إبطال شبهات الغربيين ضد القرآن والدين – السيد حسين الحيدري

أما الأجوبة التفصيلية عن كلِّ سؤالٍ طرحه في هذا الباب

سؤال1: قال: (رفع اسم إنْ: (إنْ هذان لساحران) … لماذا لم ينصب اسم إنّ فيقول: إنّ هذين لساحران، وليس إن هذان).

الجواب:

أولاً: إنّ حرف النون في كلمة (إنْ) في هذه الآية، ليس مُشدّداً بل ساكناً، فليس هي مِنْ الحروف التي تنصب الاسمَ وترفع الخبرَ، فلماذا تغافل عن ذلك؟

ثانياً: يُمكن أنْ تُعربَ (إنْ) في الآية نافية بمعنى (ما)، واللام بمعنى (إلا)، فيكون معنى الآية: (ما هذان إلا ساحران)، كما تقول: (إنْ أنتَ لرجلٌ)، وكقول الشاعر:

أمسى أبانٌ ذليلاً بعد عزته * وما أبان لَمِنْ أعلاج سودان

راجع المغني ج1 ص232 طبع المكتبة التجارية بمصر.

وثالثاً: لو فرضنا بأنّ (إنْ) في الآية مخففة عن (إنّ)، فعلماءُ النحو يقولون بأنها إذا دخلتْ على الجملة الإسمية، فإنه يكثرُ إهمالها وعدم عملها، ويلزم في حالة إهمالها لام الإبتداء، قال ابن مالك في ألفيته:

وخُفِّفتْ إنّ فقلَّ العملُ * وتلزمُ اللامُ إذا ما تُهملُ

راجع: شرح ابن عقيل ج1 ص377 طبع المكتبة التجارية بمصر.

سؤال 2: قال: (رفع المعطوف على المنصوب: (إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) لم ينصب المعطوف على اسم إنّ فيقول: (إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين) وليس الصابئون).

الجواب:

أولاً: لقد أخطأ الكاتب في أصل القاعدة، ففي كتاب سيبويه ص88 وغيره من كتب النحو، أنه يجوز رفع المعطوف على اسم إنّ المنصوب، وذكروا له أمثلة مِنْ لغة العرب، كقول الشاعر:

ومَنْ يكُ أمسى في المدينة رحله * فإني وقيارٌ بها لغريبُ

فـ (قيّارٌ) مرفوعٌ رغم أنه معطوفٌ على الياء المنصوبة في (إنّي)، لأنها اسم (إنّ).

ثانيا: لو تنازلنا له وقلنا بوجوب نصبِ المعطوف على اسم إنّ المنصوب، فنقول: لقد ذكر النحاة إعراباً آخرَ لِمثل هذا الاستعمال، ففي بيت الشعر قالوا: يمكن أنْ يكونَ (قيّارٌ) مرفوعاً على الابتداء، فيكون معنى البيت (فإنّي بها لغريبُ، وقيّارٌ كذلك)، وهكذا في الآية، حيث يكون معناها: (إنّ الذين آمنوا والذين هادوا مَنْ آمن بالله واليوم الآخر … والصابئون كذلك)، فالصابئون مبتدأ مرفوع. وهذا النوع من العطف، هو مِنْ باب عطف الجُملة على الجُملة، وليس مِنْ باب عطف المُفرد على المُفرد، ولكنْ بسبب جهل الكاتب باللغة العربية، خفيتْ عليه هذه المعاني.

ثالثاً: ذكر أهلُ البلاغة أنّ المتكلم إذا أراد أنْ يُنبِّه السامعَ إلى شيءٍ قد يخفى عليه لو قرأه بشكلٍ عابر وسريع، فإنّه يغيّر نسق الكلام، لكي يستوقفَ القارئ عند هذا التغيّر فيفكر في سببه، كما يُستعمل اليوم في الإعلانات مثلاً، بأنْ يضعوا اسم المُنتج في كلمة ملونةٍ وكبيرة أو مضيئة، مِنْ بين باقي العبارات الأخرى، لكي تلفتَ انتباه القارئ لها. وفي الآية المباركة أراد تعالى تنبيه القارئ إلى أهمية الإيمان والعمل الصالح، ودورهما في حصول الأمن مِنَ الخوف يومَ القيامة، فعلى الرغم مِنْ أنّ الصابئين أبعد مِنَ اليهود والنصارى عن حقيقة التوحيد، لِكونِ التحريف عند الصابئة أشدّ مما عند اليهود والنصارى، مع ذلك فإنّ مَنْ آمن مِنهم وعمل صالحاً فلا خوفٌ عليه في القيامة، وهذا سوفَ يُشجِّع الآخرين على الإيمان والعمل الصالح، حينما يرونَ أنّ مِثلَ الصابئة رغم إنحرافهم وبُعدهم، فإنه يُرجى لهم الخير، فكيف باللذين هم أقرب إلى الإسلام، لو آمنوا وعملوا الصالحات؟ وهذه الإشارة الجميلة في الآية المباركة، إنما حدثتْ بسبب تغيير نسق الإعراب في الصابئين، أمّا لو كانتْ على نسقٍ واحدٍ مع باقي المعطوفات، لانتفتْ هذه النقطة المهمّة والإشارة الجميلة في الآية الكريمة.

ثم إنّ باب الحذف كحذف كلمة (كذلك) هنا، هو بابٌ واسعٌ في علم البلاغة – كما ذكرنا سابقاً -، فكلما كان المحذوف لا يؤثر ذكره على معنى الكلام لدلالة المقام عليه، فإنّ حذفه أولى مِنْ ذِكره، إذ خيرُ الكلام ما قلّ ودلّ، لِذلك أوجبوا حذفَ أمورٍ، لأنّ دلالة المقام عليه لازمة، كحذف خبر المبتدأ قبل جواب (لولا) وغير ذلك.

ولو استقرأنا القرآن لوجدنا أنّ أيّ تغييرٍ في نسقِ الإعراب، يُشيرُ إلى حِكمةٍ خاصّةٍ ونكتةٍ بَلاغيةٍ لطيفة، كما في جواب إبراهيم ع، حينما دخل عليه الملائكة بهيئةِ ضيوف، فـ ﴿قالوا سلاماً قال سلامٌ﴾، والسببُ في تغيير إعراب (سلامٌ) الثانية إلى الرفع – كما يقول علماء البلاغة – هو أنّ الجملة الإسمية أقوى مِنَ الجملة الفعلية، لِدلالة الأولى على الثبوت والدوام، ودلالة الثانية على التجدُّد والحدوث فقط، فأرادتْ الآية الكريمة بهذا التغيير الإعرابي، توضيحَ حقيقةِ أنّ إبراهيم ع قام بردّ السلام بأحسن منه لا بمثله، لأنه لا ينبغي لِمثل الأنبياء أنْ يكتفوا بالواجب فقط، وهو ردّ السلام بالمثل، بل لابُدّ أنْ يتحلّوا بمكارم الأخلاق، فيأتوا بالأفضل دائماً، وهو هنا ردّ التحية بأحسن منها، ولو لم يُغيَّر نسق الإعراب في السلام الثاني، لما فهمنا منه هذا المعنى الجميل، وهكذا فإنّ كلَّ تغيير أو تقديمٍ أو حذفٍ في القرآن، فإنه إنما يشيرُ إلى نكاتٍ بلاغيةٍ رائعةٍ.

سؤال3: قال: (نصب الفاعل: ﴿ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾، لماذا لم يرفع الفاعل فيقول: لا ينال عهدي الظالمون، وليس الظالمين).

الجواب: وهذا الإعتراض ناشئٌ أيضاً عن جهل الكاتب باللغة العربية، فإنّ كلمة (نال) تأتي في اللغة العربية بمعنين اثنين:

الأول: بمعنى (حصل على)، ومنه قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البرَّ﴾ أي لن تحصلوا على البر، وكقوله تعالى: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ أي لم يحصلوا على الخير.

الثاني: بمعنى (وصل)، ومنه قوله تعالى: ﴿لن ينالَ اللهَ لحومُها﴾ أي لن تصل لحومها إلى الله، وكقوله تعالى: ﴿ولكنْ يناله التقوى منكم﴾ أي يصلُ إليه التقوى منكم.

وأمّا الآية التي أوردها هذا الكاتب، فإنَّ كلمة (نال) فيها بالمعنى الثاني وهو (وصل)، فيكون معنى ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ أي لا يصلُ عهدي الظالمين، فـ (عهدي) في الآية هو الفاعل، و(الظالمين) فيها هي المفعول، ولكنه لعدم اطلاعه الكافي على معاني (نال)، حصل لديه هذا الخلط والتخبّط، ولو أنه تتبع موارد استعمالها في القرآن الكريم فقط، لأدرك هذه الحقيقة بوضوح.