المحور المصري :

تقدم شخص يدعى محمد أغا إلى مدينة أزمير التركية، ودخلها ومعه أربعة رجال، واستولى عليها باسم إبراهيم باشا بن محمد على، والى مصر، وقائد جيوشه، وطرد حكامها.
وحسب محمد فريد فى كتابه «البهجة التوفيقية فى تاريخ مؤسس العائلة الخديوية» عن «دار الكتب والوثائق القومية- القاهرة»، فإن «أغا» استبد بأمره فى أزمير، «ولم يقدر أحد من السكان ولا من غيرهم على إخراجه، لكنه ما لبث أن اضطرته العساكر الشاهانية إلى الهرب وإخلاء المدينة، أما إبراهيم فلم يرد أن يزيد شواغله باحتلال أزمير لما يترتب عليه من سلخ جزء من جيشه وإرساله إليها، فأنكر معرفة محمد أغا المذكور»، ويؤكد «فريد»: «هذه القصة ليس لها أدنى أهمية حربية»، لكنه يوضح سبب ذكرها: «أوردناها إثباتًا لما وقع فى قلوب الأتراك من بأس المصريين ومهابتهم».
تعبر قصة محمد أغا عن واقع حال الرعب الذى تمكن من القيادة العثمانية فى تركيا من الجيش المصرى، بقيادة إبراهيم باشا، منذ هزيمته للجيش العثمانى فى «قونية» يوم 21 ديسمبر 1832، وبدء الجيش فى الزحف نحو العاصمة إسطنبول يوم 20 يناير 1833 «راجع ذات يوم 20 يناير 2018)»، ووصوله إلى «كوتاهية» بعد 13 يومًا، بتقدير جيلبرت سيونيه فى كتابه «الفرعون الأخير.. محمد على»، ترجمة عبدالسلام المودنى، عن «منشورات الجمل- بيروت»، مضيفًا: «كانت كوتاهية تقوم على جانب جبل مدينة يقطنها حوالى 50 ألف نسمة، ويجد إبراهيم بها ما يحتاجه جيشه من مواد التموين».
«هلع قلوب الأتراك من بأس المصريين ومهابتهم»- بوصف محمد فريد- قاد مباشرة إلى حالة هلع شديدة لدى أوروبا من هذا المارد المصرى الزاحف إلى إسطنبول، بعزيمة قائد جيشه «إبراهيم» خلع السلطان العثمانى «محمود» وتنصيب ابنه «عبدالمجيد»، وعبر القلق الأوروبى وفى القلب منه روسيا عن نفسه بخطوات، سيكون من بينها الخطوة التى ستشهدها مدينة الإسكندرية يوم 21 يناير «مثل هذا اليوم» عام 1833، ويرصد هذه الخطوات الدكتور محمد عبدالستار البدرى فى كتابه «المواجهة المصرية الأوروبية فى عهد محمد على» عن «دار الشروق- القاهرة»، قائلًا: «كانت معركة قونية معركة فاصلة بحق، ليس فقط فى التاريخ العسكرى المصرى، بل فى التاريخ العثمانى أيضًا، فمنذ إنشاء الدولة العثمانية لم تستطع أى قوة هزيمة هذه الدولة فى عقر دارها مثلما فعلت مصر»، ويؤكد أن هذه الهزيمة دفعت قيصر روسيا لإيفاد جنراله مورافيف فى مهمة للبلاط العثمانى لعرض المساعدة العسكرية الروسية على السلطان، فضلًا عن عرض فكرة الوساطة الروسية فى الخلاف الدائر بين السلطان ومحمد على، ويضيف «البدرى»: «جاءت معركة قونية لتضع كل الدول الأوروبية أمام خيارات صعبة لكفالة التوازن الأمنى الأوروبى، وحسابات القوة فيه، فقد أبرزت هذه المعركة عبقرية الجندى المصرى، والقيادة الرشيدة لإبراهيم باشا، ولم تعد للسلطان العثمانى أى فرصة لتجريد جيش جديد يهزم به أبناء النيل البواسل»، ويضيف «البدرى»: «زاد من التخوف الأوروبى خطورة ما آلت إليه أوضاع الدولة العثمانية بعد هزيمتها فى هذه المعركة، وظهر الروس على أنهم الطرف المهيمن عليها، وكانت هذه الهزيمة بداية للتدخل الفعال فى المسألة المصرية، فالطريق أمام إبراهيم باشا للأستانة أصبح مفتوحًا بما لا يزيد على 50 فرسخا، ومستقبل الدولة العثمانية بات مشكوكًا فيه».
كان أكثر ما يثير هواجس وقلق الأطراف الأوروبية- وفقًا لـ«البدرى»- هو «عدم إمكانية التنبؤ بالخطوة التالية للجيش المصرى، بحيث بات سقوط الدولة العثمانية وشيكًا، وعلى الدول الأوروبية مهمة إنقاذها صيانة للتوازن»، وخلال ذلك وحسب «سينويه» زار «موارفيف» محمد على فى الثالث عشر من يناير، دون أن يتبنى خطابًا تهديدًا خلافًا للمتوقع، ويظهر الباشا استعداده للمصالحة، ووقف أى حركات معادية، وفى الحادى والعشرين من يناير «مثل هذا اليوم» 1833، يصل مفاوض سامٍ، هو خليل رفعت باشا إلى الإسكندرية، فيستقبله محمد على بكل حفاوة، ويعلن أنه وابنه رُفع عنهما العزل السابق المعلن عنه فى إسطنبول، ويشرع الرجلان إلى مفاوضات أظهر كل منهما خلالها حسن نيته، ويؤكد «البدرى» أن «خليل» و«مورافيف» أبلغا محمد على رفض السلطان العثمانى التنازل له عن الشام، وحثه على الانسحاب منها فورًا، وعرضا عليه منحه عكا فقط، ورفض الباشا ذلك ففشلت مهمة المبعوثين، ومعها محاولة الدولة العثمانية إنهاء حالة الحرب مع مصر بالطرق السلمية.
يؤكد «سينويه» أن خلال هذه المفاوضات سافر مبعوثًا إلى «إبراهيم» ليطلب منه التوقف، حيث يوجد فى انتظار نهاية المفاوضات، وبالرغم من أن «إبراهيم» كان مقسمًا بين رغبته فى خلع السلطان والطاعة الواجبة لوالده، فإن عاطفة البنوة هى من ستقول الكلمة النهائية، ذلك أنه ومع وصول الأوامر القادمة من القاهرة سيتوقف حيث هو.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here