جناح للعالم»، فإن مغامرة بطل «مزاج حر» أكثر انطلاقا وحرية، الفخرانى الروائى هو شخصيا البطل، لم يرد أن ينوب عنه أبطال من الخيال، قرر أن يتحول إلى كاتب متجول، تظن فى البداية أنها مجرد رحلة تقليدية لاكتشاف المكان والبشر، بفضول رجل تجاوز الأربعين، ولكنه لم يرتو من المعرفة، ثم تكتشف أن الرحلة زمانية ومكانية، تأملية وخيالية، داخلية وخارجية، أو بمعنى أدق: هى رحلة طيران فعلى (عباس بن فرناس يطير بنجاح ويتكرر ظهوره محلقا فى الرواية)، بقدر ما هى معراج روحى (سيصل القائم بالرحلة فى النهاية إلى اكتشاف الأنبياء).
يكتسب معنى الطيران فى الرواية البديعة معناه المزدوج المباشر والمجازى، وتتكرر عبارة «طر يا ابن فرناس» كتحية للإنسان عموما الذى حاول أن يطير فعليا، وكتحريض للإنسان أيضا بأن يطير بعيدا عن جسده، أن يكتشف روحه من خلال روح العالم، ومن خلال كل الكائنات الأخرى.
هكذا تشيد الرواية بناء مدهشا، تذوب فيه الفوارق بين الأزمنة والأمكنة، وبين السماء والأرض، وبين الأشجار والبشر، وبين الشخصيات الروائية الخيالية، والشخصيات التاريخية الواقعية، يصبح الكون وما فيه عملا إبداعيا مثل الحكاية، وقطعة الموسيقى، ولوحة الموناليزا، ونعيش تجربة لونية وصوتية حرة، يعمل بناء الرواية فى خدمة فكرتها، لا زمان ولا مكان، ولا ثبات ولا جمود، وإنما حرية ومغامرة، تتكرر عبارات حب مكتوبة بين العشاق، بكل لغات العالم، ويتكرر تعبير «الدهشة» الذى يضع بطل الرواية ومؤلفها وقارئها، فى وسط دوامة مبهجة، تصعد بنا إلى ذروة التجربة، ثم يعود الكاتب المتجول إلى الأرض، إنسانا آخر، ذاق فعرف، اكتشف نفسه من خلال الكون، وهو يمتلك الآن ابتسامة، ليست ككل الابتسامات.
هى إذن رواية عن البصيرة والروح والحساسية تجاه العالم، مثلما هى رواية عن ضوء القمر والحكايات وماء البحر، رواية عن سحر الفن والخيال الإنسانى، مثلما هى رواية عن الأشجار والشوارع والخيول والكلاب، رواية عن الطبيعة مثلما هى رواية عن مصابيح الإنسانية من علماء وفنانين، تختفى حواجز اللغة والزمان والمكان والواقع والخيال، نرى أنفسنا كبشر من زوايا جديدة، تتحدث شهرزاد على الرواية كشفاء للأرواح، وتعرف الشخصيات الروائية تفاصيل حياة كاتبها، وتصبح كل تفصيلة فى العالم جزءا من عمل إبداعى كبير، ورغم حرية الخيال الجامحة، إلا أن بناء الرواية متماسك ومنضبط ومكثف.
«مزاج حر» ليست عملا بسيطا رغم براعة السرد، وبذخ الخيال، إنها رحلة معرفية شاقة، تنكرت فى صورة لعبة، تفاؤل الرواية مصدره قدرة الإنسان على الدهشة، وقدرة الحب على خلقه من جديد، وقدرة الإنسان على أن يكتشف الكون، فلا يوجد مكان أوسع من عقولنا وخيالنا، هنا فقط يردد العالم نشيد الفرح، وهنا فقط يمكن للإنسان أن يعثر عن نقطته الخاصة، التى تأخذه من الأرض إلى السماء، وهنا أخيرا لا يمكن أن يكون مصيرنا مجرد حفنة من تراب.
«مزاج حر» من أفضل ما قرأت فى 2018.

المصدر:مصر

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here