Search
Saturday 18 November 2017
  • :
  • :

مصر هبة المصريين

مصر هبة المصريين

بقلم /أكرم السيسى

أول من استخدم تعبير «مصر هبة المصريين» هو أستاذ التاريخ الموسوعى الدكتور محمد شفيق غربال فى حديثه الأول ضمن عشرة بالإنجليزية فى الإذاعة المصرية، ونشرت بالعربية فى كتيب «تكوين مصر» (1957)، وقد أكد غربال أنه لا يقصد معارضة قول هيرودوت «مصر هبة النيل»، ولكنه أراد أن يعطى مفهوما جديدا عن تكوين مصر، وهو العمل الإرادى للإنسان المصرى، فهو يرى أن النيل يجتاز آلاف الأميال، ولكن على طول مجراه لا يوجد إلا مصر واحدة، كما يرى أن هِبات النيل كهِبات الطبيعة، طائشة عمياء (الفيضانات والجفاف ومستنقعات الملاريا…) يمكن أن تدمر كل شىء، ولكن الإنسان وحده هو الذى يستطيع أن يجعل من هذه الهبة نعمة لا نقمة، وهذا ما فعله المصرى عبر التاريخ، وعليه فإن «مصر هبة المصريين».

***

ويُبدى غربال ــ فى حديثه الثانى ــ تَبايُنا آخر عما ذهب إليه الاجتماعيون لفهم «الاستمرار والتغيير» فى تاريخ مصر، فهو يخالف عالم الاقتصاد والاجتماع باريتو Pareto (1848 ــ 1923)، الذى يعتبر فى نظريته 80 / 20 أن التغيير يأتى من الصفوة الـ20% التى تقود الـ80%، ويعارض أيضا النظرية الماركسية التى ترى التغيير فى أساليب الإنتاج، وفى الصراع بين الطبقات، فيطرح نهجا جديدا ــ فى الحالة المصرية ــ أسماه «ملازمة الوقائع»، يرى فيه أن المصريين تفاعلوا فقط مع ما يتوافق أولا مع نظام اجتماعى ثابت يقوم على ضبط النيل، وثانيا مع إنسانيتهم السمحة.

ولكن كل أجنبى وفد إلى مصر ــ مثل الهكسوس واليهود والإغريق والرومان والبطالمة، وحديثا الفرنسيين ثم الإنجليز ــ ولم يفهم طبائع الشعب المصرى السمحة، فسّر مقاومته له بأنه شعب عنيد لا يقبل التغيير ويكره كل جديد، ولكن الحقيقة أن المصريين يكرهون كل من يخالف طبيعتهم المعتدلة، فقاومهم بالعناد والصلابة، فالمصرى يستجيب لمن يتوافق مع خصائصه، نراه يُناصر أخناتون (1353 ــ 1336ق.م) فى ثورته ضد تعدد الآلهة مطالبا بالتوحيد والتجديد، ثم يأتى بعد ألف عام الإسكندر الأكبر (336 ــ 323 ق.م) الذى يَدخل المصريون معه طورا جديدا من أطوار حضارة مصر المتنوعة، واحتضنوه لأفكاره الإنسانية المنبثقة من أخوة بنى الإنسان، ودعا للتعاون بين الحضارتين ــ المصرية والإغريقية ــ بيد أن البطالمة ــ خلفاء الإسكندر ــ لم يفعلوا شيئا من هذا، فكرههم المصريون وقاوموهم.

ويرى غربال أن أهم التغييرات فى تاريخ مصر التى استجاب لها المصريون اعتناقهم للمسيحية ثم للإسلام بعد ذلك، فقد تحرر المصرى تحررا حقيقيا من رق الخرافة والعبودية لغير الله، ومن رق الإغريق والرومان، فقدم المصريون فى عصر المسيحية فنا جديدا، وأقاموا كنيسة قومية مستقلة، وبدخول الإسلام اتسع الأفق المصرى، وامتد شرقا إلى محيط مهبط الإسلام، ولكن المصرى حافظ على ثقافته الإسلامية المعتدلة، وها هو الإمام الشافعى ــ القرشى ابن مكة والمدينة ــ يجىء إلى مصر فيعيد تصنيف كتابه «الرسالة» ــ عن أصول الفقه ــ ليتوافق مع المزاج المصرى، فيُحدث تناغما بين«الاستمرار والتغيير»، ولم يُقدِم المصريون على تغير جديد إلا بداية القرن التاسع عشر، مع بدء الاتصال بالغرب ومجىء حملة نابليون (1798 ــ 1801م)، ومن بعده محمد على (1805 ــ 1848).




Shares