مصطفى قطبي

 عندما نفكر بالواقع الليبي الحالي، وما هو عليه من إشكالية فاجعية تنذر بأبشع العواقب، فإننا نفكر بالمقابل بما يجب فعله من أجل خلاص أو رسم طريق للسلوك يأخذ إلى واقع مختلف. وفي حقيقة الأمر، فإن الحال العربية في ليبيا، وهي الأصعب حالا، تشعرنا بأن أزماتها لا توقف لها وأنها مأخوذة إلى المزيد من القتل والتدمير وربما إلى الأصعب وهو التقاسم أو التقسيم… وأن هنالك شبهًا في المعطيات التي تقوم على تأزيم الوضع فيها مجتمعة، بحيث يمكن القول إن وحدة متراصة من قبل داعمي الحالة تلك هي القائمة فعلا، وهي التي تحرك واقعها المزري بهذا الاتجاه الكارثي.

 

دخلت ليبيا في معترك الانقسام الفعلي من خلال وجود حكومة معترف بها في غرب ليبيا، وهناك وضع عسكري في شرق ليبيا، يحاول استنساخ الحكومة المركزية السابقة بأدوات عسكرية، ومن هناك كان التدخل التركي والغربي لصالح هذا الطرف أو ذاك الأمر الذي جعل المشهد الليبي يدخل في نفق مظلم، ويبدو لي أن الانقسام في ليبيا أصبح أمرا واقعا على صعيد غرب ليبيا وشرق ليبيا مع وجود العمق القبلي الكبير في ليبيا. ومن هنا فإن هاجس التقسيم في ليبيا أصبح أكثر وضوحا، حيث المواجهة العسكرية الأهلية بين الشرق الليبي من خلال قوات حفتر ومن خلال دعم خارجي، وهناك الغرب الليبي من خلال قوات حكومة الوفاق الوطني وأيضا بدعم خارجي.

 

ليبيا أصبحت أسيرة موضوع النهايات التي وصلت إليها من تمزيق داخلي، الصعوبة في إعادة ليبيا إلى ما كانت عليه أنها باتت مرهونة إلى القوى الداخلية التي يتبع كل منها دولة أو مصدرا، وخصوصا بعض العرب وتركيا والحلف الأطلسي والشريك الأميركي، ثم مصر التي لا تقبل أن تكون حدودها مرتهنة لدولة معدومة الوجود، ومن المعروف أن الحيز الأمني المصري يصل إلى بنغازي ويتجاوزها، الأمر الذي يجعل من القاهرة أيضا لاعبا في الداخل الليبي.

 

لقد أصبحت ليبيا في المرحلة الراهنة تعيش حالة غير مسبوقة من الانكشاف، أو الخلل الإستراتيجي في بنيتها الأساسية على نحو بات لا يهدد مفرداتها المتمثلة في الدولة الوطنية فحسب، وإنما وجودها على المستوى العربي. ولا شك أن تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، سيكون المدخل الرئيسي لتجاوز حالة الاختلال الاستراتيجي الراهنة، على نحو سيمكنها من مواجهة التهديدات القائمة سواء داخليا أو خارجيا. وفي هذا السياق، أعلن مجلس قبائل ترهونة عن تأييده لما جاء في خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي حول ليبيا. وأضاف المجلس في بيان له، أن تدخل مصر “في الشأن الليبي هو تدخل مشروع وفق معاهدة الدفاع العربي المشترك… كما قال البيان إن مصر تتدخل اليوم و”نحن نتعرض إلى استعمار تركي يسعى إلى السيطرة على مقدراتنا، ونهب ثرواتنا، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وإحياء الإرث العثماني، علاوة على تحويل ليبيا إلى حاضنة للإرهاب والمرتزقة والدواعش، وإطالة حكم المليشيات التي لا يمكن أن تصدر الخير والسعادة لليبيين مهما طال بها البقاء أو تهيأت لها الظروف”.

 

وبدوره دعا المجلس الأعلى لمشائخ وأعيان ليبيا في وقت سابق، إلى تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك لمواجهة التدخل التركي في ليبيا، بعد سيطرة القوات التابعة لحكومة الوفاق، على قاعدة الوطية الجوية، بدعم تركي. وطالب المجلس الأعلى لقبائل ليبيا، بالإسراع لتدارك الموقف الميداني الخطير، وتفعيل الاتفاقية، ووقف اجتياح الاستعمار التركي للأراضي الليبية .


وللتوضيح، فلا يجوز التعامل مع توجهات الدفاع العربي المشترك على أنه أفكار جديدة بالكلية، فهي حق أصيل في ميثاق جامعة الدول العربية ترجم إلى معاهدة الدفاع العربي المشترك في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وقد شهدت تطبيقات محدودة على أرض الواقع عبر السنوات الماضية ولا يمكن الجزم بأنها حققت الهدف المنشود منها تماماً، وذلك نتيجة ظروف داخلية وإقليمية ودولية جعلت من وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ طول الوقت ضربا من الخيال لأسباب يطول شرحها، ولكن الدفاع العربي المشترك لم يقف عند حدود المعاهدة المذكورة وإنما أخذ أشكالاً مختلفة ومتنوعة عبر السنوات الماضية بين أطراف عربية عديدة…

 

وبتسليط الضوء على الواقع العربي، فإننا لا نجد كتابا أو دراسة سياسية تناولت منظومة الدفاع العربي، إلا وتظهر مسميات اتفاقيات عديدة تم توقيعها بين الدول العربية كلها أو مجموعة منها، من أهمها اتفاقية الدفاع العربي المشترك عام 1950 والتي جاءت بعد عامين من النكبة الفلسطينية عام 1948 وتميزت بالكثير من البنود الحاسمة التي دعت في مجملها إلى التصدي لأي عدوان على المنطقة العربية تصديا عسكريا مشتركا، غير أن الحال عكس غير ذلك، فقد أحاطتها الإخفاقات وترتب على ذلك المساعي اللاحقة لها بين الدول العربية لإيجاد صيغة دفاع مشترك تلبي الحاجة الفعلية لهذه المنظومة، فظهرت اتفاقيات ثنائية وأخرى متعددة الأطراف شملت مجموعة محددة من الدول العربية كاتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي على سبيل المثال، لكن لا تزال هناك بعض جوانب القصور في التفعيل ينبغي إعادة النظر فيها خاصة في ظل ما تشهده المنطقة العربية بأسرها من اختلافات وصراعات ونزاعات. فأصبحت الحاجة الاستراتيجية والموقف السياسي يتطلب إدراج القوى الخارجية في مثل هذه الاتفاقيات بخاصة وأننا أصبحنا نعيش في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى مثل أمريكا وروسيا على إعادة التعددية القطبية في النواحي العسكرية والأمنية.


وبالاعتقاد، بل من واقع الجزم، فإن الأقطار العربية مطالبة بتوحيد جهودها وممارساتها بعدما فشل كل قطر وحده من إيجاد الصيغة لإنقاذ ذاته من المؤامرة الهائلة التي وصلت ذاك التعميم. وتوحيد الجهود سيقود بالضرورة إلى تشكيل قوة مشتركة بين تلك الأقطار… أن الإيمان بوحدة الدفاع عن المصير العربي الواحد هي الطريق الأسلم الذي من خلاله يتم تأمين السلامة لكل قطر…


وبكل هدوء نسأل: لماذا لا تمد اليد إلى ليبيا… ونحن نعلم أن الإمكانات متوافرة… الذين يخوضون معارك تخريب العالم العربي تمكنوا من تشكيل وحدة هدف ثم وحدة مصير ثم وحدة قتالية، بل إنهم اجتمعوا على تمزيق الأقطار العربية المشار إليها كأساس ينطلقون من خلاله إلى ما هو مرسوم لهم، ومن الأسف القول إن الذي خطط هو الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن ينفذ هم أدوات بيدها، فلا جدوى إذن من دفاعات كل قطر عن نفسه وعن ذاته الثمينة، لأننا بذلك نطبق المثل القائل أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

 

إن مسؤولية ضخمة بل وتاريخية تقع على عاتق القيادات العربية، والمقصود هنا هي القيادات الوطنية العربية القادرة على إدراك مسؤولياتها في الحفاظ على مقدرات ووحدة وتماسك الدولة الوطنية العربية، وليس منها بالتأكيد القيادات الميليشياوية، أو قيادات المعارضة التي تسكعت على أبواب القوى المعادية، بما فيها إسرائيل، ولا القيادات الإرهابية، ولا المتطرفة النافية للآخر.


ومن المؤكد أننا نثق في وطنية نخبنا ومثقفينا الوطنيين، ولكن من المهم والضروري التحذير من هؤلاء الذين يجعلون من أنفسهم أدوات لتحقيق أطماع القوى الخارجية، دولية أو إقليمية، تحت أي مبرر، وحذار أيضا من بيع الأوطان، أو الفرح بمكاسب تقسيمها، لأنها مكاسب سريعا ما تتبخر، وتترك الجميع يلعق جراحه، ويندم على تفريطه في وحدة الدولة والوطن، حيث لا ينفع الندم، ولعل ما حدث ويحدث، في ليبيا يدفع البعض إلى إعادة التفكير، والتوقف عن العمل وعن الدعوة لهدم الدولة الوطنية الليبية، مهما كانت المبررات أو بريق المكاسب الآنية السريعة.

 

ومع إدراك أن هناك أصواتا غير قليلة تميل، أو تدعو بشكل مباشر أو غير مباشر للتماهي مع خرائط التقسيم المعلنة وغير المعلنة فإنه لم يعد هناك مناص، ولا مفر من مواجهة دعواتهم الهدامة، بكل السبل الممكنة، لأنها ببساطة ضد المصالح الوطنية للدولة الليبية، وعلى النخب الليبية الوطنية القيام بدورها في هذا المجال، سريعا ودون إبطاء، والعمل على تجاوز محاولات التشكيك المتبادل، وإيقاظ الأحقاد القبلية في المجتمع الليبي، الذي استطاع الترفع عليها وتجاوزها، بشكل كبير خلال العقود الماضية.

 

خلاصة الكلام: لا شك أننا كأمة بات مصيرها معلقا في الهواء بعدما تم لأقطارها أن تقاتل من أجل مصيرها، ولقد نجح المنفذون أو ما يسمى عدة الشغل في التحكم بواقع كل قطر على حدة، في أكبر عملية هجوم عليه، وحتى الآن يمكن القول بكل أسف، إن الصورة الواضحة في الأقطار المصابة أنها تتعرض مصيريا لأبشع حملة تصفية لإنسانها ودولتها ونظامها وجيشها وعقولها وقدراتها وخاماتها ومجتمعاتها… صحيح أننا لا نفقد الأمل، لكننا نريد إعادة صياغة الحالة الدفاعية للأمة العربية في ضوء القدرات المتاحة لكل قطر عربي.

باحث وكاتب صحفي من المغرب.

أقرأ المزيد..

مستجدات الازمة المصرية الليبية بعد تصريحات السيسي

الجيش الوطنى الليبى: مصر شريك حقيقى لضمان أمن البلاد

البرلمان الليبي يعلق على تصريحات السيسي بشأن ليبيا

السفينة الايرانية السادسة الى فنزويلا تحمل مواداً غذائية

مستشار أردوغان: لماذا يهددون باستخدام القوة؟

الحوثي: لا ننصح الأخوة في مصر بالتدخل العسكري في ليبيا

لماذا رفض المرشد مبادرة أمريكية جديدة رغم موافقة روحاني وظريف

هل تتوحّد الدول المغاربية في مواجهة الغزو التركي لليبيا…؟

وزير خارجية إثيوبيا: سنملأ سد النهضة الشهر المقبل سواء بالاتفاق مع مصر أو دونه

الحرس الثوري يكشف لأول مرة كيف قصف “الطائرة الأمريكية التي أقلعت من الإمارات”