إبطال شبهات الغربيين ضد القرآن والدين – السيد حسين الحيدري

أما لو استعمل الفعل الماضي (فكان)، فإنّه لا يدلُّ على لزوم الوقوع إذا قال الله (كن)، بل إنّ استعمال الفعل الماضي (فكان)، يشمل ما لو وقع التكوّن اتفاقاً وبدون تسبيبٍ مِنَ الله تعالى، ولكنه تقارن تكوُّنه مع قوله تعالى: (كن) مُصادفةً، فلا يتمّ الاحتجاج عليهم بوجود القدرة المُتجدّدة على الخلق، ولكان التفريعُ بحرف (الفاء) في (فكان) لا معنى له، إذ لا مُلازمة بين الفعل (كن) وبين (فكان).

أمّا حينما قالتْ: (كن فيكون) فبمعنى: (أنّ الله حينما قال له كن، فإنه حتماً سيكون)، وهو كلامٌ متينٌ لا خلل فيه، وينفع في الاحتجاج عليهم، والتفريع بالفاء ضروريٌّ.

سؤال 13: قال: (لم يأتِ بجواب لمّا: ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا أنْ يجعلوه في غيابة الجبِّ وأوحينا إليه لتنبأنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾، أين جواب لمّا؟ أليس لو حذفنا (الواو) في (وأوحينا) لاستقام المعنى؟).

الجواب:

أولاً: ذكرنا سابقاً أنّ حذف ما يُعلم مِنَ الكلام لدلالة المقام عليه، هو مِنْ مُحسّناتِ الكلام وأساليب البلاغة اللطيفة، وقسّموا الحذف إلى جائز ولازم، وذكروا له أهدافاً وغاياتٍ كثيرة، منها: (التهويل)، فالحذف سيجعل ذهن السامع يذهب إلى كلِّ الإحتمالات، ما دُمْتَ لم تُحَدِّد واحداً مِنْ هذه المُحتملات، كما لو قلتَ لشخصٍ تريد إثارته: (لمّا سافر ابنك وهجم عليه اللصوص، لا تدري ماذا حدث؟)، فإنّ الأب سيفكر بكلِّ الاحتمالات السيئة: (هل قتلوه أم اختطفوه أم سلبوا أمواله أو أصابوه بجراحٍ قاتلة، أو اعتدوا على شرفه)، أمّا لو أخبرته أنهم (سرقوا نقوده)، فسوف لا يفكر الأب بالاحتمالات الأخرى.

ثانياً: إنّ مِنَ الأساليب الجيدة للقصص الناجحة هو عنصر الإثارة، حيث يستخدم كتّاب القصة المبالغة أو الخيال العلمي أو حتى الكذب ليجعلوها مثيرة، أمّا القرآن الكريم فينقل القصص الواقعية ذات الأهداف التربوية بأمانة وصدق، ولكنْ بأسلوبٍ أدبيٍّ رائعٍ، يتضمّن كلَّ عناصر القوة والإثارة في القصة، حتى اعترف بعضُ كتّاب القصّة الغربيين، بأنهم استفادوا مِنْ قصص القرآن في كتابة قصصهم، وكُتبتْ دراسات متعدّدة عن قصة يوسف ع بالخصوص، لِمَا تضمّنته مِنْ دروس وعِبر، وأساليب راقية وحوادث مُهيّجة، لا مجال للتفصيل فيها هنا، ولكننا سنسلط الضوء على جوانب مِنَ الآية التي ذكرها الكاتب، وهي قوله تعالى: ﴿فلمّا ذهبوا به وأجمعوا أنْ يجعلوه في غيابة الجبِّ﴾.

فإنّ عدم ذكر جواب (لمّا) المتضمِّن لحالات يوسف وإخوته، سيجعلُ خيال القارئ يسبحُ في بحر التصورات، حول سلوك الإخوة وتصرّفاتهم، في رمي ذلك الطفل الصغير المدلل الذي لم يرتكب جناية، ويتصوّر في المقابل أولئك الرجال الذين تحوّلوا إلى وحوشٍ كاسرة، أهاجتها نيرانُ الحسد فاضطرمتْ غضباً وحقداً، مِمّا دعاها لارتكاب أقبح جريمة بحقِّ طفلٍ ضعيفٍ بريءٍ، وهو في نفس الوقت أخوهم الصغير، يجرّونه بقسوةٍ ليرموه في بئرٍ عميقٍ مُظلمٍ، في صحراء نائيةٍ يرتادها الوحوش، ثمّ يتخيّل أيضاً صُراخ يوسف وبكائه، ودموعه المنحدرة على خديه بحرارة، وتوسلاته بهم واسترحامه إياهم، مُمسكاً بأذيال أثوابهم، مناشدهم بالله العظيم وبحرمة الرحم التي بينهم، مُذكرا لهم بضعفه وصغره وغربته، وبانتظار أبويه له، بلهجةٍ طفولية منكسرة، وصوتٍ ملائكيٍّ مبحوح، ونظراتٍ حائرةٍ وحركاتٍ خائرة، وهم يواجهونه بالدفع تارة والصراخ أخرى، والصفع ثالثةً ليكفَّ عنهم، ثم يتخيّله كيف يدعو الله سبحانه لمّا يئس منهم، بدعاء المضطرّ ليُنجيه منهم، ثم ينتقل الذهن لمنظر يوسف وهو يسقط مِن أعلى البئر إلى قاعه، وكيف يرتطمُ جسمه الغض الرقيق بجدرانه وصخور قاعه، على رأسه أو رجله أو يده، ثم يبقى متقلباً يعاني الوجع، ثم ينتقل الذهن للبئر هل كان جافاً أم ممتلئاً؟ هل خنقته مياهه، يطفو تارة ويغطس أخرى، أم استمسك بصخوره، وهل بقي جائعاً عدّة أيّامٍ، ثم يتصور مقدار جهل الإخوة برقابة الله عليهم، إذ يتضاحكون لنجاح مهمتهم.

ويهيج قلبُ قارئ القرآن بالغيظ على هؤلاء الأخوة، وعلى كلّ الظالمين على مرِّ التاريخ، ويَرِقُّ قلبه لآهاتِ الطفل المسكين، كما يثور حزنه لو ينتقل بخياله لذلك الشيخ الكبير الذي أنهكته السنون، وكيف ستكون الصدمة على قلبه، وهو يفقد أحبّ أبنائه، وأعزّهم وأذكاهم وأجملهم وأتقاهم، حتى احدودب ظهره وعميتْ عيناه مِنَ الحزن والبكاء على فقده، إذ كان سلوته وأنسه في كبره.

لقد طوى القرآن كلّ هذا الكلام بأحسن وجه، وأشار له بأحلى إجمالٍ وألطف إشارة وأجمل تنبيه، وجعل خيال القارئ يتصور كلّ ذلك مِنْ دونِ إطالةٍ في الكلام، ولو أنه تعالى ذكر شيئاً مِنْ أحوالهم في جواب (لمّا)، لاكتفى به الذهن، ولما انتقل إلى باقي الاحتمالات التي ذكرناها.

ثالثاً: قلنا بأنّ أسلوب الحذف مِنَ الأساليب المتّبعة عند العرب، فقد قال امرؤ القيس:

فلو أنها نفسٌ تموتُ سويّةً * ولكنها نفس تساقط أنفسا

فلم يذكر جواب (لو) وهو: (لهان الخطبُ وسهل الأمر)، وإنما ترك جواب (لو)، لأنه لا يريد التصريح بذكر هوانه، فطوى ذكره وأوحاه للسامع بطرفٍ خفيّ.

ومثله قول عبد بن مناف الهذلي:

حتى إذا سلكوهم في قتائده * شلاً كما تطرد الجمالة الشردا

فلم يأتِ بجواب (إذا)، ليوكل أمره إلى تخيلات القارئ وظنونه.

سؤال14: قال: (أتى بتركيبٍ يؤدّي إلى اضطراب المعنى: ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بُكرةً وأصيلا﴾ على مَنْ يعود (وتعزروه …) على الله أم على رسوله؟ فإنْ كان قوله: (وتعزروه) عائداً على الرسول، يكون هذا كفراً، لأنّ التسبيح هو لله وحده، وإنْ كان عائداً على الله فيكون أيضاً كفراً، لأنّ الله لا يحتاج إلى مَنْ يُعزِّره ويقوِّيه، بل هو الذي يقوّي البشر ولا يحتاج إلى تقويتهم؟).

الجواب:

أولاً: إنّ الكاتب وكعادته في الأمانة العلمية قد حرّف الآية الكريمة إذ قالتْ: (وتعزروه وتوقروه)، بينما قال: (لا يحتاج الله إلى من يعزره ويقويه) وليس في الآية كلمة معناها التقوية، بل فيها كلمة التوقير، وسبب تحريفه للتوقير إلى التقوية، كي يبني سؤاله على هذا التحريف.

ثانياً: مِنَ المعلوم لدى كلّ دارس للغة العربية، أنّ هناك ما يُسمّى (باب اللف والنشر)، ومن أنواعه: (اللف والنشر المشوّش)، حيث يذكر المتكلم ضميرين، يعود الضمير الأول منهما على الاسم المتأخِّر، ويعود الضمير الثاني منهما على الاسم المتقدّم، وهو أسلوبٌ بلاغيٌّ مُستعملٌ في محاوراتهم بكثرة.

وعلى هذا الأساس البلاغي، فإنّ الآية الكريمة استخدمتْ هذا الباب مِن أنواع البلاغة، فيكون الضمير في كلمتي (تعزروه وتوقروه) عائداً على النبي ص، والضميرُ في (تسبحوه) عائداً على الله تعالى.

ثالثاً: نقول هنا: حتى لو عاد الضمير في (تعزروه) أو (تقووه) ـ التي حرّفها عن الكلمة الأصل (توقروه) – على الله تعالى، فليس فيه كفرٌ كما زعم، لأننا نقول: صحيحٌ بأنّ الله لا يحتاجُ إلى شيءٍ منْ عِباداتنا أو نصرتنا، لأنه الغنيُّ المطلق، ولكنّه مع ذلك قد أمرنا بعبادته ونصرة دينه، امتحاناً لنا واختباراً لطاعتنا إيّاه في الحياة الدنيا، ولكنّ الكاتبَ قد استخدم المُغالطة في سؤاله هنا أيضاً، حيثُ أوهمَ القارئَ بأنّ أمْرَ الله بنصرتِهِ، ليس له سببٌ سوى احتياج الله لنصرتنا، مع أنّ الله حين أرسلَ رسلَه، أمرَ الناسَ بنصرتهم وتقويتهم ونصرة دينه وتقويته، امتحاناً مِنه تعالى للناس، حتى يتبيّنَ المطيع منهم مِنَ العاصي، وليُنزل اللهُ النصر على مَنْ ينصرُ رسله ودينه، وليس بسبب احتياج الله سبحانه لذلك كما توّهم، ولذا قال تعالى: ﴿إنْ تنصروا الله ينصرْكم﴾، فالنصر الحقيقي يكون مِنَ الله سبحانه، يُنزلهُ على مَنْ يعلم صِدْقَ نواياهم، وأنهم يقاتلون في سبيله ولأجلِ نصرة دينه.

ولو تدبّر السائلُ في الآيات التي تسبق هذه الآية، لوجدها تؤكِّدُ على أنّ النصر مِنَ الله تعالى، حيث تكرّر فيها مرتين: ﴿لله جنود السماوات والأرض﴾.

ثمّ لو رجع إلى إنجيله يجده يقول: (إنّ المسيح طلب مِنْ تلاميذه أنْ يسهروا معه ليلة هجوم اليهود عليه، فلم يفعلوا ولم يواسوه … حتى وبّخهم على ذلك مراراً… وتركوه كلّهم وهربوا) إنجيل متى (26: 36 – 57).

وكان المسيحُ قد أخبرهم: (بأنهم يتفرّقون عنه في ساعة الامتحان ويتركونه وحده) إنجيل مرقس (14: 27 – 51).

فالمسيح ع طلب منهم أنْ ينصروه امتحاناً لهم، ففشلوا في ساعة الامتحان، وتركوه وهربوا، ومعلوم بأنّ ذلك الأمر منه، لم يكن بسبب عجز الله عن نصرة رسوله.

فلا مانع إذن مِنْ عودة الضمائر في الآية على الله سبحانه، ويكون معنى (تعزروا الله)، أو كما حرفها بـ (تقووه)، هو أنْ تنصروا دين الله ورسوله.

سؤال 15 و16: قال: (نوّنَ الممنوع مِنَ الصرف: ﴿ويُطافُ عليهم بآنيةٍ مِنْ فضةٍ وأكوابٍ كانت قواريرا﴾ فلماذا قال: ﴿قواريرا﴾ بالتنوين، مع أنها لا تنوّن لامتناعها عن الصرف، لأنها على وزن مصابيح؟ ونفس الكلام ﴿إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا﴾؟

الجواب: قال أهلُ الأمثال: (شرُّ البلية ما يُضحك)، فلا ندري ماذا نقول لهذا الجاهل، لأنه لو كان يريد معرفة الحق، لكان يكفيه أنْ يستفسر عن ذلك مِنْ أصغر قارئٍ للقرآن، أو يطلبَ منه تلاوة هذه الآيات، لِيُدرك عدم وجود تنوينٍ في هاتين الكلمتين، بل يُقرءانِ في الوصلِ وعدم التوقف عليهما هكذا: (قواريرَ) و(سلاسلَ) بالفتح في كليهما، وأمّا الألف في (قواريراْ)، فهي ألف الإطلاق، تُلفظُ مِنْ دونِ تنوينٍ عندما يوقف عليها فقط، لتناسب أواخر الآيات، ولماذا أغفل الصفر المستدير فوق ألف (قواريراْ)، الدال على ذلك في قواعد التجويد.

وأمّا ألف (سلاسلاْ) فيُكتبُ بحسب الإملاء القرآني ولا يُلفظ، وهذا موجودٌ في باقي اللغات كالإنجليزية، ويسمّى الحرف الذي يُكتب ولا يُلفظ بـ (سايلنتْ)، وهكذا في الآيتين الكريمتين، ولا يؤثر ذلك على إعرابهما، لكونهما ممنوعين مِنَ الصرف.

ثمّ إنّ قواعد الإملاء قد تتغيّر في اللغات مِنْ زمنٍ لآخر، حسب اتفاق علماء تلك اللغة في كلّ عصر، فمثلاً كان حرف التعريف (الـ ) في الإنجليزية زمن شكسبير يُكتب (thy)، أمّا هذه الأيام فيُكتب (the)، فلا يَحقُّ لِمَنْ يجهل ذلك الاعتراض على شكسبير بأنه أخطأ، وهكذا بالنسبة للإملاء في العربية، فكثيرٌ مِنْ قواعد الإملاء تغيّرتْ عن السابق، أمّا الإملاء القرآني فحافظ المسلمون عليه، احتراماً منهم لكلام الله، فلم تطله يَدُ التغيير، حسب آراء أهل الأزمان التالية في الإملاء.

سؤال 17: قال: (تذكير خبر الاسم المؤنث: الشورى: 17 ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ )، وجوابه نفس جواب سؤال 4 فراجعه.

سؤال 18: قال: (أتى بضمير فاعل مع وجود الفاعل: ﴿وأسرّوا النجوى الذين ظلموا﴾ فلماذا لم يقل: وأسرّ النجوى الذين ظلموا، مع حذف ضمير الفاعل في أسروا، لوجود الفاعل ظاهراً وهو الذين؟).

الجواب: لقد اشتبه الأمر على كاتبنا هنا أيضاً، حيث تصوّر بأنّ (الذين ظلموا) فاعل للفعل (أسرّ)، لذلك اعترض بوجوب حذف ضمير الفاعل في (أسرّوا)، مع أنّ (الذين ظلموا) ليس فاعلاً، وإنما يُعرَبُ بدلاً، كقولك: (جاء الفارسُ عليٌ)، فلا يوجد عربيٌ يزعم وجود فاعلين فيها (الفارس) و(علي)، بل (الفارس) هو الفاعل، و(عليٌ) يُعربُ بدل، نعم لو حذفنا (الفارس) مِنَ الجملة، وبقيَ (جاء عليٌ)، لكان (عليٌ) هو الفاعل.

وأمّا لماذا لم يقل القرآن: (وأسرّ النجوى الذين ظلموا)؟ فالتدبّرَ في الآيات يُوضِّح عِلّة استخدام هذا الأسلوب الرائع، لأنّ الآيات أخبرتْ عن اقتراب يوم الحساب، كي يستعدّ الناسُ له بالطاعات، ثم ذكرتْ أشخاصاً يستمعون للقرآن وقلوبهم غافلة، يلعبون لاهين عنه كالمستهزئين به، ثمّ أخبرتْ الآيات أنّ هؤلاء الغافلين المستهزئين قد (أسرّوا النجوى)، ثم وصفتهم بأنهم ظالمون، وذلك بإتيان (الذين ظلموا) بدلاً عن (الواو) في (أسرّوا)، إعلاناً منه تعالى عن قبيح فِعلهم بهذه النجوى، التي جحدوا فيها الرسالة وسمّوها سحراً.

أمّا لو قال الله: (وأسرّ النجوى الذين ظلموا)، لكان هذا كلاماً جديداً لا عِلاقة له بأولئك الغافلين اللاهين المُستهزئين، والمذكورين في الآيات السابقة، بل سيكون كلاما مُستأنفاً جديداً، يتكلم عن أُناسٍ آخرين ظالمين أسرّوا النجوى بإنكار الرسالة، ومُتَّهمين صاحبها بالسحر، وحينئذٍ لا يحصل الهدف الذي أراده الله مِنْ وصف نفس أولئك اللاهين اللاعبين الغافلين حين سماعهم القرآن، بأنهم هم الذين أسرّوا النجوى، وهم الظالمون بفعلهم ذلك.

وكأنّ الآية تؤكد بأنّ الذي لا يحترم آيات القرآن حين تتلى عليه، ويُعرض عنها باللهو واللعب، سيؤدي به لذنبٍ أكبر، وهو إنكار الرسالة فيكون مِنَ الظالمين، ولا تحصل هذه الإشارة الجميلة لو قالت الآية: (وأسرّ النجوى الذين ظلموا).

سؤال 19: قال: (الالتفات مِنَ المُخاطب إلى الغائب قبل إتمام المعنى: (هو الذي يسيّركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتهم ريحٌ عاصف)، فلماذا التفتَ عن المخاطب إلى الغائب قبل إتمام المعنى، وكان الواجب أنْ يصرّ على خطاب المُخاطب؟).

الجواب:

أولاً: إنّ الالتفات مِنَ الغَيبة للخِطاب وبالعكس، سواء تمّ المعنى أو لم يتمّ، هو في الشعر والنثر العربي كثيرٌ جداً، ويعتبرونه مِنْ مُحسّنات الكلام، إذ فيه تنويعٌ للكلام وتنشيطٌ للسامع، بسبب الحيوية التي يوجدها في نفسه، فلا يملُّ السامع إذا لم يكن على رتيبة واحدة، ثمّ لكلِّ التفاتٍ قرآنيٍّ هدفٌ وحِكمة تخصّه.

ثانياً: مِنْ طبيعة النفس الإنسانية استثقالها النصيحة المُباشرة، فلا تتحمّل مَنْ يوجّه اللوم لها على تقصيرها، لذا يَنصحُ علماءُ التربية استخدام الطريقة غير المباشرة في التهذيب، كأنْ يَقصّ عليه حياةَ المُصلحين ومواقفهم البطولية، أو يخبره بالنتائج المأساويّة للمجرمين، فيقتدي بالصالحين بشكلٍ عفويٍّ فطريٍّ، ويجتنب عن المفسدين كذلك، بعكس التنبيه المباشر، الذي قد يؤدّي إلى الإصرار على الخطأ والتمرّد والإنحراف.

 لذا استخدم القرآن الكريم الأسلوب الأمثل في الهداية، قاصّاً حياة الصالحين تارة، ومصير المجرمين أخرى، وإذا حذَّر مِنَ الشرك مثلاً خاطبَ نبيّه: ﴿لئِنْ أشركتَ ليحبطنَّ عملك﴾ مع أنه ص أبعدهم عن الشرك وأدناهم مِنَ الله منزلة، لئلا يثقل على نفوسهم مُخاطبتهم مباشرةً بالتهديد، وليكون ذلك أوقع تأثيراً على قلوبهم، حين يرون الوعيد الشديد للنبي ص رغم طاعته وعبادته، فكيف بهم لو أشركوا.

وإذا أمرهم بالطاعة تلطف بهم فقال: ﴿كُتِبَ عليكم الصيام﴾ ولم يقل: أنا آمركم به، مع كونه خالقهم ورازقهم ويجب عليهم طاعته، ليُسهّل عليهم قبول طاعته، فبنى الفعل (كتب) للمجهول، ثمّ قال: ﴿كما كتب على الذين مِنْ قبلكم﴾، وهو تلطفٌ آخر بهم منه تعالى، حين وضّح عدم اختصاصهم بهذا الحكم، بل هو حكمٌ عامٌّ لكلّ البشريّة، ثمّ تختم الآية بكمال تعطفه، عندما يخبرهم بأنّ فائدة الصيام تعود عليهم، وهي اتقاؤهم نار جهنم، قائلاً: ﴿لعلكم تتقون﴾ وهو مِنْ أعظم الفوائد وأهمّ الأهداف.

ثالثاً: أمّا بخصوص الآية التي سأل عنها، فقد راعتْ النقطتين السابقتين، حيث إنها لمّا ذكرتْ نِعَم الله علينا، خاطبتنا قائلة: ﴿هو الذي يُسيّركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك﴾. أمّا حين أراد الاستنكار والتأنيب، ناسب الالتفات إلى الغيبة، وكأنه غير موجَّهٍ إلينا، بل كأنه يقصّ علينا خبرهم: ﴿وجَرَيْنَ بهم بريحٍ طيبة وفرحوا بها جاءتها ريحٌ عاصفٌ وجاءهم الموجُ مِنْ كلّ مكان وظنوا أنهم أُحيطَ بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا مِنْ هذه لنكوننّ مِنَ الشاكرين * فلمّا أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق﴾، فهو يَستثير استغرابنا بل غضبنا على هؤلاء، فبدلاً مِنْ شكرهم لله تعالى على إنقاذهم، وقد عاهدوه على ذلك، إذا هم ينكثون العهد ولا يشكرونه بل يكفرون، فسوف تنفر النفوس مِنْ عملهم القبيح ذاك، وهذا أسلوبٌ تربويٌّ رائعٌ لهدايتنا وإرشادنا، أمّا لو استمرّتْ الآية في توجيه خطابها لنا وتلومنا وتأنبنا مباشرة، فسوف تأخذنا العزّة بالإثم، وكما قيل: (المرءُ حريصٌ على ما مُنِع).

رابعاً: إنّ هذا الأسلوب مُستخدمٌ في حواراتنا اليومية، فتقول لولدك: (هل أكلتَ الحلوى بمفردك؟ يجب أنْ لا يُصبح الإنسان أنانيّاً يفكرُ في نفسه فقط)، فلا تقول له: (لا تُصبحْ أنانيّاً)، لأنّ ذلك ثقيلاً عليه، فتلتفتْ مِنَ الخطاب إلى الغائب.

خامساً: نقول لهذا المُعترض: إنّ كتبَك المقدسة استخدمتْ الالتفات أيضاً، فلماذا لا تنكر عليها استعمالها للالتفات؟ فقد استخدم العهد القديم في سفر اللاويين الفقرات 2 و8 الالتفات فراجعه.