المقدمة

تكتضُّ المكتبة الأدبية العربية بقصص كثيرة، يطغى على أغلبها طابع الحب والغرام، وليس لها هدف سوى التركيز على إثارة الغرائز الجنسية لدى الشباب، والغاية منها ـ إذا أحسنا الظنَّ بهم ولم نقلْ بأنّ غاياتهم إفساد مجتمعاتنا ـ هو الكسب التجاري والربح المادي السريع، لِعِلم مؤلفيها بانجذاب نفوس الشاب في دور المراهقة خاصّة، لِمثلِ هذه القصص الغرامية الخياليّة، والتي تدغدغ عواطفهم عادةً وتستهوي قلوبهم غالباً، حتى يعيشوا لحظات قصيرة مِنْ أعمارهم، في عالم من الخيال الورديّ والأحلام الجميلة.

لكنّ هذه المكتبة العربية ـ ومع الأسف الشديد ـ تفتقر إلى القصص الأدبية الهادفة، التي تأخذ بيد الشباب إلى الثقافة الحقيقية والسعادة الواقعية، التي تبتني على أساسٍ من الثقافة العلميّة للفرد والمجتمع، حيث تؤدِّي بهم للعلم اليقيني القاطع بالمبدأ والمعاد، والإيمان القويِّ الراسخ بالغاية التي من أجلها خُلِقَ الإنسانُ في الأرض، علماً بأنّ الطريق الوحيد للوصول إلى ذلك كله، هو العلم العقل والإيمان والأخلاق.

فكلما ازداد المرء علماً بما يحيط به من قوانين عجيبة وكائنات غريبة، أودعها الله سبحانه في نفسه أولاً، وفي هذا الكون الواسع الفسيح ثانياً، حيث لا تنتهي تلك المُكتشفات العلمية كلّ يوم في مختلف المجالات، سواء كانت في الفضاء الكونيِّ الشاسع، بما يتكوّن مِنْ مجرات وشموس وكواكب، أو في أعماق البحار المظلمة وما تضمُّ مِنْ كائنات مُدهشة ومُحيِّرة للعقول، أو في أدغال الغابات الكثيفة، وما تحويه من نباتات عجيبة وحيوانات غريبة متنوعة.

فإنه سوف يزداد يقينه ويقوى إيمانه، كلما ازداد علماً ومعرفة واطلاعاً على ما في الكون من أسرار، وسيؤثر ذلك بالتبع على سلوكه وأعماله، لأنّ العلم واليقين يدعوان للأعمال الصالحة، ويحثانه على خدمة البشرية والسعي في منافعهم، فيحصل بذلك على الراحة النفسيّة والاطمئنان الروحي، وعلى السعادة المنشودة في الدنيا والآخرة.

وهذه القصة التي بين يديك أخي القارئ الكريم، هي محاولة متواضعة ومساهمة صغيرة للأخذ بيد مجتمعنا إلى بر الإيمان والأمان والسعادة والسلام في الدارين، ونرجو أنْ يكون هذا العمل الأدبي العلمي، سادّاً لبعض الفراغ في هذه المكتبة الأدبية أولاً، وللحصول على رضا الله سبحانه وتعالى، بنشر الوعي والثقافة المطلوبة بين الأجيال الحاضرة والقادمة ثانياً، لأنّ المجتمعات التي يُسيطر عليها الجهل والأميّة، لا ترتقي في مدارج العلم والكمال والسعادة، ويسيطر عليها الأعداء بسهولة

الفصل الأول

عاشتْ الفتاة صباح مع ابن عمّها سمير في بيتِ جدّهما الكبير منذ صغرهما، حيث كان الجَدُّ قد أعطى والديهما غرفةً لكلٍّ منهما، فتزوجا وأنجبا عدّة أولاد، إلا أنّ سمير كان مُتعلقاً بابنة عمّه صباح منذ صغره، لتقارب عمريهما وجمالها وحسن أخلاقها، فكانا يلعبان ويرتعان معاً،

ويقضيان أكثر نهاريهما سويةً، ولمّا بلغا سنّ المراهقة والشباب، قلّ لقاؤهما وانفصلا عن بعضهما، لأنّ الأعراف السائدة في أسرتيهما، لا تسمح باللقاء الدائم بينهما، إلا أنهما اتفقا سرّاً على أنْ يتزوجا معاً مهما تغيرتْ الظروف، نجحا في امتحانات البكلوريا العامة، وقُبلتْ صباح في كلية العلوم، بينما قُبل سمير في كليّة الاقتصاد، اجتهد سمير في دراسته لكي ينجح بتفوقٍ في كلّ السنين،

حتى يساير نجاحها هي في دراستها أيضاً، حيث كانت تتصف بالبحث المنطقي والعلمي في جميع مراحل دراستها، وكانت هذه الصفة تثير إعجاب سمير بها وإكباره لها، وكان يُتابع أخبارها اللطيفة في الجامعة، حيث لم تكن تكلم أحداً مِنْ زملاء صفها، فكان ذلك يسرّه كثيراً، لاطمئنانه بعدم وجود شخصٍ في حياتها غيره، ولمّا أكملا دراستيهما تقدّم سمير لِخطبة ابنة عمِّه، فكلمها أولاً قبل أنْ يُفاتح أهلها، لكنه تفاجأ وصُعِقَ حين رفضتْ طلبه، اسودّتْ الدنيا بوجه سمير،

وانهارتْ جميع أحلامه الورديّة، التي بناها في مخيّلته طول هذه السنين، وسالتْ الدموع على خدّيه بغزارة، لم تلتفتْ صباح لدموعه لأنها طأطأتْ رأسها نحو الأرض، مسح دموعه بكمّيه وتسمّرتْ قدماه فلا يستطيع حراكاً ولا كلاماً، ودّعتْه هي على استحياءٍ منها، ثمّ أدارتْ وجهها وسارتْ أمتاراً، استعاد سمير بعض قواه وهرول نحوها مُنادياً إياها للتوقف، واستفسر منها عن السبب في رفضها، وذكَّرها بالعهد الذي بينهما، احمرّ وجه صباح حياءاً، لأنّ الناس في الشارع قد انتبهوا إليهما، فتمتمتْ بصوتٍ منخفضٍ قائلةً: سوف أجيبك في المُستقبل، ثمّ سارعتْ بالابتعاد عنه وسط ذهوله ودهشته.

فكر سمير بطريقةٍ يستطيع بواسطتها معرفة السرّ وراء رفضها، وأخيراً تفتق ذهنه عن فكرةٍ ذكيّة، حيث أرسل أخته الكبيرة، لاستطلاع حقيقة الأمر مِنْ ابنةِ عمّها، فصارحتها صباح بأنّ سميراً غيرُ مُلتزمٍ بأحكام الدين، وهي رغم حبِّها الشديد له منذ صغرها، إلا أنها لا تريد الزواج مِنْ شخصٍ لا يشاركها في العقيدة،

لإنّ حُسنَ العاقبة أهمُّ رصيدٍ يملكه الإنسان في حياته، ليكون سعيداً في دنياه وآخرته، أقرّتْ أخته لها بذلك، لكنها أصرّتْ عليها بأنْ توافق على الزواج منه، وأنْ تقوم هي بالتأثير عليه ودعوته للدين، بخلقها الجميل وسلوكها اللطيف واعتقادها الراسخ، خصوصاً أنه يَكُنُّ لها احتراماً فائقاً، وأنه لا يُعادي الدين ولا يكره المؤمنين، بل إنّ ظروفه الجامعيّة، هي التي جعلته يترك صلاته وصيامه.

بعد الإلحاح الشديد والحديث المديد، فكرت صباح طويلاً حتى اقتنعتْ بفكرة ابنة عمّها، لكنها طلبتْ منها بإصرار، أنْ لا تُخبر سميراً بالسبب الحقيقيّ، وأنْ تقول له: إنّ ظروف صباح الآن لا تساعدها على الزواج، ثم بعد مُدّةٍ مِنَ الزمن، فليتقدّم إلى أهلي ويخطبني منهم، وإنْ شاء الله لا يكون إلا خيراً.

خرجتْ الأخت وهي تكادُ تطيرُ مِنَ الفرح، لكنّ صباح أمسكتْ بيدها وأكَّدتْ عليها بشدّة، أنْ لا تخبره مُطلقاً، لأنه إذا علم السبب الحقيقيّ، فلا تستطيع بعد ذلك التأثير عليه أبداً، فعاهدتها أختُهُ بأنْ لا تخبرَه بالحقيقة، خصوصاً وأنها تتمنى لأخيها أنْ يهديه الله على يديها، للإلتزام بدينه الحنيف مُجدداً، وأنْ يعود لصلاته وصيامه.

مضى اُسبوعان فقط فلم يصبر سمير على أكثر مِنْ تلك المُدّة، ثمّ تقدّم مع والديه لِخطبتها مِنْ أبويها، فما كان منها إلا إعلان موافقتها فوراً، فازداد سروراً وحبوراً، وتمّ الزواج بأسرع ممّا كان يتصوّر، ودخلا عشَّ الزوجيّة وهما في قمّة السعادة، وفي ليلة الزواج بادرتْ صباح إلى الإتيان بالوضوء أمام زوجها، قائلة له: ما رأيك في أنْ نؤدّي الصلاة أولاً قبل كلِّ عمل، فأبدى موافقته فوراً، وسارع هو أيضاً للوضوء ثم قام يصلي معها.

شكرتْ صباح الله كثيراً على نجاح أول خطوةٍ لها في هذا الطريق، وهي تعلم بأنّ سمير استجاب لها حياءً وليس عن قناعة، لكنها اعتبرتها نصراً وتوفيقا مَبدئيا لها، ودَعَتِ الله أنْ يوفقها في باقي خطواتها، نحو هدايته للطريق المرضيِّ عند الله.