إبطال شبهات الغربيين ضد القرآن والدين – السيد حسين الحيدري

أجوبة الشبهات التي سماها بالأخطاء اللغوية

النقطة الثالثة: نحن نسأل كلَّ منصفٍ يحترمُ عقله: لو كان بإمكان العرب أنْ يأتوا بسورة مثل القرآن الكريم، لكي يُكذِّبوا دعوى النبي ص بأسهل طريقة، ويدحضوا حجته بأيسر وسيلة، وذلك بأنْ يجتمع فصحاؤهم، فيكتبوا سطوراً تشابه سورة قرآنية واحدة، وتنتهي المشكلة وتنحلّ المُعضلة، فلماذا لم يفعلوه رغم تحدّي النبي ص لهم باستمرار، بل استخفافه بعجزهم عن أنْ يأتوا بمثله، ثم تنازله لهم بأنْ يأتوا بعشر سورٍ مثله، وأخيراً رضي منهم أنْ يأتوه بسورة صغيرة واحدة مِنْ مثله، كي يتراجع النبي عن دعوته، فلماذا لم يفعلوا ذلك، وهم سادة البلاغة ورؤساء الفصاحة؟

بل اختاروا عِوَضاً عن ذلك، طريقاً صعباً ومسلكاً خطراً، وهو الحروب والقتال وشنّ الغارات تلو الغارات، رغم أنهم الخاسرون فيها جميعاً، حيث هلكتْ رجالهم وأموالهم، وتحطمتْ جيوشهم وتشتتْ جموعهم، وما انجلتْ الغُبرة عن تلك الحروب، إلا وهم أسرى وقتلى، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى، وأمامك كتب التاريخ والسير، فاسألها عن الحال واستخبرها عن المآل.. فعلى ماذا يدلنا ذلك؟

ألا يدلّ على عجزهم عن المجابهة بالألسن والعقول، حتى اختاروا المقارعة بالسيوف والنصول، ورضوا بالقتل والجراح بدلاً من الكلمات الفصاح، ولو كانوا هم المنتصرين، لاختلف الأمر بعض الشيء، ولكنهم كانوا فيها خاسرين مندحرين، لذلك بقيَ القرآن مُعجزةً تتحدى البشريّة على مرّ الدهور.

النقطة الرابعة: مِنَ المعلوم لكلّ دارس للغة العربية، أنّ قواعد النحو وضعتْ بعد نزول القرآن بزمنٍ طويل، على يد أبي الأسود الدؤلي، حيثُ أرشده الإمام علي ع إلى طريقة وضعه، قائلا له: (اُنحُ هذا النحو)، ولذلك سُمِّيَ بعلم النحو. راجع تاریخ الأدباء للأنباري و مقدمة شرح النهج للمعتزلي.

وكان السببُ الذي دعا أبا الأسود لِوضعه، هو تخوّفه مِنْ نسيان العربية، بسبب اختلاط الناس بالأعاجم، الذين دخلوا في الإسلام، واعتمد أبو الأسود في تأسيس قواعده على النصوص الموجودة بين يديه، مِنَ النثر والشعر العربي، وكان أهم مصدرٍ وأكبر مرجع اعتمد عليه في ذلك هو القرآن الكريم.

إذن فالقرآن هو إمامٌ للعربية، والدليلُ والمستندُ لِقواعدها، والسلطانُ الحاكمُ عليها، وليس العكس كما تصوّر هذا الكاتب المسيحيّ، لِجهله بالتاريخ الإسلامي، إذ تخيّل أنّ قواعد النحو كانتْ مدونة قبل نزول القرآن، ثم جاء القرآن فأخطأ – بزعمه – في تطبيقها، فكشف هذا الكاتب عن جهله بالتاريخ، كما كشف عن جهله بقواعد اللغة العربية وآدابها واستعمالاتها.

النقطة الخامسة: لو كان كاتب هذه الشبهات والتساؤلات صادقاً في البحث عن الحقيقة، لكان ينبغي عليه أنْ يكلف نفسه، ولو بالإطلاع على كتاب واحد في النحو كالمغني لابن هشام، وآخر في البلاغة كمختصر المعاني للتفتازاني، ليجد العربية بحراً واسعاً، ولوجد فيهما أجوبة وافية شافية عن كلّ سؤال طرحه هنا.

ولو اطلع – كما قلنا – على (مختصر المعاني)، لتعرّف على أساليب البلاغة المختلفة، كالتشبيه والاستعارة والكناية والالتفات والقلب والتورية والجناس والطباق، وأخيراً الحذف الذي يطال المسند تارة أو المسند إليه تارة أخرى، لأسبابٍ مختلفة وأغراض متنوعة مذكورة هناك، وسيجد الإجابة عن تساؤلاته التي تخيلها نقصاً، بينما هي مِنْ مُحسّنات الكلام.

فليس العيب في الماء الزلال إذا وجد المريض طعمه مُراً، ولا العيب في ضوء الشمس إذا أنكره الأعمى أو الأعشى، فالجواب الحقيقيّ الذي ينبغي أنْ يقال لكاتب هذه الشبهات: (حفظتَ شيئاً وغابتْ عنك أشياءُ).