إبطال شبهات الغربيين ضد القرآن والدين – السيد حسين الحيدري

سؤال10: قال: (أتى باسم الفاعل بدل المصدر: ﴿ليس البر أنْ تولوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكنّ البرّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾، فلماذا قال: ولكنّ البرَّ مَنْ آمن بالله؟ أليس هذا خطأ في التركيب؟ والأصوب أنْ يقول: ولكنّ البرّ أنْ تؤمنوا، لأنّ البرّ هو الإيمان لا المؤمن؟).

الجواب:

أولاً: هذا الاستعمال مُتعارفٌ وشائعٌ عند العرب، فقد قال الحارث بن حلزة اليشكري: (والعيشُ خيرٌ في ظلال النوك مِمَّن عاش كدّا)، ولم يقل: (خيرٌ مِنْ عَيْش مَنْ عاش كدّا)، لأنّ تفضيل العيش المُريح على النكد، مِنْ قبيل توضيح الواضحات، وإنما أراد بيان ابتلائه بالعيش الصعب، بحيث يُفضِّل عيش الحمقى المقرون بالرفاهية، على هذا العيش المُتعب.

ثانياً: لابُدّ مِنَ الإشارة إلى أنّ العرب يقولون عند استخدامهم للقواعد النحوية العادية: (محمدٌ عادلٌ)، ولكنّ علماء البلاغة يقولون: إذا أردتَ المُبالغة في عدالة محمد، فلابدّ مِنَ الإتيان بالمصدر بدل اسم الفاعل، فتقول: (محمد عدلٌ)، كأنّ العدلَ قد تمثّل فيه فأصبح هو العدل، وهكذا في الآية الكريمة، فإنّ البرّ تمثل فيمن آمن بالله واليوم الآخر.

إلا أنّ الجاهل بأساليب البلاغة، قد يتصوّر لأول وهلة خطأ هذا الاستعمال.

ثالثاً: مِنْ أساليب البلاغة المعروفة لدى علماء العربية استعمالُ المَجَاز، وهو بحثٌ واسعٌ وله أنواع كثيرة، منها: التجوّز بحذف المضاف، كما في قوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ والمقصود: واسأل أهل القرية، وحُذِفَ (أهل) مجازاً، وكذلك في الآية مورد البحث، فإنّ الحذف فيها يتصور على نحوين:

إما بحذف (صاحب) في قوله: (ولكنّ البرّ) أي (ولكنّ صاحب البر).

وإما بحذف (برّ)، أي (ولكن البرّ برّ مَنْ آمن)، وهذان مُستعملان في البلاغة بكثرة.

ملاحظات لابدّ منها:

إنّ مَنْ له أنسٌ بأساليب البلاغة القرآنية، ومعرفة بالأهداف الربانية، في هداية البشرية نحو الخير والصلاح، يُدركُ حينئذٍ المغزى مِنْ هذا التغيير في الآية الكريمة، وذلك لأنّ الآية لا تريد بيان مجرّد المفاضلة بين حقيقة الفعل الحسن ومظهره الخارجي، فهذا من قبيل توضيح الواضحات، التي يأبى الإنسانُ الحكيم أنْ تُنسبَ إليه، فكيف بنسبتها إلى ربِّ العالمين؟

ولكنها ترمي إلى معنى أدقُّ وأعمق، ألا وهو الترغيب في فعل الخير، وذلك بالتنبيه على أنّ صورة الأعمال، كالتوجّه في الصلاة نحو جهةٍ ما، وغيرها مِنَ الأمور الشكلية، إذا كانتْ مُجرّدة عن الإيمان والعمل الصالح، فهي ليستْ مِنَ البرّ الذي يريده الله مِنْ عباده.

بل أرادتْ بيان أنّ الفخر كلّ الفخر للأبرار الذين آمنوا بصدقٍ، ثمّ التزموا بما يفرضه عليهم الإيمان مِنَ الأعمال الصالحة، وليستْ الأعمال الشكلية الظاهرية، فالأعمال الصالحة هي كبذل الأموال للفقراء والوفاء بالعهود والصبر في ساحات الجهاد، وكإقامة الفرائض مثل الصلاة بحدودها، وليس الالتزام بقشور الدين وظواهره فقط.

وبهذا التغيير في أسلوب الآية مِنْ مدح البرّ مُجرّداً، إلى الانتقال لمدح المُطبّقين والمُلتزمين بتلك الصفات الراقية، يحثُّ الله سبحانه الناس على التأسّي بسلوك هؤلاء، لأنّ الإنسان بطبيعته مجبولٌ على محاكات الأبطال وتقليد العظماء، فكأنه تعالى يقول لهم: إنهم أناسٌ أمثالكم، ويمتلكون نفس طباعكم وقد التزموا، فيمكنكم أنتم الالتزام أيضاً.

أما لو مدحتْ الآية البرَّ مُجرّداً مِنْ دون مدح المتمسكين بهذا البر، فلا يحصل مثل هذا الترغيب في النفوس، على التأسّي بهؤلاء القدوة مِنَ الناس، لذا ختمتْ الآية قائلة: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾.

سؤال 11: قال: (نصب المعطوف على المرفوع: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء﴾، فلماذا لم يرفع المعطوف على المرفوع فيقول: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون، وليس الصابرين؟).

الجواب: وهذا السؤال نتيجة الجهل بأساليب اللغة العربية أيضاً، فهذا الأسلوب مشهورٌ عند العرب، ونذكر ملاحظة ذکرناها سابقاً توضّح ذلك للقارئ.

فلو تتبّعنا أساليب الفنانين في طريقة الإعلانات، وجدناهم يحاولون جلب انتباه مُخاطبَهم لأهمِّ نقطةٍ في موضوع الإعلان، بتسليط الضوء على أهمِّ كلمةٍ فيه، فلو كان موضوعه الشهادة في سبيل الله مثلاً، لوّنوا كلمة (الشهيد) باللون الأحمر القاني دون باقي الكلمات، للتذكير بالدماء السائلة منه في ساحات الجهاد، حيث ستجلب انتباه القارئ إليها فوراً.

ولو كان الإعلان عن شركةٍ ما، كتبوا اسمها بالخصوص بحروفٍ كبيرة، لِجلب انتباه القارئ إليها، لأنها هي المقصودة بذلك الإعلان.

والقرآن استخدم أروع الأساليب الفنيّة، للتنبيه على أهمية موضوعٍ ما، ومِنْ تلك الأساليب ـ كما في هذه الآية – تغيير سياق الإعراب مِنَ الرفع إلى النصب، بتقدير الفعل (أمدح) أو (أخصّ)، فتكون تقدير الآية كالتالي: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، وأمدح الصابرين….) أو (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، وأخصّ الصابرين….)، فتكون (الصابرين) مفعولاً به لفعلٍ مُقدَّرٍ هو (أمدح) أو (أخصّ)، وليس معطوفاً على ما قبلها مِنَ الكلمات، والتركيز على (الصابرين)، لبيان أهميّة صِفة (الصبر) مِنْ بين باقي الصفات الأخرى، وأمّا لو كانتْ مرفوعة كسابقاتها، لم يحصلْ الانتباه لِقارئِها، ولمَا توقَّف عندها لِيُفكَّر في سبب هذا التغيّر، وسوف يُدرك أهمية الصبر، لأنّ الطاعات تحتاج للصبر عليها، والمعاصي تحتاج للصبر عنها، والمصائب تحتاج للصبر عندها، وساحات الجهاد تحتاج للصبر فيها، وكظم الغيظ والحلم عن الجاهل ووو، كلها تحتاج إلى الصبر، لأنه أساسُ الفضائل، ولا يتحلى به إلا المؤمنون الصادقون، لذا قال الإمام علي ع: (الصبرُ مِنَ الإيمان بمنزلة الرأس مِنَ الجسد) الكافي ج2 ص89، فتنبيه الآية على (الصابرين) لم يأتِ جُزافاً، كما قد يتخيّل أمثال كاتب هذه الاعتراضات.

وهذا الأسلوب موجودٌ في العربية كثيراً، واستعمله القرآن كذلك، ومثلها جملة (المقيمين الصلاة) في قوله تعالى: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون … والمقيمين الصلاة﴾، بمعنى (وأخصّ المقيمين) أو (أمدح المقيمين)، حيث غيّر القرآن الكريم سياق الإعراب في (المقيمين) مِنَ الرفع إلى النصب، لتنبيه القارئ على أهميّة إقامة الصلاة، لـِ (أنّ الصلاة عمودُ الدين …. إنْ قُبلتْ قُبلَ ما سواها) أمالي الصدوق ص739 طبع مؤسسة البعثة.

وكما ذكرنا سابقاً، لو قام أحدُ الخطاطين بكتابة جملة فيها كلمة (الصلاة)، ثمّ لوّنَ (الصلاة) بلونٍ أخضرٍ برّاق تعلوه هالةٌ صفراء نوريّة دونَ باقي الكلمات، فإنّ قارئ الإعلان سوف يتوقف مُفكراً في سبب رسمها خضراء، فيتوصّل إلى كثرة فوائدها، تشبيها لها بالنباتات ذات الفوائد الكثيرة، وأمّا رسمُ الهالة الصفراء، فإشارة للنورانية التي تُحدثها الصلاة في روح المصلي، وهذه الإشارات الجميلة قد لا يلتفتُ لها القارئ، لو كُتِبَتْ كلمة (الصلاة) مثل باقي كلمات الجملة، وهكذا الحال في تغيير نسق الإعراب في الآية المذكورة.

سؤال 12: قال: (وضع الفعل المضارع بدل الفعل الماضي: ﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾، فلماذا قال: كن فيكون، ولم يعتبر المقام الذي يقضي صيغة الماضي لا المضارع، فيقول: خلقه من تراب ثم قال له كن فكان؟).

الجواب: لابدّ مِنْ تقديم مقدمات توضيحية:

أولاً: إنّ الفعل المضارع أظهرُ في دلالتهِ على التحقق والثبوت مِنَ الفعل الماضي.

ثانياً: إنّ استخدام الفعل المضارع عند التحدّث عن الزمان الماضي، يُسمّى في العربية: (حكاية الحال الماضية)، وهو بابٌ واسعٌ وشائعٌ، نستخدمه دائماً في محاوراتنا، فتقول مثلاً: (جاء عليٌ أمسِ يركض)، فالفعل (يركض) مضارع، مع أنك تتحدّث عن الزمن الماضي، أو تقول مثلاً: (في السنة الماضية أقبل عليٌ على فرسه يتقدّمُ باقي الفرسان)، فإنّ (يتقدّم) فِعلٌ مضارعٌ مع أنّك تتكلم عن الماضي، فاستخدام الآية للفعل المضارع (فيكون) حكاية عن الحال الماضية، لتصوير ذلك الأمر تصويرَ مشاهدةٍ، وتجسيمه في أذهان المخاطبين كأنه واقعٌ الآن.

ثالثاً: إنّ استعمال الفعل المضارع (فيكون) يدلُّ على الملازمة بين قوله تعالى: (كنْ) وبين تكوُّن ذلك الشيء وحصوله حتماً، وفيه بيانٌ للقدرة الإلهية المتجدِّدة على إمكانية الخلق، وبذلك يحصل الاحتجاج عليهم، بأنّ الذي يخلق آدمَ مِنْ غير أبٍ وأم، قدرته مستمرّة ومتجدّدة على أنْ يخلق مثل عيسى مِنْ غير أبٍ فقط.