الفصل الثاني

استيقظا في الصباح الباكر، فطلب سمير مِنْ زوجته الذهاب خارج المدينة، لتناول الإفطار في إحدى البساتين هناك، وافقتْ على تلك الفكرة برحابة صدر، فاستعدّ سمير وهيّأ كلّ المُستلزمات، واستقلا سيارتهما وسارا بسرعةٍ نحو أحد البساتين الجميلة، فلمّا استقرا وجلسا في فسحة منه، لدغ عنكبوتٌ يدَ سمير فصرخ مُتألماً، وقال لصباح بغضب: قولي لي وأنتِ تدرسين في كليّة العلوم، ما فائدة هذه العناكب؟

صباح: أولاً: إنّ سمّ العناكب والعقارب والحيّات والزنابير، أصبح اليوم مصدراً مُهمّاً لصناعة الأدوية المختلفة.

سمير: كنتُ أتصور بأنّ السموم عند الحيوانات هي للدفاع عن النفس فقط، وإنْ كنتُ قد سمعتُ عن استخراج الأدوية مِنْ سمّ الأفاعي، لذا يضعون صورة أفعى حول قيفٍ علامة على الطبّ، ولم أسمع عن أدوية مِنْ سموم بقية الحشرات.

صباح: كذلك الأمر بالنسبة لاستخراج الأدوية مِنْ سموم باقي الحشرات، وثانياً: هل تعلم بأنه لولا العناكب، لملأتِ الحشرات سيّما الذباب، الفضاء حول الكرة الأرضية.

سمير: (مُتعجباً) وماذا تقصدين بذلك؟

صباح: يقول علماء الأحياء بأنّ الذباب مثلاً، وبسبب سرعة تكاثره الكبيرة، فإنه لو تُركَ مِنْ دون أنْ يصيده أحد، فسوف يملأ جميع الفضاء الذي حولنا، وربما سوف يصعب علينا تنفس الهواء بسبب كثرته، لكنّ الله سبحانه خلق ملايين العناكب، التي تنصب شباكها في كلّ مكان، لتقضي على القسم الأكبر مِنْ ذلك الذباب.

سمير: سبحان الله، إنه توازنٌ عجيب، ولكنْ ما فائدة كثرة الذباب؟

صباح: كم لدينا مِنَ الفواكه والخضار والحبوب في الدنيا؟

سمير: لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ولكنْ ما علاقة ذلك بموضوع الحشرات.

صباح: لولا الحشرات ومنها الذباب، لما حصلنا على كثير مِنْ أنواع الفاكهة والخضار والحبوب.

سمير: وما هي رابطة الحشرات بتكوّن هذه المحاصيل؟

صباح: لأنّ كثيراً مِنَ الأزهار يتمّ تلقيحها عن طريق الحشرات.

سمير: لقد مرّ عليّ في المتوسطة والإعدادية موضوع تلقيحها، لكني نسيتُ ذلك تماماً.

صباح: النباتات بعضها ذكرية وبعضها أنثوية، وما لم يتمّ التزاوج بينها فلا تتكوّن الثمار والبذور، والحشرات تقف على الأزهار فتنقل حبوب اللقاح مِنَ الأزهار المذكرة إلى مبايض الأزهار المؤنثة فتلقحها، وبهذه الطريقة تتكون الثمار والخضار والحبوب، ولولا هذه الحشرات لما تكوّنت كثيرٌ مِنْ هذه المحاصيل الزراعية.

سمير: سبحان الله، حقاً إنّ كلّ شيءٍ خلقه الله لابدّ أنْ يكون فيه حِكمة، أمّا دراستنا في كلية الاقتصاد، فبعيدة عن مثل هذه الأمور اللطيفة، ولكن يتبادر إلى ذهني سؤال.

صباح: تفضل يا عزيزي.

سمير: إذا كانت الحشرات تلقح الأزهار، وتصبح فيما بعد فاكهة وغيرها مِنَ البذور، فلماذا تتسلط الحشرات على الفواكه والحبوب بعد نضجها فتفسدها؟

صباح: العلم لا يملك جواباً عن ذلك، ولكني سمعتُ حديثاً عن الإمام الصادق ع، يُجيبُ به مَنْ سأله هذا السؤال.

سمير: وبماذا أجاب الإمام؟

صباح: قال عليه السلام ما مضمونه: لولا أنْ مَنَّ الله على العباد بهذه الحشرات فتفسد الفاكهة والحبوب…

سمير: (مقاطعاً) ماذا قلتِ؟ مَنّ الله بها على العباد، يعني أنّ إفسادها للفاكهة هي نعمة مِنَ الله على العباد؟!

صباح: نعم.

سمير: وكيف؟!

صباح: يُكمل الإمام ع قائلاً: بأنه لولا ذلك، لاكتنزها الملوك والأغنياء أكثر مما يكتنزون الذهب والفضة، ولَمَا وصَلتْ إلى أيدي الفقراء، ولكنهم بسبب خوفهم مِنْ فسادها، يسارعون لإرسالها إلى الأسواق، كي تباع بسعر جيّد قبل فسادها، فتصل حينئذٍ لأيدي الفقراء.

سمير: (يفكر مَليّاً بما قالته نقلا عن الإمام الصادق ع) أعتقد بأنني لو بقيتُ طولَ عمري أفكر بهذا الموضوع، لما اهتديتُ إلى معرفة هذه الحِكمة الربانية العجيبة.

صباح: حقاً إنها حكمة عجيبة، لا تدركها عقولنا القاصرة.

سمير: أفهم مِنْ كلامك بأنّ الحشرات قد خُلقتْ لأجل الإنسان؟

صباح: كلُّ ما في الأرض مخلوقٌ لأجل الإنسان ولخدمته ومنافعه.

سمير: كلُّ ما في الأرض؟! لا أتصور ذلك يا عزيزتي، قد يكون معقولاً أنّ الأشجار في هذا البستان مثلاً مما ينتفع به الناس، فأثمارها وخشبها نافعة لمالكيها، وأمّا نحن فننتفع بجمالها، لكنْ ما هي علاقتنا بجميع النباتات الموجودة في كلِّ بقاع الأرض؟

صباح: ألا تعلم بأنّ جميع النباتات، مسؤولة عن إعادة التوازن للأوكسجين في الجو؟

سمير: مرّ عليّ مثل ذلك في أثناء الدراسة، لكني نسيتُ تفاصيله الآن.

صباح: نسبة الأوكسجين في الجو تعادل 21 في المائة، فإذا نقصتْ هذه النسبة اختنقت الكائنات الحيّة وربما ماتتْ، وإذا زادتْ عنها انتشرت الحرائق في كلّ مكان.

سمير: ولكننا نتنفس الأوكسجين ونزفر ثاني أوكسيد الكاربون، وكذلك باقي الحيوانات والنباتات، وآلاف المعامل والسيارات ووو، تحرق الأوكسجين وتحوّله إلى ثاني أوكسيد الكاربون، فكيف تبقى نسبة الأوكسجين ثابتة في الجو؟

صباح: وجود ملايين النباتات الكبير منها والصغير في الأرض، هي التي تقوم بأخذ ثاني أوكسيد الكاربون أو غاز الكاربون مِنَ الجو وطرح الأوكسجين فيه، ضمن عملية التركيب الضوئي، وبذلك تبقى نسبة الأوكسجين ثابتة.

سمير: سبحان الله، أتصور بإنّ نظرتي للكون قد تغيّرت اليوم كثيراً، بفضل معلوماتكِ القيّمة والرائعة، واسمحي لي بسؤالٍ آخر، إذا كانت النباتات لها دخل في حفظ توازن الأوكسجين الذي نحتاجه للتنفس، فماذا عن فائدة المياه في المحيطات والبحار والأنهار، خصوصاً البعيدة عنا والتي لا علاقة لنا بها؟

صباح: عرفنا أهميّة النباتات للإنسان، ولكنْ كيف تنمو هذه النباتات؟ أليس بسقيها بواسطة المياه حتى تبقى حيّة، هذا لو غضضنا النظر عن باقي فوائد المياه.

سمير: أحسنتِ، فلولا مياه الأمطار والأنهار لماتت النباتات، بل لماتتْ كلُّ الأحياء، ولكن ماذا عن الحيوانات خصوصاً الوحشية منها، المنتشرة في الغابات والصحارى والمحيطات البعيدة عنا، لا أظن أنّ هناك فائدة لنا في وجودها.

صباح: سأذكر فائدة واحدة، ولا أدّعي معرفتي بجميع العلوم والمصالح والمنافع، فلو أنّ جيف الحيوانات الميِّتة تُركتْ بحالها، فماذا سيحدث للهواء الذي نتنفسه؟

سمير: أظنّ بأنّ الجو سوف يمتلئ بالروائح الخبيثة والنتنة، لأنّ قطة ماتتْ قرب محلتنا، تسببّتْ في انتشار الروائح الكريهة لِعِدّة أيام.

صباح: فما ظنك بمئات الآلاف مِنَ الحيوانات، التي تموت في البحار والغابات والصحارى؟

سمير: إذن سوف تجيف الأرض، ولكن ما الذي منع انتشار هذه الروائح النتنة؟

صباح: وجود هذه الحيوانات المفترسة والحشرات والبكتريا التي تأكل هذه الجيف، هو الذي أبقى جوّ الأرض سالماً ونقيّاً مِنْ تلك الروائح.

سمير: سبحان الله، لكنْ هل قولك أنّ كلّ ما في الأرض مخلوقٌ لِخدمة الإنسان، هو استنتاجك الشخصيّ أم لديك أدلة على ذلك؟

صباح: بل هذه حقيقةٌ أثبتها القرآن الكريم.

سمير: أين أثبتها؟

صباح: قال تعالى في سورة الحج آية 65: {ألم ترَ أنّ الله سخّر لكم ما في الأرض}.

سمير: عجيب، كأني لم أقرأ هذه الآية.

صباح: وقال في سورة الجاثية آية 13: {وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إنّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون}.

سمير: ماذا، السماوات هي أيضاً مُسخَّرة للإنسان؟     

صباح: نعم، قال تعالى: {وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار}.

سمير: صحيح، حرارة الشمس هي التي أبقتْ الحياة على وجه الأرض، فلو ابتعدتْ الأرض عن الشمس، لجمد كلُّ شيء ولماتت الأحياء، كم أنا غافلٌ عن هذه الأمور.

صباح: وكذلك النباتات الحاوية على المادة الخضراء (الكلوروفيل)، فإنها تقوم منذ آلاف السنين بواسطة عملية التركيب الضوئي، بصنع كلِّ أنواع الغذاء مِنْ فواكه وحبوب وخضار، وذلك بواسطة نور الشمس، وهذا ما تعجز عنه كلُّ مختبرات الدنيا، ثم لولا الشمس لاختلّ نظام المجموعة الشمسية، ولما بقيتْ الكواكب في أماكانها ومنها كوكب الأرض، بل لانتثرت وتفرّقت في الفضاء.

سمير: صدقتِ يا عزيزتي، ولكن ماذا عن القمر؟

صباح: لولا نور القمر في الليالي المُقمرة، لكانت الأرض مظلمة ليلاً، ولولاه لما عرف الناس الأشهر القمرية، التي نحتاجها لمعرفة أوقات الصوم والحج، وللقمر تأثيرٌ كبيرٌ على حركة مياه الأرض.

سمير: لم أسمع في حياتي بأنّ للقمر تأثيراً على المياه، وأظنّ أنّكِ تمزحين هذه المرة.

صباح: كلا، بل هي حقيقة علميّة ثابتة، ويعرفها الفلاحون أيضاً.

سمير: وكيف ذلك؟

صباح: هل سمعتَ بظاهرتي المدّ والجزر؟

سمير: الله أكبر .. ما هذا النسيان الذي يسيطر على ذهني، لقد سمعتُ تقاريرَ علمية عن تأثير القمر على المدّ والجزر في البحار، وكانتْ المعلومة مُدهشة لي في حينها.

صباح: قال تعالى: {ألم تروا أنّ الله سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومِنَ الناس مَنْ يُجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}.

سمير: لا إله إلا الله، ما أجمل هذه الآيات وأروعها، كأنها نزلتْ الآن لتجيب عما يدور في أذهاننا مِنْ تساؤلات.

(فجأة يرتفع صراخ قطتين وهما يتصارعان بل يتقاتلان، فتجفل صباح مِنْ صراخهما، وترتجف ثمّ تقفز خلف زوجها مُحتمية به، والعرق يتصبّبُ مِنْ وجهها)

صباح: سمير .. سمير .. ما هذا الصياح والصراخ؟

سمير: (مقهقهاً بصوتٍ عالٍ) ما هذا الخوف يا عزيزتي، فالمؤمن لا يخاف.

صباح: المرأة ضعيفة في خلقتها، وهي تحتاج لمن يحميها، وهذا هو دور الزوج.

سمير: لا تخافي يا عزيزتي، فلو هجمتْ كلُّ وحوش الأرض، فسوف أحميك منها.

صباح: (تضحك مِنْ قول زوجها وتهدأ نفسها) أشكرك يا عزيزي.

سمير: لا شكر على واجب، والآن أخبريني عن قتال هذه الحيوانات فيما بينها، فكلما أشاهد أفلام عالم الحيوان، أستغرب مِنَ القتال الموجود بينها، فهل فيه حِكمة أيضاً؟

صباح: نعم، إنه لتحسين النسل لدى الحيوانات.

سمير: أظنُّ بأني سوف اُجَنُّ هذا اليوم، مِنْ غرابة المعلومات التي أسمعها منكِ.

صباح: أولاً إنّ الذين يتقاتلون فيما بينهم هم الذكور عادةً.

سمير: صحيح، هذا ما لاحظته بنفسي عند مشاهدتي لأفلام عالم الحيوان، ولكنْ ما علاقته بتحسين النسل؟

صباح: عندما يتقاتل الذكور، فإنّ الأقوى منها هو الذي يغلب صاحبه، وهذا الغالب هو الذي سوف يتزوج بالأنثى، وبهذه الطريقة سيكون الذي يتزوج بالأنثى، هو الأقوى بُنية والأصحّ جسماً، وبذلك سوف تتولد حيوانات تمتلك صفاتاً وراثية قويّة، ترثها مِنْ هذا الحيوان الذكر القويّ.

سمير: (ينظرلزوجته بإعجابٍ شديد) بارك الله فيك على هذا التوضيح، فقبل قليل كنتُ أتصور بأنك تبالغين، فما كان يخطر بذهني أنّ هذا العراك بينهم، هو السبب في تحسين النسل لديهم، ولكنْ بشرحكِ اللطيف قد توضّحتْ الحقيقة.

صباح: لا يوجد شيءٌ خلقه الله في هذا الكون، إلا وفيه مصلحة للإنسان ومنفعة.

سمير: سبحان الله .. لا إله إلا الله .. وأخذ يتمتم بيتاً مِنَ الشعر بينه وبين نفسه:

راح يقوى على المدى إيماني * فبربي قد امتلى وجداني

صباح: وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ * تدلُّ على أنه واحدُ

سمير: الله.. ما أجمله مِنْ شعر، والآن فقط أدركتُ السبب والعلة التي تجعل ملكة النحل تطير خارج الخلية عند التزاوج، فيطير خلفها جميع ذكور خلية النحل، ولكنهم يتساقطون واحداً بعد آخر مِنَ شدّة التعب، حتى لا يبقى إلا واحدٌ منهم، فيقوم عندئذٍ بتلقيحها، ولم أكنْ أفهم الحِكمة مِنْ ذلك سابقاً.

صباح: وماذا تعتقد الآن؟

سمير: أعتقد أنّه لغرض تحسين النسل كما تفضّلتِ، حيث سيُلقحها أقوى الذكور، فتنتقل الصفاة الوراثية الجيّدة منه إلى النسل الجديد.

صباح: أحسنتَ يا عزيزي، فموضوع ملكة النحل لم يطرق بالي قبل اليوم.

سمير: (يصيبه الفخر مِنْ شرحه لهذا الموضوع) عفواً يا عزيزتي، فهذه اللفتة سببها حديثكِ، ولولاه ما انتبهتُ لها، والآن ما رأيك أنْ نذهب اليوم إلى البحيرة، ويكون غداؤنا هناك عند ساحلها؟

صباح: ولكننا لم نجلب شيئاً للغداء؟

سمير: هناك يُباع السمك المسقوف، وهو لذيذٌ جداً.

صباح: فكرة جميلة، لنذهب إلى هناك إذن.

سمير:هيا على بركة الله.