بسم الله الرحمن الرحيم

ويمکن أن يُستدلّ علی ضرورة الحکومة الإلهية أيضاً من خلال نفس فعله تعالی في إنزال الشرائع ونصب المجري لها ، فإنّه تعالی لا يفعل شيئاً هکذا جزافاً ومن غير علّة ، والعاقل يقطع بأنّ علّة ذلك هي الحاجة الماسّة والملحّة للناس إلی مثل هذه الأمور وعدم استغنائهم عنها .

فيحکم العقل بضرورة وجود الشريعة من خلال إنزاله سبحانه لها ، ويحکم العقل کذلك بأنّها غير کافية لوحدها ، ويحکم بضرورة وجود الحاكم من خلال بعثته تعالی للرسل وعدم اکتفائه بإنزال الشرائع .

وهذا إن دلّ علی شيء فإنّه يدلّ علی أنّ هذه الحاجة وهذه الضرورة إلی وجود القانون الإلهي وإلى الحاکم الإلهي باقية إلی يوم القيامة ، وذلك لاستمرار حاجة الناس لها ، ولأنّه تعالی لا يفعل شيئاً إلّا بسنّة جارية ، قال تعالى :
(سُنَّةَ اللهِ فِی الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)

يقول العلّامة الطباطبائي في تفسير “الميزان” :
(فإنّه تعالى لا يفعل شيئاً إلّا بسنّة جارية وصراط مستقيم .)

يقول الشريف المرتضى في كتاب “الذخيرة” :
(فالرياسة على ما بيّناه لطف في فعل الواجب والامتناع من القبيح ، فيجب أن لا يخلي الله تعالى المكلفين منها .)

ويقول الشيخ الطوسي في كتاب “الاقتصاد” :
(إنه قد ثبت أنّ الناس متى كانوا غير معصومين ويجوز منهم الخطأ وترك الواجب ، إذا كان لهم رئيس مطاع يردع المعاند ويؤدب الجاني ويأخذ على يد السفيه والجاهل وينتصف للمظلوم من الظالم كانوا إلى وقوع الصلاح وقلّة الفساد أقرب ، ومتى خلوا من رئيس على ما وصفناه وقع الفساد وقلّ الصلاح ووقع الهرج والمرج وفسدت المعايش . بهذا جرت العادة وحكم الاعتبار ، ومن خالف في ذلك لا يحسن مكالمته لكونه مركوزاً في أوائل المعقول… إلى أن قال : وهذه أمور دينية يجب اللطف لأجلها ، وإن حصل فيها أمر دنياوي فعلى وجه التبع .)

ويقول العلّامة الحلّي في شرح التجريد :
(أمّا الـصغـری فمـعـلومة للـعقـلاء إذ الـعلـم الضـروري حاصـل بأنّ العقلاء متی کان لهم رئيس يمنعهم عن التغالب والتهاوش ويصدّهم عن المعاصي ويعدّهم علی فعل الطاعات ويبعثهم علی التناصف والتعادل ، کانوا إلی الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ، وهذا أمر ضروري لا يشكّ فيه العاقل .)

ويقول أيضاً في “الباب الحادي عشر” :
(فإنّا نعلم قطعاً أنّ الناس إذا كان لهم رئيس مرشد مطاع … كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد . وقد تقدم أنّ اللطف واجب .)

ويقول الشيخ السيوري الحلّي في شرح کتاب “الباب الحادي عشر” :
(لما كان المقصود من إيجاد الخلق هو المصلحة العائدة إليهم ، كان إسعافهم بما فيه مصالحهم ، وردعهم عمّا فيه مفاسدهم واجباً في الحكمة … إلى أن قال : لمّا كانت الضرورة داعية في حفظ النوع الإنساني إلى الاجتماع الذي يحصل معه مقاومة کل واحد لصاحبه فيما يحتاج إليه ، استلزم ذلك الاجتماع تجاذباً وتنازعاً يحصلان من محبة كل واحد لنفسه وإرادة المنفعة لها دون غيرها بحيث يفضي ذلك إلى فساد النوع واضمحلاله . اقتضت الحكمة وجود عدلٍ يفرض شرعاً يجري بين النوع بحيث ينقاد كل واحد إلى أمره وينتهي عند زجره .)

وحکومة الفقيه العادل العارف بزمانه هي من الأمور التي تقرّب الناس إلی الصلاح وتبعّدهم عن الفساد قطعاً ، وهذا هو المقصود من اللطف ، وقد ثبت وجوبه عن الله سبحانه ، وکذلك فإنّ فيها إسعافهم بما فيه مصالحهم وردعهم عمّا فيه مفاسدهم جزماً ، وهو مقتضی الحکمة الإلهية أيضاً .