بتغيراتٍ على مستوى الحُكومة، وإسقاطٍ لبعض الأوجه المَألوفة، في أفق عقد انتخابات رئاسية لا يكون طرفا فيها، أطل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على المحتجين في شوارع البلاد، في سياق يظل فيه المغرب مراقبا صامتا لطبيعة التغيير القادم، خصوصا بعد دخول رمطان العمامرة، إحدى الأوراق المزعجة على المستوى الخارجي، إلى رئاسة الوزراء الجزائرية كنائب للوزير الأول الجديد نور الدين بدوي، الذي خلف أحمد أويحيى.

ولا يحمل تعيين رمطان العمامرة، رئيس مجلس السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي سابقا، أي مؤشرات ودية على إمكانية حلحلة العلاقات المغربية الجزائرية، بحكم احتفاظه بسجل واسع لصداماته مع ممثلي المغرب بالأمم المتحدة أيام كان ممثلا لبلاده في المنظمة العالمية، فضلا عن تقلده سابقا حقيبة وزارة الخارجية في الجارة الشرقية، وهو ما كثف من روابطه السياسية وحتى الاجتماعية مع القيادات الحالية لجبهة البوليساريو.

وأربكت خطوة عدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كل حسابات الانتخابات الجزائرية في علاقتها بالمغرب، حيث أصبح علي غديري، مرشح العسكر، الأقرب إلى الظفر بالرئاسة الجزائرية، إلا في حالة حدوث تحول كبير في عقلية الدولة. وإلى ذلك الحين، يظل أقرب المرشحين أو أكثرهم توازنا في علاقته بالمغرب هو الأمين العام لحركة “حمس” الإسلامية، عبد الرزاق مقري، فضلا عن المرشح المثير للجدل رشيد نكاز، الذي دعا إلى وحدة بين البلدان المغاربية وتجاوز كل الخصومات التي نشبت بين مختلف الأطراف.

وفي هذا الصدد، يرى هشام معتضد، أستاذ جامعي بكندا، أن “التغيرات التي يعرفها المشهد السياسي الجزائري تأتي عكس السيناريوهات التي تم الإعداد لها سلفا من طرف دوائر السلطة في الجزائر لإنجاح الانتخابات الرئاسية التي كان مقررا تنظيمها في شهر أبريل القادم على مقاس التوجه السياسي التقليدي”، مشيرا إلى أن “الحراك الشعبي الذي عرفته الساحة الجزائرية بعثر كل الأوراق التي كانت مهيأة لضمان استمرارية الأسلوب السياسي نفسه المعتمد للتحكم في المرحلة المقبلة”.

وأضاف معتضد، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “ضغط الشارع نجح نسبيا في الدفع بالقائمين على وضع سيناريوهات المشهد السياسي الجزائري إلى إعادة الحسابات السياسية والاستجابة للمطلب الرئيسي والأول لصوت الشارع، ألا وهو التراجع عن تقديم الرئيس الجزائري لخوض غمار الرئاسيات من أجل الظفر بالعهدة الخامسة”.

وزاد الباحث في جامعة شيربوك الكندية قائلا: “بالرغم من هذا التراجع الشكلي من طرف حكام الجزائر على رمزية عدم تقديم عبد العزيز بوتفليقة لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، إلا أن طريقة الاستجابة لهذا المطلب تطرح العديد من التساؤلات، خاصة وأن قبول هذا الطرح تم ربطه بتأجيل تاريخ الانتخابات الرئاسية”.

وأوضح المتحدث أنه “من الطبيعي أن يكون للتغيرات في الجزائر تأثير على محيطها الإقليمي، خاصة على مستوى الدول المجاورة، فهناك ترقب وحسابات سياسية لها علاقة حساسة ودقيقة بالأوضاع، خاصة فيما يتعلق بتغيرات سياسية تحت ضغط الشارع”، مضيفا: “إلى حدود الساعة، تبقى التطورات والتغيرات على مستوى رئاسة الجزائر ومحيطها ذات بعد شكلي، وبالتالي لن يكون لها تأثير كبير على العلاقات الإقليمية والدولية لهذا البلد، لأن المحاور الاستراتيجية وشريان السلطة الحيوي والحقيقي مازالا بين أيادي الحكام التقليديين للجزائر”.

أما بخصوص العلاقات الثنائية مع المغرب، فيرى معتضد أن “تغيير وزير الخارجية، أو الحكومة برمتها، لا يشكل عاملا فعّالا لإعادة النظر في العلاقة بين البلدين أو تغيير القراءة السياسية للتعاون بينهما، بقدر ما أن الأمر مرتبط بخط استراتيجي وتوجه سيادي جد معقد وذي تركيبة تستدعي حسابات جيو-استراتيجية ذات بعد تاريخي، ثقافي، إقليمي ودولي”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here