Search
Saturday 18 November 2017
  • :
  • :

اقتصادنا الى اين؟؟؟

اقتصادنا الى اين؟؟؟

بقلم/مدحت نافع

سؤال يتكرر كل ساعة، يسأله الكبير والصغير، يطلقونه فى الفضاء عساه يرجع إليهم قولا، فإن التقوا مختصا بالاقتصاد أو مشتغلا به حاصروه بأسئلة لا حصر لها عن المستقبل والأسعار وفرص العمل.. إلى غير ذلك من قضايا، ثم لا يرضون منه إجابة عامة أو غير محددة. يريدون رؤية للمستقبل، واتجاهات لتحسن الأمور أو حتى تدهورها. يدركون بحس الفطرة أن غياب اليقين مرادف للمخاطر، وإذا أردنا إدارة المخاطر وجب علينا أولا معرفة الأهداف التى يكمن الخطر فى احتمالات تعثرها وعدم تحققها. الشاهد أن الأهداف التى تقودنا اليوم قصيرة الأجل، متعارضة فى كثير من الأحيان، مضطربة فى معظم الملفات، ربما تصلح منهجا لمن يكتفى بالبقاء والنجاة، لكنها لا ترسم أفقا رحبا لمن أراد التحليق عاليا متحررا من جميع القيود، من أراد الإبداع والتطوير، من أراد تحسين ظروف معيشته، والارتقاء بمقومات التنمية البشرية. مؤكدا أننا نعيش ظروفا اقتصادية استثنائية فى قسوتها، لذا وجب البحث عن حلول استثنائية خارج الصندوق، وبعيدا عن إملاءاته. 
الأزمات التى نعانيها والصدمات التى نتعرض لها لن تجد مفاتحها فى المؤتمرات أو أمام عدسات التلفزيون. هى من الدقة ومن التفصيل بحيث يتعذر تحقيق شعبية للجهود المبذولة فى الاشتباك معها. موظف بسيط فى وزارة العدل يمكنه أن يتسبب فى هروب المليارات حينما يتعنت فى مسألة خاصة بترجمة لتفويض أحد كبار المستثمرين! أين الضوابط الرقابية البسيطة التى يمكنها التعامل مع مشكلة صغيرة من هذا النوع. موظف آخر فى المطار يمكنه أن يمنع المستثمر أو السائح من دخول البلد لأنه يرفض تقاضى مقابل تأشيرة الدخول إلا نقدا وبالعملة الصعبة! بالتأكيد هناك قواعد تفرض عليه ذلك وهناك أعراف مؤسسية وميراث من البيروقراطية يفرضان عليه التعنت، بل وربما دفع إلى هذا التعنت دفعا وقاية لنفسه من المساءلة. موظف بسيط فى وزارة ثالثة يقوم بتسريب دراسات الجدوى المقدمة من المستثمرين وبيعها لمن يدفع أكثر، ولتذهب سمعة الدولة، وفرصها الاستثمارية، وقانونها الجديد «الميسر» إلى حيث يريد المفسدون.
***
الرؤية إذن مطلوبة للخروج بالاقتصاد الوطنى من أزماته الهيكلية، من تضخم وبطالة وعجز مزمن فى ميزان التجارة وآخر فى الموازنة العامة.. لكن التشخيص السليم لمسببات تلك الأمراض المزمنة وغيرها من أمراض وصدمات عابرة مستحدثة عادة ما يقودنا إلى خطة علاج غير شعبوية وغير إعلامية، لأنها تشتبك مع تفاصيل خاصة بالإصلاح المؤسسى، وتنظيم بيئة العمل، وتحليل المخاطر المؤسسية، ووضع الضوابط الرقابية المطلوبة للتعامل مع تلك المخاطر والحد من تداعياتها السلبية مع تعظيم العائد المرتبط بها.
تغيير وتعديل التشريعات باستمرار، وإنفاق المليارات على تطوير شكل المؤسسات وأبنيتها وشبكات الطرق المؤدية إليها، ربما يكون له صدى كبير فى وسائل الإعلام، لكن إنفاق الوقت والمال لتعليم وتأهيل وتدريب العمالة، وإصلاح النظم المؤسسية، وأدلة العمل، وإقامة إطار عام لإدارة المخاطر.. كلها حلول مهملة نادرا ما يلتفت إليها المسئولون، عادة بسبب صعوبتها وتأخر ثمارها، لكن متى أصبح بمقدورنا تطوير الإنسان والأنظمة التى يعمل بها وإدارة مخاطر التشغيل بكفاءة، صار لدينا أساس متين للتنمية الشاملة المستدامة القادرة على الصمود أمام مختلف الأزمات.
تنشيط السياحة وجذب الاستثمار مفتاحان لكثير من مشكلات الاقتصاد المصرى، مصدران للنقد الأجنبى والتشغيل وخلق فرص العمل وزيادة المعروض من السلع والخدمات بما يحل أزمة التضخم التى هى فى تطورها الحديث صدمة عرض لا طلب (أى نتيجة لنقص المعروض المنتج محليا والمستورد مقارنة بالطلب المحلى). قواسم كثيرة مشتركة بين تنشيط السياحة وجذب الاستثمار. أبرز تلك القواسم متصل بتأهيل العمالة للتعامل مع احتياجات العميل السائح أو المستثمر. التأهيل النفسى هو أول وأهم الخطوات. السائح ليس غنيمة حرب يحل لك أن تجرده من أمواله بالخديعة والاحتيال والتسول أحيانا. والمستثمر ليس عدوا يتربص بنا الدوائر من أجل تحقيق أهدافه على أشلاء الوطن!. كلاهما يريد أن يحقق منفعة ذاتية فى المقام الأول، لكن تلك المنفعة تلتقى مع منفعتك الشخصية كمواطن مصرى يستفيد من إيرادات السياحة وتدفقات الاستثمار، ومع المنفعة العامة للدولة التى تضع مصر فى مصاف الدول المستقرة اقتصاديا، المؤثرة فى محيطها الإقليمى وفى القرار الأممى.
كذلك لاحظت أن نشاط السياحة فى بعض فنادقنا الساحلية قد اقترن بتراجع كبير فى مستوى الخدمات ومهارة وتدريب العمالة. الدائرة المفرغة التى وقع فيها قطاع السياحة فى مصر تجعل من تراكم الخسائر منذ عام 2011 والتقلبات اللاحقة عليه، سببا فى تسريح العمالة، وفى توظيف عمالة متوسطة ومحدودة الكفاءة، تؤثر على سمعة السياحة فى مصر، ويكون مردودها مزيدا من الخسائر فى الأجلين المتوسط والطويل. البحث عن تنمية السياحة بعدد الليالى السياحية بعيدا عن التحليل الإحصائى الدقيق للإيرادات (خاصة من العملة الصعبة) وللجنسيات المجتذبة يقودنا إلى قراءة غير واقعية للبيانات. كذلك أزمة التصادم المكبوت والمتفجر أحيانا بين العاملين فى قطاع السياحة من جهة وبين السائح المحلى من جهة أخرى تحتاج إلى حلول غير تقليدية. تحتاج إلى نوع من الإعداد المشترك للطرفين بأساليب مبتكرة غير محرجة أو جارحة. طرحت من قبل فكرة تحميل العميل بتكلفة الطعام الزائد عن حاجته فى «البوفيه» المفتوح، مما يحد من ظاهرة الإسراف والهدر فى الأطعمة. وهناك أفكار كثيرة لتدريب السائح المصرى على التعامل فى المطارات والفنادق والاحتكاك بالسائح الأجنبى بأسلوب راق. من ذلك برامج تأهيلية مجانية شيقة يمنح حاضروها خدمات فندقية مجانية سواء للترفيه أو الوجبات الإضافية.
***
الاستثمار سواء المحلى أو الأجنبى لا ينشط أمام العدسات، ولم يعد المستثمر ينخدع بالصور التى يلتقطها معه الوزير، بل يدرك أنها للاستهلاك المحلى والإعلامى، وأن التفاصيل اللاحقة على الاتفاق هى التى تحكم قراره الثمين بضخ أمواله فى شرايين الاقتصاد المصرى أم تفضيل أى بلد آخر.
أثناء حضوره مؤتمرا اقتصاديا أقيم حديثا بشرم الشيخ، قال أحد المستثمرين الخليجيين إن رئيس الجمهورية قد أخبره بأنه ومواطنوه يتكلمون كثيرا لكنهم يختفون عند التوقيع، وفى معرض دفاعه عن نفسه أقر فعلا بتراجعه عن التوقيع غير مرة، لكنه برر ذلك بنكوص الدولة عن اتفاقاتها الأولى، وبأنه يجد نفسه بعد الخروج من مكتب الوزير قد وقع أسيرا فى مكاتب وزارات وهيئات وجهات مختلفة من أجل استصدار تصاريح التشغيل، وضرب مثلا بمشروع تعثر فى مصر سنوات بسبب الروتين والبيروقراطية، لكنه مر بدولة أوروبية عن طريق البريد الإلكترونى لرئيس تلك الدولة!. قانون الاستثمار لم يكن عقبته الوحيدة ولا حتى الرئيسية، القانون ولائحته التنفيذية يشكلان عقبة أمام المستثمر فقط لأنه ينتظر تعديلهما ويجمد نشاطه لحين صدور تلك التعديلات!
***
الإجابة على السؤال الذى تصدر المقال مازالت مشروطة بمقدمات ضرورية للإصلاح الاقتصادى الذى هو أكبر وأشمل من الإصلاح المالى والإصلاح النقدى. وما زالت موقوفة على توافر الإرادة الحقيقية للإصلاح الإدارى والمؤسسى الذى هو قرين التخطيط فى وزارة واحدة نتطلع بأمل إلى ثمار بعض إنجازاتها قبل انتهاء الفترة الرئاسية الحالية للرئيس السيسى. التنسيق بين السياسات الاقتصادية المختلفة مازال بحاجة إلى إطار جامع أكثر استدامة من اجتماعات المجموعة الاقتصادية. الحاجة إلى وزارة اقتصاد لم تعد رفاهية نتطلع إليها لتحسين الأداء الاقتصادى، بل صارت ضرورة مهمة لضبط إيقاع هذا الأداء، وتحقيق أكبر منفعة ممكنة لإدارة اقتصادية رشيدة هى بالتعريف أقرب ما يكون إلى حوكمة الاقتصاد المصرى.




Shares