إبطال شبهات الغربيين ضد القرآن والدين – السيد حسين الحيدري

أما تعاليم الإسلام خلال الحروب:

فمن تلك الأوامر الرائعة:

1 – لو بدأ الكفار بالقتال، ثم ندموا وأرادوا أنْ يصالحوا المسلمين، بعد أنْ بدأوهم بالقتال، فإنّ تعاليم الإسلام تأمر بأنْ يقبلوا مبادرة السلم والصلح تلك، قال تعالى: ﴿وإنْ جنحوا للسلم فاجنح لها﴾. سورة الأنفال: 61.

2 – ومن تلك الأوامر الراقية، أنّ النبي ص كان يوصي المجاهدين الذين يبعثهم للقتال بوصايا رائعة كقوله ص: (لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة). الكافي ج5 ص27 حديث 1، والتهذيب ج6 ص138 حديث 231، ورواه أبو داود في سننه، كما نقل عنه ابن قدامة في المغني ج10 ص542.

وفي بعض تلك الوصايا نهيٌ عن التعرّض للنساء وإنْ سبّوهم وشتموهم ووو …

3 – ومن تلك الوصايا الإنسانية في الحروب، عدم الإسراف في عقوبةِ مَنْ ارتكب جريمة بحقّ المسلمين، كما ورد ذلك في آيات كثيرة منها:

أ – قوله تعالى: ﴿وإنْ عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين﴾ النحل: 126.

ب – أو قوله تعالى: ﴿ذلك ومَنْ عاقب بمثل ما عوقب به ثمّ بُغيَ عليه لينصرنه الله إنّ الله لعفو غفور﴾ الحج: 60.

ج – أو قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ الشورى: 40، وغيرها مِنَ الآيات الكريمة.

د – أو قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يُسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ الإسراء: 33.

فإلإسلام يخيّر المسلمين بين القصاص والمقابلة بالمثل، أو العفو عن المسيء مع تحبيذه للعفو عنه.

4 – ومن تلك الوصايا الإسلإمية الراقية في الحروب، استقبال اللاجئ مِنْ مقاتلي العدو، ثم إسماعه كلام الله، ثم إرجاعه إلى مأمنه، دون إكراهه على اختيار البقاء في بلاد المسلمين، ولا إجباره على الدخول في الإسلام.

قال تعالى: ﴿وإنْ أحدٌ مِنَ المشركين استجارك فأجِرْهُ حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ التوبة: 6.

فأين تجدون مثل هذه التعاليم الإنسانية، في غيرالدين الإسلاميِّ العظيم؟

5 – ومنها عدم قتل الأسرى ومعاملتهم بالحسنى:

ألف – كان ص يقول: (استوصوا بالأسرى خيراً) فكان المسلمون يؤثرون الأسرى بطعامهم. تاريخ الطبري 2 / 159، والكامل لابن الأثير 2 / 131.

باء ـ ذكر القرآن في سورة ﴿هل أتى﴾، كيف أعطى أهلُ البيت عليهم السلام طعامهم لذلك الأسير المشرك، مع أنهم أقربُ الناس للقائد الإسلامي وهو النبيُّ ص، ورغم أنه أسيرٌ مُشركٌ جاء لمحاربة المسلمين، ورغم أنهم لم يأكلوا طعاماً لِمُدّةِ ثلاثة أيام، حيث كانوا يصومون فيها ويفطرون على الماء، لكنهم فضّلوا أنْ يُعطوا ذلك الأسير كلَّ طعامهم، وبقيَ أهلُ البيت ع جياعاً ذلك اليوم.

جيم ـ بل إنّ التعامل الإسلامي مع الأسرى بلغ أقصى غاية في النبل والصفح، حيث كان النبي ص يقول للأسرى: (مَنْ علم عشرة مِنَ المسلمين القراءة والكتابة، اُطلق سراحه). راجع المقريزي في إمتاع الأسماع ص119.

وهي أول دعوة لمحو الأميّة في العالم، سبق النبيُّ ص بها جميعَ الأمم المتحضرة، وهي تدلُّ على أنه لا حقدَ ولا انتقام، بل تعاملٌ بالإحسان والإكرام، واستغلالٌ لأدنى مناسبة، مِنْ أجل إصدار العفو عن الأسرى، الذين جاءوا لحرب المسلمين وقتلهم وإبادتهم، رغم أنهم عذَّبوا المسلمين في مكة، وأذاقوهم صنوفَ العذاب، وطردوهم مِنْ ديارهم وبلدانهم، وسلبوهم أموالهم وممتلكاتهم!

6 – بل إننا نجد قمّة الإنسانية في وصية الإمام علي ع بقاتله ابن ملجم، إذ أمر ولده الحسن ع بأنْ يُطعمه مِنْ طعامه، وأنْ يسقيه مِنْ شرابه. بحار الأنوار ج42 ص206 باب127 حديث10.

 بل الأعجب مِنْ ذلك أنه حرّضهم على العفو عنه قائلاً: (إنْ أبقَ فأنا وليُّ دمي، وإنْ أفنَ فالفناء ميعادي، وإنْ أعفو فالعفو لي قربة ولكم حسنة، فاعفوا واصفحوا ألا تحبّون أنْ يغفر الله لكم). بحار الأنوار ج42 ص206 باب127 حديث11، وشرح نهج البلاغة ج15 ص143، ولكن الجماهير الغاضبة أصرّتْ على القصاص.

ثم إنه ع قال لهم: (إنْ أردتم القصاص فضربةٌ بضربة ولا تمثلوا بالرجل). بحار الأنوار ج42 ص206 باب127 حديث10.

فهل تجد في الدنيا كلِّها مِنْ أولها لآخرها، شبيهاً بهذا الخُلق السامي النبيل؟

7 – بل إنّ مواقف الإمام علي ع لا تتحملها العقول، لولا أنّها رُويتْ عنه بكثرة، فقد قال له أحدُ المشركين في وسط المعركة: يا ابن أبي طالب هبني سيفك، فرماه إليه! فقال المشرك: عجباً يا ابن أبي طالب، في مثل هذا الوقت تدفع إليّ سيفك؟! فقال ع: (يا هذا إنك مَدَدْتَ يدَ المسألة إليَّ، وليس مِنَ الكرم أنْ يُرَدَّ السائل)، فرمى الكافر نفسه إلى الأرض وقال: هذه سيرة أهل الدين، فقبّل قدمَه وأسلم. مناقب آل أبي طالب ج2 ص358، والبحار ج41 ص69، وتاريخ اليعقوبي ج2 ص215.

8 – ومنها التوصية بالمحافظة على البيئة خلال المعارك، بالنهي عن قتل الحيوان أو تحريق الأشجار، أو إفساد الزروع والثمار، أو تلويث الآبار، أو هدم البيوت، ومنها قوله ص: (لا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تحرقوا زرعاً) الکافي5/29.

9 – ومنها التوصية بالمحافظة على الحريّة الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان وعدم التعرض لهم، قال ص: (لا تقتلوا النساء ولا أصحاب الصوامع). تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي ج9 ص66، وسنن البيهقي ج9 ص90.

10 – وأما عن الوفاء بالعهود بين المسلمين وأعدائهم، فأعظم قانونٍ يمكن تصوّره، نجده في عهد الإمام علي ع لمالك الأشتر، حيث أوصاه بعدم نكث العهود التي يُعطيها للأعداء، ويحثه على الوفاء بها، حيث يقول:

(وإنْ عقدتَ بينك وبين عدوك عُقدة، أو ألبسته منك ذمّة فحُطْ عهدَك بالوفاء، وارعَ ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جُنّة دون ما أعطيتَ، فإنه ليس مِنْ فرائض الله شيءٌ الناسُ أشدُّ عليه اجتماعاً، مع تفرّق أهوائهم وتشتت آرائهم، مِنْ تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرنّ بذمتك ولا تخيسنّ بعهدك ولا تختلنّ عدوَّك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهلٌ شقيٌ. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريماً يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه، ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل، ولا تعولنّ على لحنِ قولٍ بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيقُ أمرٍ لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإنّ صبرك على ضيق أمرٍ ترجو انفراجه وفضل عاقبته، خيرٌ مِنْ غدرٍ تخاف تبعته، وأنْ تحيط بك مِنَ الله فيه طلبة، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك). نهج البلاغة شرح محمد عبده، الكتاب رقم53 ج3 ص117.

والوفاء بالعهد بابٌ واسع جداً في الإسلام، ومصاديقه كثيرة جداً، وأشار القرآن له في آيات عديدة، سواء في حالتي السلم أو الحرب.

ويخطر في ذهني قصّة حذيفة بن اليمان وأبيه، حيث استوقفهم المشركون وهم في الطريق إلى نصرة النبي ص في معركة بدر، فأخذوا منهم عهداً أنْ لا ينصروا النبيَّ ص، فأعطوهم عهداً بذلك فأخلوا سبيلهم، فلمّا وصلوا للنبي ص أخبروه بالقصة، فأمرهم النبي ص أنْ يَفوا لهم بعهدهم، ولا يشاركوا في معركة بدر ضدّ المشركين، رغم أنّ عدد المشركين كان في تلك المعركة ثلاثة أضعاف المسلمين. وقد أشار لها الشيخ محمد حسن النجفي في جواهر الكلام ج21 ص302، والعلامة الحلي في منتهى المطلب ج2 ص979.

11 – ومن أهم وصايا الإسلام التي أكد عليها النبي ص والأئمة ع، نصرة المظلوم حتى لو كان كافراً، فقد ورد عن النبي ص قوله: (من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم). الكافي ج2 ص164، والتهذيب ج6 ص175، والوسائل ج15 ص141 حديث 20170.

وفي وصية أمير المؤمنين ع لولديه الحسن ع والحسين ع قال: (وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً) نهج البلاغة شرح محمد عبده ج3 ص76.

وفي كلتا الوصيتين لم يُحدِّدْ المظلوم بكونه مسلماً، بل هما مُطلقتان تشمل كلَّ مظلوم وكلّ مَنْ يستغيث بالمسلمين، سواء كان مسلماً أو كافراً.

بمثل هذه التعاليم الإسلامية الراقية، الموافقة للفطرة الإنسانية، والمقبولة لدى العقول السليمة، تقدّم الدين الإسلاميّ في كلِّ الميادين، وانتصر على أعدائه، وانتشر بين جميع الأمم، وليس بالسيف كما يزعمون.