المحورالمصري:

تعلمت الصيام وأنا ابن سبع سنين.. كان أبى رحمه الله لا يريدنى أن أصوم شفقة على سنى وطفولتى.. أما أمى فكانت تشجعنى على الصيام.. لأنها تريدنى أن أكون رجلًا.. كان الصيام يأتى في شهرى يوليو وأغسطس.. أي في بؤونة كما يسميها أهلنا في الريف.. وهى أشد أيام الصيام.. وكانت كلمة من أمى تجعلنى أصوم 24 ساعة.. وليس من الفجر إلى المغرب فقط!.

كنت في ساعة السحور أصحو من النوم.. وكان أبى يقول تعالَ كُلْ معنا وافطر بكرة.. السحور لا يعنى أن تصوم.. وكنت أرى أن مَن تسحّر عليه أن يصوم.. إزاى يعنى. أليس في السحور بركة.. كما قال الرسول؟!.. إذن سوف أستطيع.. وهكذا تحملت الأيام الأولى.. وكلما مر الوقت تسألنى أمى: هل تستطيع؟.. أقول: نعم أستطيع.. تقول: تقدر تاكل النهارده وتكمل بكرة.. كل شىء بالتدريب!.

وربما كانت وجهة نظر أمى أن أصوم حتى أذان الظهر.. وفى اليوم التالى أصوم حتى صلاة العصر وهكذا.. حتى أعتاد الصيام في اليوم الثالث أو الرابع أو الخامس. ولكنى حاولت ونجحت في المحاولة منذ اليوم الأول.. وتعلمت أن أتعفف عن أي شىء كأنه غير موجود.. وتعلمت نعمة الاستغناء عن أي شىء من صيام رمضان.. هكذا كانت التربية من البيت. وهكذا كانت الأم مدرسة!.

هذه الأيام لا تُنسى مثل أي شىء في بدايته.. الرجولة لم تكن اسمًا في شهادة الميلاد.. كانت سلوكًا والتزامًا ومسؤولية.. والأم تحب أن ترى ابنها رجلًا مهما صغرت سنه.. تحب أن تراه مسؤولًا.. وعشت الدور منذ الطفولة الباكرة.. ورأت أمى أمامها أخلاق الضباط.. في الانضباط والمسؤولية.. ومنذ ذلك الحين كانت أمى ترى أننى ضابط.. كانت يرحمها الله تتعلق بشقيقها الشهيد.. وكان أقرب أشقائها إلى نفسها!.

ومرت السنوات على هذا الحال.. تسحّرت أو لم أتسحّر.. وكنت في كثير من الأيام أصوم من المغرب إلى المغرب عن الأكل.. وأشرب قبل نية الصوم وصلاة الفجر.. وكنت أرى أن الرجل لا يهمه شىء.. وكان هناك مَن يقول إنهم في الجيش لا يجدون الطعام.. وكأنى كنت أستعد.. كان جيلنا في هذه الفترة يستعد لحرب الكرامة.. وبالفعل وقعت الحرب وانتصر الجيش.. واسترَدّ المصريون كرامتهم.. وانتصر الجيش ونحن صائمون.. وهى مصادفة عجيبة!.

معناه أن شهر رمضان شهر لتدريب النفس على الاستغناء.. لم نكن نعرف الياميش ولا هذه الأشياء.. وكنا راضين.. لأنه كان عندنا هدف عظيم وهو تحرير الوطن.. وحدث النصر فاعتادت النفس على أشياء بسيطة.. كوب عصير أو تمرات.. وكنا نجرى لنلحق بصلاة المغرب والعشاء. قبل رامز تحت الصفر!.

هل تدرى أننا الآن أكثر إسرافًا في رمضان من أي شهر آخر، مع أنه شهر الصوم والعبادة؟!، فإذا هو شهر الفوازير وشهر المسلسلات.. كل هذا حدث لأن الإعلام خرج من يد الدولة!.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here