بقلم/عماد الدين حسين

هناك اعتقاد خاطئ، يرى أن دمج الأحزاب المصرية التى يزيد عددها على مائة فى ثلاثة أو خمسة أحزاب سوف يحل المشكلة السياسية فى مصر، بكبسة زر، أو قرار فوقى.

لماذا هو اعتقاد خاطئ؟! لأنه ينبغى علينا أن نسأل أولا السؤال الصحيح وهو: هل مشكلة الأحزاب فى مصر أنها كثيرة جدا، أم أنها غير فاعلة أو مؤثرة؟!.. الإجابة البديهية أنه لا توجد مشكلة على الإطلاق فى وجود مائة أو ألف حزب، المشكلة هى عدم وجود أحزاب قوية. التدليل على ذلك، أن هناك عشرات وربما مئات الأحزاب الصغيرة فى العديد من البلدان الديمقراطية، ولا نشعر بها بالمرة، كما لا يشعر بها أهل هذه البلدان. هى موجودة طالما أنها تكون متوافقة مع القانون.
فى البلدان ذات التجارب الديمقراطية الناضجة هناك ما بين ثلاثة أو خمسة أحزاب كبرى تتقاسم غالبية مقاعد البرلمان، فى حين أن بقية الأحزاب الصغيرة، موجودة، طالما أنها قانونية. بعضها يندمج وبعضها يتلاشى ويتحلل، وبعضها يقاوم، حتى يخرج من دائرة الظل.

بعض البلدان تعالج ظاهرة كثرة الأحزاب وتشرذمها بطريقة عملية، وهى اشتراط الحصول على نسبة معينة من المقاعد البرلمانية تتراوح ما بين واحد إلى خمسة فى المائة، وتقفز النسبة إلى عشرة فى المائة، كما يحدث فى تركيا، وهى نسبة كبيرة جدا، لكن الهدف منها كان حرمان الأكراد من التمثيل الرسمى، بحيث تذهب غالبية مقاعدهم إلى حزب الأغلبية أى العدالة والتنمية. لكن هذه «الطريقة الجهنمية» لم تعد مجدية لأن حزب الشعوب التركية تجاوز نسبة العشرة فى المائة فى آخر استحقاقين انتخابيين!!

بعض البلدان الأخرى تشترط حصول الأحزاب على هذه النسبة ليس فقط، لدخول البرلمان، ولكن للاستمرار على قيد الحياة السياسية. وإذا لم يحصل على النسبة، يصبح منحلا بحكم القانون، ويندمج اعضاؤه فى احزاب اخرى اقرب إلى افكارهم.

وبالتالى، فالتجارب الديمقراطية الناضجة، لا تتوقف كثيرا عند الأحزاب الصغيرة، التى تظل هامشية وضعيفة التأثير فى المشهد العام، طالما أن هناك قوى وأحزابا كبرى تتصدر المشهد.
الفارق الأساسى أن الأحزاب الصغيرة فى الأنظمة الديمقراطية محدودة أو منعدمة التأثير فى المشهد السياسى. هى مجموعات صغيرة تؤمن بأفكار متطرفة يمينا أو يسارا ومعظمها أحزاب إما أيديولوجية أو تدافع عن قضايا فرعية محددة. هى لا تؤذى المجتمع، ولا تدعى أنها ذات وزن أو تأثير.

المشكلة فى الأحزاب الهامشية المصرية، ان معظمها ولد بعمليات قيصرية، ومصاب بكل الأمراض السياسية المزمنة، وبالتالى خرج مشوها أو مبتسرا!!

بعض هذه الأحزاب لا يملك إلا اللافتة، وليس لديه أى عضو حقيقى، لدرجة أن أسرة رئيس الحزب قد لا يكونون أعضاء فيه!! أحزاب لا تملك برامج، ومعظمها «مع الرايجة»، ومع السلطة فى كل مكان وزمان، سواء كانت «حزب وطنى» أيام مبارك أو «حرية وعدالة» ايام الإخوان، أو مع العهد الحالى!!

قبل أسابيع شاعت فكرة دمج الأحزاب فى عدد أقل ليكونوا أكثر فاعلية. وهى فكرة نبيلة بكل تأكيد، وظاهرها الرحمة، لكن للأسف فإن أصحابها ربما فاتهم سؤال جوهرى هو: إذا كانت هذه الأحزاب هامشية وبلا قواعد جماهيرية، ومجرد «أصفار».. فماذا سيحدث إذا جمعنا هذه الأصفار معا؟!. المنطق يقول إن النتيجة ستكون صفرا حتى لو كان كبيرا، لكنه سيظل صفرا!

إذا السؤال الجوهرى قبل أن نتحدث عن دمج الأحزاب أن نعرف حجمها وقواعدها وتأثيرها؟، وبعد ذلك نتحدث عن امكانية دمجها، أما قبل ذلك، فسوف يكون الأمر فى أفضل الأحوال مجرد دردشات بلا قيمة.

مستعد أن أراهن أى صاحب حزب من هذه الأحزاب الصغيرة على جمع ألف مواطن فى ندوة، من دون أن يدفع للحاضرين مقابلا، سواء كان ماليا، أو وجبات غذائية أو إجراء «سحوبات» على جوائز.

٩٩٪ من الشعب المصرى لا يعرف ٩٩٪ من هذه الأحزاب، سواء أكان أسماءها أم برامجها وأهدافها، لأنها بلا تأثير يذكر.

أما السؤال الأكثر جوهرية فهو: حتى إذا افترضنا أن هذه الأحزاب الصغيرة لها تأثير، وليست اصفارا، فهل الدمج سيحل مشكلتها؟! والسؤال بصورة أخرى: هل المشكلة فى عدد الأحزاب أم فى تقاعسها وغياب فاعليتها والحصار المفروض عليها؟! سؤال يحتاج إلى إجابة مفصلة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here