مصطفى قطبي

بعد السقطات التركية عرف بعض من تغنى بالدولة التركية الصاعدة أهدافها القومية والعثمانية والطامعة، وصرنا نسمع كلاماً يناقض الذاكرة البعيدة والقريبة، ما أرادته أمريكا والغرب والأتراك صار واقعاً، وتحولت ليبيا إلى ساحة للصراع، والرجل المريض شفي ليعود إلى موقعه. فقد نبتت العثمانية في عقل أردوغان، فكانت ساحاتها ليبيا، بفعل هذا العائد إلى الوراء في التاريخ لاستحضار صفحاته السيئة بحق العرب والمسلمين. يقول أردوغان لرئيس الاستخبارات التركية: ”إذا أحسَنّا التعامل فسنقود العرب أربعمائة سنة أخرى”.

 في هذا الإطار أردوغان المهووس بالعثمانية، نجد اهتمام تركيا بـ ليبيا منذ بداية مرحلة ما بعد سقوط القذافي عام 2011، اهتمام أصبح أكثر وضوحاً اليوم، ولاسيما بعد انطلاقة الجيش العربي الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر لتحرير مدينة طرابلس مركز حكومة فايز السراج حليف أردوغان في نيسان عام 2019، إنه الوقت الذي وجد فيه أردوغان لنفسه طريقاً جديداً لتوسيع نفوذه السياسي والعسكري المحكوم في تحقيق أحلامه الاخوانية العثمانية، وللمنافسة الأوروبية التي تقوم على الحسابات الاقتصادية، منافسة تقدم ليبيا من خلالها لتركيا آفاقاً ترتبط بتطوير البيئة التحتية التركية وإعادة الإعمار، وبإظهار  قدراتها العسكرية عن طريق بيع الأسلحة إلى حكومة السراج المتمركزة في طرابلس، هذا بالإضافة إلى فرض وجود عنصر إيديولوجي وهو إخضاع حكومة السراج لتأثير الإسلاميين في سياق التوجهات التي يتبناها ويسعى لتحقيقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتشدد في دعمه لحكومة السراج الاخوانية، هذا التشدد الأيديولوجي الذي أغضب العديد من دول المنطقة.

أحلام أردوغان، هي أحلام أمريكية إسرائيلية، وفيها تتقاطع شهوة الجميع للانتهاء من العرب والعروبة، فانخراط الحكومة التركية في المخطط الدولي ضد ليبيا لم يكن يحتاج إلى دليل منذ بداية الأحداث، فمع تصريحات القادة الأتراك ذات الطابع الاستعلائي والاستفزازي ضد ليبيا، قدمت الدعم اللوجستي للتنظيمات الإرهابية داخل ليبيا والمعارضة الأخوانية العميلة التي تحتضنها بإسطنبول. فالأحداث التي يغذيها السيد أردوغان بالمال والسلاح والخطب الرنانة، وإدخال الآلاف من المرتزقة، وإدخال الهواتف النقالة، وأجهزة الاتصالات الحديثة التي لا يعرف أسرارها سوى العاملين في أجهزة الاستخبارات التركية والأمريكية تؤكد ادعاءات الحب عند أردوغان للشعب الليبي. أيّ حُبّ يا سيّد أردوغان، بالتأكيد هي شهوة رؤية الدم الليبي على مذابح ثروات ليبيا.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء 09/06/2020، إنه سيستمر في دعم حكومة فايز السراج في طرابلس الليبية عسكريا، وذلك بالرغم من ”إعلان القاهرة”، وهي المبادرة التي تم الإعلان عنها بالعاصمة المصرية للتوصل لحل سياسي للأزمة الليبية، وحازت على دعم دولي واسع. وقال أردوغان في مؤتمر صحفي: ”الدعم سيستمر لحكومة الوفاق على جميع الأصعدة… بما في ذلك عسكريا”. وتأتي تصريحات الرئيس التركي، بعد يوم من اعترافه بدور بلاده في المعارك الدائرة في ليبيا، حين أكد أن عمليات السيطرة على مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية مستمرة، على حد تعبيره.

وهذا ما يؤكد شراهة أردوغان باحتلال أراضي ليبيا، انطلاقا من الاتفاقية الأمنية التي أبرمت بينه وبين حكومة السراج، هذه الاتفاقية تعبّر عن تجنيد الإرهابيين من تنظيم ”القاعدة” و ”داعش” والحركات التكفيرية التي جلبها أردوغان إلى العراق وسورية، هي نفسها التي تقف إلى جانب قواته في ليبيا ضمن القوات التركية التي تضمنتها الاتفاقية كما ورد في النص (إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا جزء من الاتفاقية الأمنية بين الطرفين)، وعلى هذا الأساس، فالاتفاقية شملت فتح المجال البحري الليبي أمام تركيا لنقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى حكومة السراج، وهو أكبر تحدٍّ للشعب العربي الليبي الذي يرفض الوجود العسكري التركي وأطماع أردوغان التوسعية. ويساند أردوغان حكومة السراج، المنبثقة عن اتفاق الصخيرات في العام 2015، والتي دخلت طرابلس في آذار 2016، واعتمدت في تثبيت نفوذها على ميليشيات تكفيرية.

أردوغان العثماني، منذ أن تسلّم السلطة في تركيا كان يحلم، كأسلافه، بالتمدد والتوسّع على حساب الدول العربية، وذلك لبسط سيطرته على مقدرات الشعوب، وهو في هذا المجال أصبح جزءاً من الدول التي تبحث عن الهيمنة والسيطرة على القرار السياسي للدول المستقلة، وذلك للسيطرة على آبار النفط والثروات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وقد ذهب أبعد من ذلك عندما يحاول عبثاً استعادة أحلام أجداده العثمانيين بمحاولة ”تتريك” المناطق التي يحتلها، ويعمل على تغيير أسماء الشوارع والمدن والبلدات والقرى الليبية، وآخر فصول هذا النظام الأردوغاني العثماني تكثيفه لعمليات التتريك الممنهجة في المناطق التي تحتلها قواته، معتمداً على أدواته الإرهابية الإجرامية التي تُنفذ أجنداته العثمانية، بعدما فشلت مخططاته الكبرى في سيطرة الإرهابيين على ليبيا، وتكسرت أحلامهم تحت أقدام الجيش الليبي.

سياسات التتريك العثمانية، أخذت منحنى تصاعدياً خلال الفترة الماضية في المناطق التي احتلتها قوات النظام التركي وميليشياته، في طرابلس ومدينتي ترهونة وبني وليد شرق العاصمة، إضافة إلى كامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة ”الوطية” الجوية، وبلدات بالجبل الغربي… وبدأت تتضح معالم التتريك، مع قيام ميليشيات ومرتزقة تركيا بتهجير الآلاف من الليبيين من منازلهم وتدمير المستشفيات و المدارس، والبنى التحتية برمتها لطمس هويتها، وتزوير تاريخها، وتوطين الإرهابيين وعائلاتهم في تلك المناطق…

سياسة التتريك بدأت جلية وواضحة، عندما قررت بلدية تاجوراء الليبية إطلاق اسم السلطان العثماني ”سليمان القانوني” على طريق رئيسي في المدينة. وقال رئيس البلدية في بيان على حسابه بـ”فيسبوك” إن إطلاق هذا الإسم يأتي عرفانا بدور السلطان العثماني في مساعدة أهالي طرابلس في تحرير المدينة من الغزو الإسباني خلال القرن الخامس عشر الميلادي. وردا على تتريك مناطق ليبيا، قال الناطق باسم القائد العام للجيش الوطني الليبي اللواء أحمد المسماري، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يحاول تمزيق النسيج الليبي بخلق عداوات بين القبائل والمدن. وأضاف المسماري، في مؤتمر صحفي عقده في بنغازي، الأربعاء 17/06/2020، أن 90 في المائة من الشعب الليبي يرفضون التدخل التركي في بلادهم، داعياً الدول العربية والصديقة الاستماع إليهم جيداً. وأشار المسماري إلى أن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج لا يمثل الشعب الليبي الرافض لـ”الاحتلال التركي”، مؤكداً أن ”ليبيا لن تكون إلا لليبيين”.

مواقع إعلامية وصحف معارضة لسياسات النظام التركي كشفت أن نظام أردوغان يحاول ترسيخ احتلاله للمناطق الليبية عبر طباعة خرائط جديدة تظهر تلك المناطق على أنها تابعة لتركيا، فهي تصور توسع تركيا وتمددها بحيث تضم مناطق من سورية والعراق وليبيا… وسياسة التتريك الأردوغانية في الأراضي الليبية، ملامحها تبدو واضحة عندما يحتل أردوغان مناطق جديدة، فإنه يعمد إلى تنفيذ مخطط التتريك الذي سبق له أن نفذه في سورية، في سياق إحياء أوهامه العثمانية البائدة عبر إعادة إحياء الهوية العثمانية لدى أعداد من الليبيين من أصول تركية يعيشون فيها منذ الاحتلال العثماني للوطن العربي. وتؤكد مصادر ليبية وتركية معارضة أن أردوغان يسلح الليبيين من أصول تركية ويرفدهم بإرهابيين من فصائل ”لواء المعتصم، وفرقة السلطان مراد، ولواء صقور الشمال، والحمزات، وسليمان شاه….”، ويقود العمليات القتالية عبر طيرانه لتحقيق أطماعه هناك. والأطماع العثمانية في الوطن العربي ليست جديدة وهي تعود إلى أيام انهيار الإمبراطورية العثمانية واندحار الاحتلال التركي عن الوطن العربي قبل مئة عام ونيف.

انطلاقاً مما سبق، يمكن الرد على من يدعونا إلى إعادة قراءة تاريخ السلطنة العثمانية قراءة موضوعية، بعيدة عن التعسّف الإيديولوجي، ولاسيما التعسّف القومي العربي!، فالغريب في هذه الدعوة التي تُقر بأن السلطنة أصبحت من الماضي، وأن عودتها أمر مستحيل لا أحد يحمله على محمل الجد، الغريب أنها تمضي في تبييض صفحة السلطنة إلى حد القول: ”إن سعي الحكام الأتراك اليوم إلى استعادة وإحياء التراث العثماني، واعتماده مظلة لطموحات الدولة التركية الحديثة ما هو إلا محاولة لخلق شيء جديد لا علاقة له بالماضي”. فكيف يصحّ أن ما يفعله أردوغان لا علاقة له بالماضي، وهو الذي يستغل الماضي العثماني لتحقيق أهدافه العدوانية التوسعية، بينما يلقى هذا الاستغلال صداه الإيجابي لدى قوى الإسلام السياسي التي تتعرض بلدانها للعدوان التركي الغاشم كما هو شأن سورية…؟!

لا شك في أن تقييم المرحلة العثمانية يمكن أن يثير بعض الاختلافات، ولاسيما أن الحديث يدور عن سلطنة كانت مكوّنة من إثنيات وطوائف ومذاهب متعددة، وأن القومية التركية الحديثة هي ذاتها التي اختارت أن تنقلب على السلطنة، كما اختارت الهيمنة على غيرها من القوميات داخلها وتتريكها. وأهمية قراءة الماضي هنا، والتوصّل إلى حقيقته مهما كانت ماهيتها، لا يغيّر شيئاً من واقع أن الدولة التركية الحديثة وريثة السلطنة العثمانية، منخرطة اليوم في المشروع المعادي للعرب والرامي إلى إعادة تقسيم دولهم وفق الاحتياجات الدولية والإقليمية الاستعمارية.

لا بأس من قراءة الماضي قراءة موضوعية وواقعية إذا أمكن ذلك. لكن هذه القراءة يصعب أن تتم في ظل تجاهل الحاضر. والحاضر يقول إن تركيا اليوم عدو لدود للعرب. ولا يمكن لنا قراءة ماضيها العثماني الذي تستغلّه إيديولوجياً لغزو بلداننا، قراءة أكاديمية صِرفاً وباردةً تُغمض عينيها تماماً عمّا يرتكبه الأتراك بحقنا من جرائم لا تُعد ولا تحصى.

ليبيا اليوم تواجه سياسة تتريك للإسلام عبر ضخّ إعلامي ومنهجية سياسية لها مشاريعها وحواملها وأدواتها ومنابرها ودعاتها، ترى في النموذج الإسلامي التركي الوصفة والعلاج لكل أمراضها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا التحدي التاريخي يستدعي موقفاً مناسباً ومواجهة حقيقية يقع عبئها وشرف القيام بها على عاتق كل القوى الفاعلة والمتنورة والحريصة على الهوية العربية الليبية، للتصدي لها في كل الساحات ليس بهدف إسقاطها كمشروع فقط وإنما إخراجها من دائرة التداول السياسي بشكل نهائي. فالنظام المتعثمن الذي اتخذ الإسلام لبوساً دينياً مؤدلجاً، يدركُ أنه طُعم في شرك الغرب والصهاينة الجدد لخلق صراع يحقق الفلسفة التفكيكية التي تضمن حيادية وأمن الكيان الصهيوني، وينأى به عن حمئة الصراع الحاصل في المنطقة.

خلاصة الكلام: لا يعتقدنَّ أحد بأن الدولة الوطنية الليبية، يمكن أن تقبل بالتتريك العثماني، فالشعب في الداخل سيّد القرار ولن يصغي لإرادة الخارج، والشعب في الداخل متمسّكٌ بوحدته الجغرافية والديمغرافية ولن يقبل بالتتريك، والشعب في الداخل يعرف أن الذي أدخل إليه الغرباء المرتزقة وحشرهم في الخانة الإسلامية لن يمرّ مخططه فالإسلام إسلامنا الوسطي، وليس إسلامهم المتأمرك المتصهين.

باحث وكاتب صحفي من المغرب.