المحور المصري:

فتح الحارس الزنزانة رقم 19 بالسجن الحربى، وكان متهلل الوجه على غير عادته، وقال للسجين: «مبروك يابيه.. سيادة المدير عاوزك فى مكتبه.. حتوحشنا والله»، وفى مكتب قائد السجن عرف السجين أن قرارا بالإفراج صدر عنه، حسبما يذكر الكاتب الصحفى محمد توفيق فى كتابه «الملك والكتابة» عن «دار دلتا للنشر والتوزيع».

السجين هو الكاتب إحسان عبدالقدوس رئيس تحرير مجلة روزاليوسف، واليوم الذى خرج فيه من السجن كان 31 يوليو «مثل هذا اليوم» عام 1954، وذلك بعد أن قضى 95 يوما، بدأت يوم 28 إبريل 1954، ووفقا لرشاد كامل فى مقاله «إحسان عبدالقدوس وذكريات 99 يوما فى السجن»: «كتب إحسان مقاله الشهير» الجمعية السرية التى تحكم مصر»، وبعدها وجد نفسه محبوسا فى السجن الحربى بتهمة قلب نظام الحكم.. ولم تنشر المجلة حرفا عن غياب إحسان، لكن روزاليوسف «والدته» قاطعت أخبار كل ما يخص الثورة وقادتها».

كان إسماعيل الحبروك مع إحسان فى نفس السجن ويواجه نفس الاتهام، أما المقال الذى كتبه إحسان فجاء فيه: «من يحكم مصر منذ قيام حركة الجيش؟ إنه مجلس الثورة.. ماذا تعلم أنت عن مجلس الثورة وما يدور فيه.. وماذا يعلم عنه أى مصرى سواء كان مقربا من أعضاء المجلس مبعدا عنهم؟ لا شىء؟.. لا شىء البتة».. وأضاف إحسان: «إنها جمعية سرية، لاتزال كما كانت قبل الحركة تحت الأرض ويجتمع أعضاؤها بالنهار والليل.. لا يعلم أحد عم يتحدثون وماذا يقررون؟ فأعضاء مجلس الثورة لم يستطيعوا – دون قصد منهم – أن يفرقوا بين وضعهم قبل الحركة ووضعهم بعد الحركة، ولم يستطيعوا أن يفرقوا بين واجبهم كجماعة تعمل لقلب نظام الحكم، وجماعة تعمل لاستتباب نظام الحكم، ولم يستطيعوا أن يفرقوا بين الأيام التى عاشوا فيها يخافون القانون والبوليس والمخابرات، والأيام التى جمعت فى أيديهم القانون والبوليس والمخابرات.. كانوا قد تعودوا العمل كجمعية سرية، وارتاحوا إلى هذه الطريقة فى العمل ونجحوا فيها، فلم يحاولوا تبديلها أو تعديلها».

كان أكثر ما أحزن «إحسان» فى هذه المحنة حسب ابنه محمد عبدالقدوس فى كتابه «حكايات إحسان عبدالقدوس»: «أن الذين اتهموه بخيانة وطنه، وحاولوا قلب نظام الحكم هم أصدقاؤه الذين كان يعرفهم قبل الثورة، وعاصر عن قرب أحلامهم، وعمل معهم على تحقيقها، فأنور السادات عمل فترة فى روزاليوسف، بعد براءته فى قضية أمين عثمان، ووالدى هو الذى قدمه إلى أصحاب دار الهلال ليكتب عندهم، كما أن جمال عبدالناصر كان يتردد على المجلة قبل الثورة، وجاء لأول مرة بصحبة رشاد مهنا، ولم تنقطع زيارات الضباط الأحرار لدار روزاليوسف، وكانوا مصدرا مهما للمعلومات فى قضية «الأسلحة الفاسدة» التى قام إحسان بتفجيرها على صفحات روزاليوسف، وأحدثت دويا وسط الرأى العام، خاصة أنها تتعلق بتسليح الجيش المصرى فى حرب فلسطين الأولى سنة 1948 وضعف إمكانياته.. وبلغ التبسط بين الكاتب المشهور وزعيم الثورة، أن أبى كان يناديه بـ«يا جيمى» حتى دخوله السجن، وبعدها اختف لقب «جيمى» بل اسم جمال نفسه، وأصبحت طريقة التخاطب معه رسمية جدا، وهى «يا سيادة الريس» مما أثار دهشة عبدالناصر ذاته، فسأله: «ما لذى جرى لك يا إحسان. واضح أن السجن كان له تأثير عليك».

خرج إحسان من بوابة السجن فى صحبة أسرته، ووفقا لمحمد توفيق: «كان نجله متشعبط فى رقبته، وبمجرد أن وصل إلى بيته، ووسط الفرحة الغامرة فجأة دق جرس التليفون فسكت الجميع.. «جمال عبدالناصر على الخط».. لم يصدق «إحسان» نفسه، لم يتصور أن يكون عبدالناصر هو أول المهنئين بخروجه من السجن، وأمسك «إحسان» بسماعة الهاتف، قائلا: «أهلا ياريس»، وكانت المرة الأولى التى يقول فيها إحسان، لجمال عبدالناصر: يا ريس، فقد اعتاد أن يناديه يا «جيمى».. وجاءه صوت عبدالناصر ضاحكا يقول: «هيه..اتربيت ولا لسه يا إحسان؟ ولم يجب «إحسان» فواصل عبدالناصر حديثه وهو مازال يضحك قائلا: «تعالى افطر معايا بكره فى البيت.. أنا منتظرك ما تتأخرش».

يضيف توفيق: «فى صباح اليوم التالى ذهب إحسان إلى منزل عبدالناصر فى منشية البكرى، وجلسا معا على مائدة الإفطار، واحتسيا الشاى، والصمت يسود الاثنين، وفجأة قطع «جمال» جدار الصمت قائلا: «السجن خير مرٍب وأعظم معلم، لكن أعدك أن أزيل كل الآثار التى سببها لك السجن، ولم يعقب «إحسان» وضحك عبدالناصر، وغير الموضوع، وقبل أن ينتهى اللقاء دعا «عبدالناصر»، إحسان لزيارته مرة أخرى لتناول العشاء معه، وتكررت الدعوات، وكان أغلبها لتناول العشاء، ومشاهدة فيلم سينمائى فى حجرة أعدها «جمال» لذلك، واستمرت دعوات «عبدالناصر» لإحسان عدة أشهر، وفى إحدى هذه اللقاءات قال «عبدالناصر» مخاطبا إحسان: «أعتقد يا إحسان أننى قد عالجتك نفسيا من صدمة السجن».

المصدر: اليوم السابع

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here