الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ضفر به منهم” .

الأخ القديم: يعني عمراً من المحبة
مَنْ منّا لم يشعر بحاجته إِلَى صديق يركن إليه يبثّه شكواه ويبادله النُّصح عند الحاجة إليه؟! ولا سيّما إذا كانت هذه الصداقة ممزوجةً بمحبّةٍ عمرُها سنين.

لا يخفى على كلّ ذي مسكةٍ من عقلٍ ما للتنافر والقطيعة والعلاقة الفاترة بين الإخوان من مضارّ ومفاسدَ اجتماعية, فإنّه عندما تُعْدَمُ المحبّة مِن القلوب، وبالتالي يُعْدَم النّور، فسوف تبدأ الصفات المذمومة بالتغلغل شيئاً فشيئاً إِلَى القلب، حتى يحلّ عليه ظلامٌ مُطبِق.

وأيُّ عاقلٍ يستبدل نور المحبّة بظلام العداوة والبغضاء؟!

فالله الله في المحبّة… والله الله في حفظ الصديق القديم… روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ألا وإن ود المؤمن من أعظم سبب الإيمان” .

الأخ القديم: تجربة حياة
لقد عاش هذا الأخُ القديمُ الحياةَ بحلوها ومرّها، كما عِشْتَ أنت الحياة ـ أيضاً ـ بحلوها ومرّها:
– أَلَمْ تشعر يوماً أَنَّه أسدى إليك نصيحةً صادقة؟

– ألم تشعر يوماً أَنَّ الدنيا ـ على رحبها وسعتها ـ قد ضاقت وضاقت ولم تجد متنفساً وحلاً لبعض المشاكل إِلَّا بمعونة الصديق؟ روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “المؤمنون خدم بعضهم لبعض،…يفيدُ بعضهم بعضاً” . بل وأكثر من ذلك:

– ألم تضع رِجلَك في موضوع حساس وخطير وأنت مضطرب البال، فإذا بأخيك
يرفدك بتجارب هي زبدة الحياة، وبمخاض لبنٍ استُخلص من بين دمٍ وفرثٍ لبناً خالصاً؟

عشتما معاً… خضتُما عُباب الحياة معاً…

فهلّا تكملان الدربَ معاً؟ فإنّ خير الأعمال بالإكمال.

الأخ القديم: ثروة نفسية
نورَ عيني… وأخي في الله…
استمع لما قاله ربّانيُّ هذه الأُمة الإِمام عليُّ بن أبي طالب عليه السلام: “قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ” ، فمن أحسن صناعة الشعر والأدب مثلاً، كانت قيمته الشعر والأدب، ومن أتقن صناعة البناء كانت قيمته ذلك، وهلّم جرّا…

فما بالك بمن أحسن معرفة الحياة الصادقة والنبيلة، والاستقامة للصديق؟! أفَهَلْ ستكون قيمته دراهمَ معدودة، ونكون فيها من الزاهدين؟!

أبداً… إِنَّ الأخ القديم والصديق العتيق ثروةٌ نفسيةٌ يلزم التمسّك بها، فإنّ الذهب كلّما كان أعتق… كان ثمنه أغلى.

روي عن الصادق عليه السلام: “المؤمنُ أخو المؤمِن, عينهُ ودليلهُ لا يخونهُ ولا يظلمهُ ولا يغشُّه، ولا يعِدُه عدةً فيخلِفهُ” .

الأخ القديم: صديقٌ في وقت الضيق
قيل لبعضهم: كم لك من صديق؟ قال: لا أدري, لأنّ الدنيا عليّ مُقْبِلة، فكلّ مَنْ يلقاني يُظهر لي الصداقة، وإنّما أُحصيهم إذا ولّت الدنيا عنّي.

كشفت لي الأيامُ كلَّ خبيئةٍ فوجدتُ إخوانَ الصفا قليلا

عن الحسن بن كثير قال: شكوت إِلَى أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام الحاجة وجفاء الإخوان، فقال: “بِئْسَ الأَخُ أَخٌ يَرْعَاكَ غَنِيّاً وَيَقْطَعُكَ فَقِيراً”، ثُمّ أمر غلامه، فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، وقال: “اسْتَنْفِقْ هَذِهِ فَإِذَا نَفَذَتْ فَأَعْلِمْنِي” .

الاستقامة معنىً لا يدخله الاعوجاج أبداً، وليس في قاموس الاستقامة اعوجاج، فالأخ المستقيم باذلٌ خدمته لأخيه الآخر ما استطاع لذلك سبيلاً.

إِنَّ عطرَ الأخوّة القديمة تفوحُ أكثر فأكثر حينما تحتاج في بعض المواقف إِلَى مدّ يدِ العون، وإذا بعطر الأخ القديم يفوح وقت الضيق والحاجة. روي عن الإمام علي عليه السلام “وعليكَ بإخوانِ الصدقِ فأكثرْ من اكتسابِهم فإنَّهم عدّةٌ عندَ الرخاءِ وجُنّةٌ عندَ البلاءِ” .

الأخ القديم: أندر من الكبريت الأحمر
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “المؤمنة أعز من المؤمن والمؤمن أعز من الكبريت الأحمر…” .
قد تنشأ بين الأشخاص علاقاتٌ على أساس المصلحة، فيقرّ كلّ واحدٍ منهما بهشاشة هذه العلاقة, لأنّها مرهونة بمقدار ما أنتفعُ منك دنيوياً، وتنتفع بي، فمتى عُدِمتِ المنفعةُ لم يعد هناك موجب لبقائها، وتزول بعد ذلك تلقائياً.

وهناك علاقاتٌ تنشأ على أساس الأُخوّة وعشقِ الإنسان لأخيه الإنسان, لما فيه من جهاتِ الخير المودعة في الشخص، فإذا فجّر الأخ القديم كلّ يوم شيئاً من طاقاته فسوف يزرع الدفء في هذه العلاقة، وما دام هذا الدفء والطاقة الخيّرة

موجودين في الإنسان، فمن غير المعقول أن يستبدل العاقلُ هذه الطاقات الخيّرة والمستقيمة التي تعرّفها في هذا الشخص لصالح شخص لم يعرف ما هو حاله، ولا كيف سيكون مآله.

وبكلمةٍ:
الأخ القديم يعني عمراً من الاستقامة، في زمن قلّ فيه المستقيمون…
نعم، هذه عقليةُ بني إسرائيل الَّذِين يستبدلون الَّذِي هو أدنى بالذي هو خير.
إِنَّها عقليةٌ ناشئةٌ عن عدم الصبر والتحمّل، وعدم وصول هذه النفس إِلَى مقاماتٍ عالية. فبنو إسرائيل حيث لم يصبروا على طعام واحدٍ هو (المنّ والسلوى) طلبوا طعاماً آخر، مِمّا أدّى إِلَى أنْ يستنكر الله عليهم ذلك.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ .

وفي الحقيقة هذه الآية تقرّر مطلباً عقلائياً مركوزاً في النفوس مؤدّاه أمران:
1- المرجوح ليس كفءً للراجح.
2- لذا لا يُستبدل الراجحُ بشيء.
فإنّ ذلك من السفه وقلة العقل.

وللأسف الشديد! هناك ظاهرةٌ بارزة في مجتمعاتنا, حيث نرى أَنَّ شخصين في أيّام الصبا إِلَى بداية فورة الشباب يكونان من أشدّ الناس صداقةً وأخوّة، وتمرّ عليهما الأيام يضطرا إِلَى أَنْ يذهب كلُّ واحدٍ منهما إِلَى مكان، وبعد سنين يرجعان فيلتقيان، فإذا بأحدهما قد صار له في هذه الدُّنيا منصباً أو مقاماً وجاهاً، فيكون ذلك حاجزاً بينهما في إحياء تلك الصداقة القديمة، التي كانت مبنيةً على الحبّ

والوئام، وهذا يدعونا إِلَى استذكار قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ .

فمرجع هذه الظاهرة إِلَى أَنَّ طبيعة الإنسان في هذه الدُّنيا أَنَّه إذا استغنى بماله ومنصبه وجاهه، يعدُّ نفسه مرتفعاً عن الآخرين الَّذِين هم ليسوا مثله في الموقع والمنصب والجاه.