يُعد أحد أكثر المشاهد خلودًا في ذاكرة المسرح المصري، هو مشهد كمال بك وهو يقوم بتدريب صدفة بنت الحارة على قواعد الأصول والإتيكيت الراقي، وكيفية شرب القهوة، في رائعة “سيدتي الجميلة” للكبيرين فؤاد المهندس وشويكار، وبالفعل فإن قواعد الاتيكيت ليست غربية كما يعتقد البعض فحضارتنا سواء المصرية القديمة أو الإسلامية كان لها السبق في وضع قواعد فن التعامل، بل وهي الأصل في نشرها للعالم.

وتأتي القهوة في مقدمة المشروبات التي لها قواعد وأصول سواء في التقديم أو الصنعة أو الخلطة، وكما يقولون فإن الناس في شرب القهوة لأمزجة.

يقول شريف فوزي المنسق العام لشارع المعز لدين الله الفاطمي، إن القهوة كانت من السلع المحتكرة من قبل الدولة العثمانية، منذ اكتشافها فى اليمن، وحتى وصولها إلى مصر، حتى صار لها عدة قواعد وأصول في شربها وتقديمها، وعلى الرغم من أن تقديمها لم يقتصر على منازل علية القوم، حيث قدمت في بيوت القهوة “المقاهي” لعامة الشعب، إلا أن القهوة ظلت ذات قواعد في البيوتات الراقية.

وعن قواعد شرب القهوة فى بيوت الأسر المتوسطة وبيوت علية القوم في مصر زمن القرن ١٩ يقول شريف فوزي إن الطبيب الفرنسى الشهير كلوت بك وصف حفلة من حفلات القهوة، فى كتابه الشهير لمحة عامة إلى مصر، وشرح قواعد تقديم القهوة وشربها، ووصف شكل ومادة الفناجين وظروفها.

ويحكي كلوت بك قائلًا إن القهوة يجب أن تُشرب في آنية صغيرة من الخزف الصينى واسمها “الفنجان”، وشبه الفنجان بقشر البيضه المقطوعة نصفين، ويوضع الفنجان فى قوائم يسمونها “الظروف” تُصنع عادة من الفضه او الذهب أو المينا، وترصع أحيانًا بالأحجار الكريمة أما عامة الشعب فظروف فناجينهم من النحاس، والظرف مفرد ظروف هو الآن الطبق الصينى أو الخزفى الذى يوضع عليه فنجان القهوة.

وأكمل فوزي قائلًا إن كلوت بك وصف شكل تقديم القهوة حيث كان يتم تقديم من عشرة إلى إثنى عشر فنجان بظروفهم فى صينية من النحاس أو الفضة وفى الوسط منهم “كنكه” القهوة المعدنية وتُغطى الصينية بقماش مزركش بالذهب أو غيره.

وأضاف فوزي أن الخادم كان يقوم بتقديم القهوة ممسكًا الظرف “طبق الفنجان” من أسفله بأطراف الأصابع فيتلقاه الزائر بالقبض على الظرف بالإبهام والأصابع الثلاثة.

وأشار فوزي أن الناس في القهوة مقامات، حيث كان يتم تقديم القهوة أولًأ للأعلى مقامًا فإن وجد أكثر من واحد من ذوات المقام العالي أو الرتب تقدم إليهم القهوة فى وقت واحدا احترامًا لهم.

وعن طريقة رشف القهوة قال فوزي إن كلوت بك ذكر في كتابه أنه من المخالف للذوق أن تُشرب القهوة مصًا بطرف الشفتين، وكذلك يتم شربها من غير إمالة الفنجان، وهذا هو السر في صغر حجم الفناجين.

وأضاف أنه من كان يريد من الحاضرين إظهار الاحترام للمزور باعتبار كونه أرفع منه شأنًا فعليه أن يتحول برأسه عنه تحولا خفيفا وأن لا يشرب من القهوة إلا اليسير، وهو ما يماثل قمة الذوق واللياقه الأدبية والإتيكيت حاليًا، التي كانت منتشرة في مجالس مصر وبيوتاتها، ويتم اتباعها في كل المناسبات منذ أكثر من مائتي عام.

حسام زيدان

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here