المحور المصري:

واقعة عاشوراء، ملحمة كبرى دارت رحاها على أرض كربلاء في اليوم العاشر من محرم سنة 61 للهجرة. سقط فيها مجموعة من الشهداء وعلى رأسهم الإمام الحسين بن علي مع ابنين له أحدهما رضيع، وكذلك إخوته وبني إخوته وأبناء عمومته من بني هاشم، وعصبة من أصحابه، حين قرّروا البقاء مع الحسين ومنازلة جيش يزيد بن معاوية بقيادة عمر بن سعد.

وبعد أن انتهت المعركة سيق ركب النساء واليتامى أسارى إلى الكوفة ومنها إلى الشام، وفیهم الإمام زين العابدين وزينب بنت علي ، يتقدمهم رؤوس الشهداء على الرماح.

واقعة عاشوراء من أشهر الحوادث المأساوية في التاریخ وأكثرها إثارة؛ وجری فیها الإنتهاكات وهتك الحرمات، فكانت لها انعكاسات وأصداء واسعة، وقد صوّر الفن كل ذلك على شكل لوحات فنية، وأفلام ومسلسلات وخطته أنامل الشعراء والأدباء وأرباب المقاتل شعراً ونثراً.

وقد اعتنى الشيعة منذ العصور القديمة وبإيعاز واهتمام من أئمة أهل البيت، بإحياء تلك المناسبة على مدار السنة لاسيما خلال شهر يمحرم وصفر.

من العبارات المنقولة عن النبي الأكرم(ص) فيما يتعلق بالواقعة: «إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً»، كما وصف سبطه بـ«قتيل العبرة… الذي لا يذكره مؤمن إلّا بكى».

كلمة عاشوراء

عاشوراء: يوم سُمّي في الإسلام، ولم يُعرف في الجاهلية، وهو اليوم العاشر من المحرم.

بعد أن تمكّن عبيد الله بن زياد من السيطرة على الكوفة وهيمن على الواقع العسكري والإداري في البلد وتمكن من قتل الإمام الحسين(ع) وأصحابه في اليوم العاشر من شهر المحرم؛ وبعد أن حطّت الحرب أوزارها ساق النساء والأطفال أسارى إلى الكوفة وحبسهم هناك عدّة أيام، وبعد أن كتب إلى يزيد بن معاوية يعلمه الخبر بقتل الحسين  وأهل بيته وأصحابه، كتب إليه يزيد أن يحمل إليه في الشام الرؤوس والأسرى.

ومن هنا تحول هذا اليوم عند الشيعة إلى يوم حزنٍ وعزاء على استشهاد الإمام الحسين(ع)، والذي يعدّ أكبر مصيبة وقعت على آل الرسول، فاتخذه أعداء أهل البيت يوم فرح لهم، واتخذته الشيعة مأتماً ومواساةً لآل الرسول يبكون فيه القتلى. يضاف إلى ذلك اهتمام الشيعة بجميع وقائع ذلك اليوم وما سبقه وما تلاه من الوقائع من تمثيل بأجساد الشهداء وحرق للخيام وأسر للنساء والأطفال.

شهيد القلوب التي تخشع لمأساته، فإذا خشعت لها خشعت للحقائق التي حدثت تلك المأساة من أجلها وفي سبيلها.

المصيبة التي أدمت جميع القلوب

فالإنسان -أي إنسان- لا يملك عندما يستمع إلى قصة كربلاء إلا أن يخشع قلبه، فهذا الإنسان لابد أن يتأثر وهو يتصور دخول الإمام الحسين(ع) إلى كربلاء، وكيف أن القوم استضعفوه، واحتوشوه من كل مكان، وهم الذين دعوه ليكون إماماً وأميراً لهم، ولكنهم جندوا طاقاتهم ضده، وأرسلوا إليه ثلاثين ألفاً ليقتلوه صبراً، ولابد أيضاً من أن تخنق الإنسان العبرة وهو يجسد في ذهنه حالة السبط الشهيد في ليلة التاسع من شهر محرم عندما جلس ينعى نفسه قائلاً:

يا دهر أف لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديـــــل

وإنما الأمر إلى الجـــــليل وكل حي سالك سبيـــلي

إن القلب الذي لا يخشع لمثل هذا الموقف لابد أن يخشع لموقف آخر وهو موقف الحسين(ع) وهو يطلب من ذلك الجيش الهائل الماثل أمامه مهلة ليلة واحدة، فيرفضون هذا الطلب، في حين أنه عليه السلام لم يطلب تلك المهلة لكي يودع أهله فيها أو يتمتع بملاذ الحياة، بل لكي يصلي لربه، ويجدد عهده معه تعالى بالصلاة والقرآن.

وهكذا فكل موقف من مواقف الحسين(ع)، وكل مصيبة من صائبة تكفيان لإذابة الصخرة الصماء، فكيف بالقلوب؟ فإن لم تخشع للمآسي التي حدثت في يوم عاشوراء فهي خاشعة لا محالة للمأساة التي حدثت بعد عاشوراء؛ أي في اليوم الحادي عشر عندما مروا بآل البيت من الثكالى والأرامل على أجسام أعزتهن وهم مقطعون إرباً إرباً… وهكذا الحال بالنسبة إلى مصيبة السيدة زينب عليها السلام في الكوفة، وللمصائب التي نزلت على آل البيت في الطريق إلى الشام، وعند عودتهم إلى المدينة.

وعندما يقول الأئمة المعصومون الذين عصمهم الله من الدنس، وآمنهم من الزلل: «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله»، وعندما يقررون أن المصيبة التي حلت بالحسين(ع) لم تحل بأحد في التاريخ لا قبل ذلك اليوم ولا بعده فإنما يبينون بذلك حقيقة هامة أن الله تعالى قد هيأ هذه الفرصة لتخشع القلوب، وليهتدي الناس. فالهدف من كربلاء هو خشوع القلب، وسقوط تلك الحجب والتحصينات التي تصنعها النفس أمام التأثر بظواهر الحياة، فالقلب لا يهتدي إلا إذا خشع، وكيف يخشع وبينه وبين ظواهر الحياة حجب سميكة؟ ومثل هذا الخشوع لا يمكن أن يحصل إلا بمثل ظاهرة كربلاء، ولذلك أصبح البكاء قضية دينية في مثل هذه الحقيقة فالله تعالى يأمرنا بالصبر في كل مصيبة قائلاً: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )(الزمر/10) ، (وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا )(فصلت/35).

المصدر: الوفاف أونلاين

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here