سألني سائل :
لو أن شخصاَ توضأ للصلاة ثم أرتكب معصية ما كالكذب أو الغيبة أو النميمة متعمداَ ، فهل تم نقض وضوؤه وبالتالي فسدت صلاته ؟!
الإجابة بإختصار :
إن المعاصى ليست من مبطلات الوضوء والطهارة الظاهرية ، ولكنه مبطل للطهارة المعنوية وللصلاة المعنوية ..

وسألنى سؤالا أخر :
مامعنى الحديث الشريف :
( الطهور نصف الايمان )
هل مجرد الاغتسال أو الوضوء بالماء يعدل نصف الأيمان من عقائد وعبادات ومعاملات .. ؟
…………….
فى محاولة لفهم هذه التساؤلات نرجع إلى مجدد هذا العصر الإمام الخمينى رضوان الله عليه .
يقول رضوان الله عليه فى كتابه العظيم ـ الأداب المعنوية للصلاة ـ فى فصل تحت عنوان : التطهيرات الثلاثة :

( فليعلم أنه كما كانت حقيقة الصلاه هى العروج إلى مقام القرب والوصول إلى مقام حضور الحق جل وعلا ، فاللوصول إلي هذا المقصد الأعلى والغاية القصوى يلزم طهارات غير هذه الطهارات ـ أي غير الطهارات الظاهرية بالماء مثل الغسل والوضوء ـ وأشواك هذا الطريق وموانع هذا العروج هى قذرات لا يتمكن السالك مع إتصافه بإحدى تلك القذارات من الصعود إلى هذه المرقاة والعروج بهذا المعراج …
ولهذه القذرات المعنوية ثلاث مراتب :
المرتبة الأولى :
ــــــــــــــــــــ
هى تلوث الألات والقوى الظاهرية للنفس بلوث المعاصى ..
ـــــــــــــــــــــــ
أقول :
يقصد الإمام بعباراة الألات والقوى الظاهرية ( السمع / البصر / اللسان / البطن / الفرج / اليد / الرجل ) والتى أطلق عليها الإمام : ( الشبكة الصورية لإبليس ) وهذه القوى هى ظاهر مملكة الإنسان ، فيجب تطهيرها من المحرمات :
فالسمع يجب تطهيره من الإستماع للغيبة مثلاَ ، وللأغانى اللهوية المثيرة للغرائز ..
والبصر يجب تطهيرة من قذورات النظر للمحرمات : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم )
واللسان : يجب تطهيره من قذرات الكذب والغيبة والنميمة
والبطن : يجب تطهيره من قذرات الأكل الحرام
والفرج : يجب تطهيرة من قذرات إرتكاب الفاحشة
واليد : يجب تطهيرها من قذرات الإعتداء على الناس
والرجل : يجب تطهيرها من قذرات الذهاب إلى الأماكن المحرمة
فارتكاب .

أما السؤال عن كيفية تطهير هذه الجوارح …. ؟

يقول الإمام رضوان الله عليه : ( قذرات المعاصي لابد أن تطهر بماء التوبة النصوح الطاهر الطهور )
ويقول أيضاَ : ( أن هذه القوى الظاهرية والباطنية التى أعطانا الله إياها وأنزلها من عالم الغيب هى أمانات إلهية كانت طاهرة عن جميع القذرات وكانت طاهرة مطهرة بل كانت متنورة بنور الفطرة الإلهيةوبعيد عن ظلمة تصرف إبليس )
والمطلوب أن نرد هذه الامانات الألهية كما أخذناها ، والذى لايردها هكذا فهو خائن للأمانة .

المرتبة الثانية من القذرات:
قذرات الاخلاق الفاسدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو مايمكن أن نسميه بجهاد النفس ، وقذرات الأخلاق الفاسدة كثيرة منها الكبر / الرياء / العجب / النفاق / الحسد .. وكلها أمراض تصيب النفس الإنسانية ، ويصفها الإمام رضوان الله عليه بأنها موجبه للحرمان من السعادة ومنشأ لجهنم الأخلاق

والسؤال هنا :
كيف نتطهر من قذرات الأخلاق الفاسدة ؟

يقول الإمام :
( بماء العلم النافع الطاهر الطهور وبارتياض شرعى صالح يشتغل حينئذ بتطهير القلب الذى هو أم القرى وبصلاحه تصلح المملكة وبفساده تفسد كلها )
أقول :
أن المقصود بالعلم هو دراسة هذه الأخلاق الفاسدة فى علم الأخلاق كمرض من أمراض النفس ، ومعرفة مضارها وخطورتها ، ووسائل الوقاية والعلاج منها ، وأنصح فى هذا المجال قراءة كتاب : ( الأربعون حديثاَ ) للإمام الخمينى رضوان الله عليه .

المرتبة الثالثة من القذرات
قذرات عالم القلب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الإمام رضوان الله عليه :
( قذرات عالم القلب مبدأ القذرات كلها وهى عبارة عن تعلقه بغير الحق وتوجهه إلي نفسه وإلى العالم ، ومنشؤها جميعاَ حب الدنيا الذى هو رأس كل خطيئة وحب النفس الذى هو أم الأمراض ، ومادامت جذور هذه المحبة فى قلب السالك لا يحصل فيها أثر من محبة الله ولا يهتدى طريقاَ إلى منزل المقصد والمقصود …
ثم يقول الإمام :
( ومادام للسالك في قلبه بقايا من هذه المحبة لم يكن سيره إلى الله بل يكون سيره إلى النفس وإلى الدنيا وإلى الشيطان …)
والسؤال هنا :
كيفية التطهر من قذرات القلب ؟
يقول الإمام الخمينى :
( فاللازم على الإنسان أن يغسل هذه القذرات عن باطن القلب بالتفكر فى حال الأنبياء والأولياء الكمل صلوات الله عليهم وتذكر مقاماتهم وألا يقنع بالحد الذى هو فيه فإن الوقوف على الحدود والقناعة فى المعارف من التلبيسات العظيمة لإبليس والنفس الأمارة نعوذ بالله منها . )

الخلاصة
ــــــــــــــ
أقول :
إن حركة المؤمن منذ نشأته أو تكليفه حتى وفاته يجب أن تكون سيرا أو عروجاَ إلى الله ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاَ فملاقيه )، فكأنما هذا السير هو صلاه نؤديها سيراَ وسلوكاَ وتنتهى هذه الصلاة ونخرج منها بالموت وخروج الروح والتسليم هنا هو تسليم الأمانة لله وهو صاحبها .

والطهارة هنا هى ( التخلى ) عن كل القذرات المعنوية بمراتبها الثلاثة ، وبعد التطهر والتخلى ، يأتى ( التحلى ) بالأخلاق الحسنة …

ومن هذه النقطة نستطيع أن نفهم الحديث الشريف عن النبى صلوات الله عليه وأله :

( الطهور نصف الأيمان )

أنه ليس المقصود به التطهير من النجاسات المادية بالغسل والوضوء فقط ، ولكن المقصود به ( التخلى ) عن كل القذرات المعنوية )
فإذا كانت الأخلاق بل الأيمان كله عبارة عن :
نصفه ( تخلي ) عن القذورات المعنوية كلها
ونصفه ( تحلي ) بالأخلاق الحسنة ..

عندها نستطيع أن نفهم الحديث الشريف : الطهور نصف الإيمان …