الوقت- تعرضت قاعدة التاجي العسكرية في شمال بغداد خلال الاسبوع الماضي لهجومين من قبل احدى الفصائل التابعة الى قوات الحشد الشعبي وفق بعض المصادر. وفي بداية الأمر وتحديدا في 11 مارس 2020، سقطت ما لا يقل عن عشرة صواريخ كاتيوشا على مواقع القوات الأمريكية والبريطانية مما أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين وجندي بريطاني. ورداً على هذا الهجوم الكبير، قصفت المقاتلات الأمريكية مطاراً مدنياً في كربلاء كان قيد الإنشاء بالاضافة الى قصف العديد من مقار تابعة للحشد الشعبي في صلاح الدين الأنبار في 13 مارس 2020.
وقالت وزارة الدفاع الأمريكية في بيان لها عقب الهجمات، إنها تهدف لردع وإنهاء القوة العسكرية لكتائب حزب الله في العراق حتى لا يتمكنوا من مهاجمة قواعدهم العسكرية مرة أخرى. ولكن، خلافا للتصورات الأمريكية ووسط تفاجئ المراقبين السياسيين، تم استهداف قاعدة التاجي العسكرية مرة أخرى من قبل مجاميع مسحلة في 14 مارس 2020. والملفت هو أن أبعاد الهجوم كانت أكثر شدة عن سابقاتها.
وفي الواقع، وبحسب بيان صادر عن قيادة العمليات العراقية المشتركة، تم إطلاق 33 صاروخ على مواقع وحدات الدفاع الجوية بالقرب من فريق التحالف الدولي في معسكر التاجي، مما أدى إلى جرح وإصابة عدد من قوات الدفاع الجوي تسببت لهم باصابات حرجة وخطيرة.
لكن السؤال الآن هو إلى متى ستستمر النزاعات بين الفصائل التابعة لقوات الحشد الشعبي والقوات الأمريكية، وما تأثير هذه التطورات على العملية السياسية في العراق؟
 
فتح باب الخروج لأمريكا
على عكس ما تصوره الأمريكيون في بداية الاحتلال العسكري للعراق، فإن العراق لم يتحول الى ساحة لزيادة قدرة امريكا السياسية والعسكرية في الجغرافيا السياسية في غرب آسيا، بل أصبح العراق أيضًا يشكل مأزقا لأمريكا في الساحة السياسية الخارجية. وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية الأمريكية اتجهت نحو المحيط الهادئ وشرق آسيا في السنوات الأخيرة، إلا أن العراق يعتبر المنطقة الوحيدة التي لا ترغب واشنطن في مغادرتها بسهولة.
ومع ذلك، فإن النقطة المهمة هي أن الأمريكيين يفتقرون الآن إلى الشرعية السياسية في المشهد السياسي العراقي، ومن ناحية أخرى، اكتسبت قوات الحشد الشعبي شرعية وشعبية كبيرة من خلال تحقيق إرادة الشعب العراقي، اي المكافحة لأجل طرد القوات الأمريكية من البلاد.
يخطط البيت الأبيض لشن هجمات على الحشد الشعبي في سياق تحليل المنافسة السياسية الداخلية في العراق، في حين يرى الرأي العام والعديد من النخب والتيارات السياسية، ان الهجوم الأمريكي يمثل انتهاك وعدم احترام للسيادة الوطنية العراقية وعامل مزعزع لاستقرار البلد. وعلى هذا الأساس، فإن جزءًا كبيرًا من المجتمع العراقي، الذي يعتبر الحشد الشعبي اللاعب الأبرز في دحر تنظيم داعش من البلاد والعقبة الرئيسية أمام ظهوره من جديد، يدعمون عمليات فصائل الحشد المناهضة للتدخل الأمريكي، الأمر الذي من شأنه ان يفتح الباب أمام خروج الاحتلال الأمريكي.
 
صراع أمريكا اللامتناهي في العراق
بعد قرار البرلمان العراقي الذي لا لبس فيه بضرورة خروج القوات الأجنبية، وخاصة الأمريكيين، من البلاد، أصبح خروج القوات الأجنبية الآن من أهم اهتمامات الحكومة العراقية المستقبلية، ويبدو من غير المرجح أن تقوم إدارة دونالد ترامب على المدى القصير بسحب قواتها من العراق وقد يستغرق خروج قواتها وقتًا طويلاً، لكن رغبة الولايات المتحدة في البقاء في العراق ليست كافية، ويجب أخذ إرادة الجهات المعادية للولايات المتحدة داخل العراق بعين الاعتبار.
وفي الواقع أن الموقف الحالي لفصائل الحشد الشعبي، يطالب بكل شجاعة ودون خوف، بخروج الولايات المتحدة من العراق، وفي هذا السبيل ستكون القواعد العسكرية الأمريكية وسفاراتها وقنصلياتها تحت مرمى نيران فصائل الحشد.
وبحسب الدستور العراقي فإن قوات الحشد الشعبي جزء من الجيش العراقي وبإمكانها أن تلعب دورًا حاسما في الدفاع عن اراضي العراق. لذا يمكن اعتبار هجمات الحشد الشعبي على الولايات المتحدة بمثابة نوع من المعركة بين الجيش العراقي والأمريكي. وفي مثل هذه الظروف، يمكن القول إن الأمريكيين دخلوا في نوع من الحرب التي لا نهاية لها والتي لن تؤدي إلى أي سيناريو سوى الخروج الأمريكي من العراق.

التكاليف الباهظة للأمريكيين في حال بقائهم في العراق

على صعيد آخر، من المؤكد أن البقاء الأمريكي في العراق سيكلف الإدارة الأمريكية كثيرا قياسا بأي وقت مضى. هذه التكاليف لا يمكن أن تكون اقتصادية وعسكرية فقط، وانما يواجه ترامب وإدارته حاليا سيناريو خطير يتعلق بحياة قواته في الأراضي العراقية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة انتقادات لدونالد ترامب في الولايات المتحدة والذي بدوره سيؤدي عن غير قصد الى إدخال الرئيس الأمريكي في عملية تغيير خطيرة قد تؤدي إلى انزلاق أمريكا في مستنقع محور المقاومة.

يبدو أن تحمل الجيش الأمريكي لتكاليف باهضة محتمل أيضًا في التطورات المستقبلية، ولكن لا ينبغي تجاهل أنه في الوضع الحالي، ليس للأمريكيين الوسائل والطرق الكافية للقضاء على قوات الحشد الشعبي، على عكس ادعاءات المسؤولين العسكريين الأمريكيين.
وخلافاً للادعاءات التي تشير الى عزم الولايات المتحدة على تدمير كتائب حزب الله العراقية وعصائب أهل الحق، وفصائل اخرى منضوية في الحشد الشعبي، فإننا نرى اليوم القوات العراقية تشن هجمات على مواقع واشنطن بمحمل الجد وبجرأة أكثر من أي وقت مضى.
لذلك بشكل عام، يمكن القول أنه على الرغم من التهديد الأمريكي ومزاعمهم حول إظهار القبضة الحديدية ضد كل ما يهدد وجودها ووجود قواتها ومقراتها ومصالحها في العراق، فإن المبادرة الآن بالكامل في أيدي المقاومة العراقية وسيكون البيت الأبيض طرفا يسعى في الأيام القادمة إلى إيجاد طريقة لوقف النزاع والحفاظ على أمن قواته.