المحور المصري:

في مساء يوم ٣ يوليو ١٧٩٨م، زحفت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على القاهرة، وسلكت طريقين أحدهما «بري» وسلكته الحملة الرئيسية؛ حيث تسير من الإسكندرية إلى دمنهور فالرحمانية، فشبرا خيت، فأم دينار (على مسافة ١٥ ميلًا من الجيزة)، وأما الطريق الآخر «فبحري» وتسلكه سفن الأسطول الخفيفة في فرع رشيد لتقابل الحملة البرية قرب القاهرة، وتكشف وثائق عن توصيف دقيق بقلم نابليون نفسه لبعض المعارك الحربية مثل معركة الرحمانية (رقم٤٦٢٦ بتاريخ ٢٠ يوليو١٧٩٩) ولم يكن طريق الحملة سهلًا إلى القاهرة، فقد لقي جندها ألوانا من المشقة والجهد، وقابلت مقاومة من قبل أهالي البلاد؛ فوقعت في ١٣ يوليو ١٧٩٨م أول موقعة بحرية بين سفن المماليك والفرنسيين عند شبرا خيت، وكان جموع الأهالي من الفلاحين يهاجمون الأسطول الفرنسي من الشاطئين، غير أن الأسلحة الحديثة التي كان يمتلكها الأسطول الفرنسي حسمت المعركة لصالحه، واضطر «مراد بك» قائد المماليك إلى التقهقر إلى القاهرة.. ثم التقى «مراد بك» بالفرنسيين عند منطقة إمبابة في ٢١ يوليو ١٧٩٨م، في معركة أطلق عليها الفرنسيون «معركة الأهرام»، وهناك قال لجنوده (إن كان لنا أن نثق في ذاكرة نابليون): «إن أربعين قرنا تتطلع إليكم» ومرة أخرى واجه الفرنسيون هذا الهجوم بطلقات المدافع والبنادق والحراب المثبتة فقتل سبعون فرنسيًا وألف وخمسمائة مملوك، وغرق كثيرون منهم فى النيل في أثناء هروبهم الطائش، وفي ٢٢ يوليو أرسلت السلطات العثمانية في القاهرة مفاتيح المدينة إلى نابليون ما يعني الاستسلام، وفي ٢٤ يوليو دخل نابليون المدينة البهية من غير أن يواجه مقاومة. وبالرغم من أن القوات المصرية كانت كبيرة لكن تسليحها لا يضاهى التسليح الفرنسي الحديث؛ فلقيت هزيمة كبيرة وفر «مراد بك» ومن بقى معه من المماليك إلى الصعيد، وكذلك فعل شيخ البلد «إبراهيم بك»، وأصبحت القاهرة بدون حامية، وسرت في الناس موجة من الرعب والهلع خوفًا من الفرنسيين.
دخل نابليون مدينة القاهرة تحوطه قواته من كل جانب، وفى عزمه توطيد احتلاله للبلاد بإظهار الود للمصريين وبإقامة علاقة صداقة مع الدولة العثمانية، وباحترام عقائد أهالي البلاد والمحافظة على تقاليدهم وعاداتهم؛ حتى يتمكن من إنشاء القاعدة العسكرية، وتحويل مصر إلى مستعمرة قوية يمكنه منها توجيه ضربات قوية إلى الإمبراطورية البريطانية.. وفي اليوم التالي لدخوله القاهرة وهو الموافق ٢٥ يوليو ١٧٩٨م أنشأ نابليون «ديوان القاهرة» وهو ديوان استشاري من تسعة من كبار المشايخ والعلماء ويرأسه الشيخ عبدالله الشرقاوي، لحكم مدينة القاهرة، وتعيين رؤساء الموظفين، غير أن هذا الديوان لم يتمتع بالسلطة النهائية في أي أمر من الأمور، وحتى نعرف غرض نابليون من هذا الديوان يظهر في وصيته لـ«كليبر» التي يقول فيها (إذا أردت أن تحكم مصر طويلا فعليك باحترام مشاعر الناس الدينية واحترام حرمات منازلهم) كما كان الغرض من مجلس القاهرة هو تفعيل الحياة المدنية بالمفهوم الحديث ومشاركتها جنبا إلى جنب مع الإدارة والسلطات الحاكمة في البلاد، وتوجد وثيقة برقم ٣٦١٨ بتاريخ ٤ نوفمبر١٧٩٨ يوقع فيها بونابرت على قرار عسكري بأن تدفع فرنسا رواتب شيوخ الديوان، وهم الشيخ إسماعيل البراوي والشيخ يوسف الموصلي والشيخ عبدالوهاب الشبراوي والشيخ سليمان الجوسقى والشيخ أحمد الشرقاوى، ويبدو أن هؤلاء لم يكونوا قد انضموا إلى علماء الديوان في تكوينه الأول، ومن القاهرة أصدر أوامره بأن تدار أمور مصر عن طريق دواوين عربية مكونة من المشايخ والعلماء يكون لها رأيًا استشاريًا للإدارة، لتعاون الإدارة في الحكم، ومنع جنوده من السلب والنهب وحمى حقوق الملكية الموجودة والذي تثبته عشرات الرسائل والأوامر بإعدام المجرمين وقطاع الطرق في القاهرة، وأيضا إعدام جنود فرنسيين ثبت إجرامهم في حق الأهالي، لكنه استمر في تحصيل الضرائب التي فرضها المماليك الغزاة على أهل البلاد لتمويل جيشه، وجلس مع الزعماء المحليين واعترف باحترامه للشعائر الإسلامية وإعجابه بالفن الإسلامي، وشهد أن لا إله إلا الله، وأصبح نابليون بونابرت حاكما مسلما اسمه «بونابردي باشا»، وكان يطلق عليه المسلمون اسم «على نابليون بونابرت»، وكان يرتدي الملابس الشرقية والعمامة والجلباب، وكان يتردد على المسجد في أيام الجمعة ويسهم بالشعائر الدينية التقليدية بالصلاة، وفي يوليو سنة ١٧٩٩م نُظم المعهد العلمي المصري من علماء مصر وعلماء الحملة، وكان العلماء هم الذين أعدوا الأربعة والعشرين مجلدًا ضخمًا التي مولتها ونشرتها الحكومة الفرنسية بعنوان «وصف مصر».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here