المحور المصري:

ظهرت ملامح شخصيته وكفاءته العسكرية مبكرًا فتفوق على المماليك الآخرين وظهرت مهاراته في ركوب الخيل ورمي الحراب والمبارزة بالسيف.
كما ظهرت مواهبه القتالية عندما ذهب الحجاز مع إبراهيم بك الذي كان يشغل وظيفة كتخدا الانكشارية ورئيس العسكر، وفي طريقهم هاجمهم قطاع طرق ولم يكن عسكر المحمل مستعدين، فتصدى وحده للعربان بشجاعة ومهارة كبيرة واستطاع أن يغلبهم ويشتت شملهم”، وهو ما جعل سيده يعتقه وهو لم يتجاوز العشرين، وولاه بعض المهام الإدارية.
وأصبح كاشفا “أميرا” سنة “1163 هـ – 1749 م” وله من العمر اثنين وعشرين عاما، ولما توفي أستاذه إبراهيم كتخدا سنة “1167 هـ – 1754 م” خلفه في منصبه “شيخ البلد”، إنه القائد المملوكي “علي بك الكبير” المولود سنة 1728م في مدينة أماسا في روسيا جنوب البحر الأسود الذي كان يتبع وقتها مناطق القوقاز العثماني.
كان “علي” في مهده طفلا مسيحيًا اسمه يوسف داود، نشأ في أسرة مسيحية أرثوذكسية وأبوه داود كان من رعاة الكنيسة.
وتميز “يوسف” في طفولته بالنباهة والشجاعة وكان أبوه يريده أن يكون رجل دين، اختطفه تجار الرقيق من أبيه القسيس الأرثوذكسي “داود” وباعوه في سوق الرقيق في القسطنطينية إلى كرد أحمد من كبار تجار الرقيق وجيء به سنة 1743 إلى الإسكندرية هو في سن الخامسة عشرة حيث بيع بثمن بخس إلى أخوين يهوديين كانا يديران الجمرك هما “أسحق ويوسف”، فأخذاه وأهدياه لأمير كبير معروف اسمه “إبراهيم بك كتخدا” ففرح به وأسماه “على” وعلمه القراءة والكتابة بالعربي والتركي ودربه على فنون الفروسية والحرب.
وتطلع “علي بك الكبير” إلى منصب شيخ البلد، وكان شاغله هو صاحب الأحوال والقوة في مصر والحاكم الفعلي لها، ولم يكن الوصول إلى هذا المنصب سهلا، بل كان دائمًا طريقه مفروشًا بالصعاب والعقبات وممتلئا بالخصوم والمنافسين، فبدأ علي بك بشراء المماليك والإكثار منهم وتدريبهم على فنون الحرب والقتال، والاستعداد للساعة الحاسمة التي يفوز فيها بالمنصب الكبير، وجاءت هذه الساعة في سنة “1177 هـ -1763 م”، حيث اعتلى كرسي مشيخة البلد بالقاهرة، لكنه لم ينجح في الاحتفاظ بمنصبه وأجبره خصومه على الفرار من القاهرة إلى الصعيد تارة وإلى الحجاز تارة وإلى الشام تارة أخرى.
ولم يثنه ذلك عن التطلع إلى منصب شيخ البلد مرة ثانية، فلم يقعد به اليأس عن العمل أو يشله عن التفكير، حتى استطاع العودة إلى منصبه الأثير سنة “1181 هـ – 1767 م” وهو أعظم قوة وأكثر عددا، ولما استتب له الأمر التفت إلى من بقي من خصومه فصادر أموالهم وقتل بعضهم أو نفاهم حتى خلا له الجو وبسط سيطرته على البلاد، ولم يسلم من هذه الإجراءات من قدموا له العون والمساعدة فبطش ببعضهم ونفاهم إلى خارج البلاد.
واتسمت إجراءات علي بك الكبير مع خصومه بالقسوة حتى وصفه “الجبرتي” بأنه هو الذي ابتدع المصادرات وسلب الأموال من مبدأ ظهوره، واقتدى به غيره، وكان أداته في هذا الشأن عدد من أتباعه أشهرهم “محمد بك أبو الدهب” و”أحمد الجزار” و”مراد بك” و”إبراهيم بك”.
استغل علي بك الكبير فرصة انشغال الدولة العثمانية في حربها مع روسيا، ولم تكن نتائجها في صالح العثمانيين الذين منوا بخسائر فادحة، فاستصدر أمرا من الديوان بعزل الوالي العثماني، وتولى هو منصب القائم مقام مصر بدلا من الوالي المخلوع، وذلك في “غرة شعبان 1182 هـ – 11 من ديسمبر 1768م”.
وأتبع ذلك بمنعة قدوم الولاة الأتراك إلى القاهرة، فلم ترسل الدولة أحدا منهم على مدار 4 سنوات، كما أوقف إرسال الأموال المقررة سنويًا على مصر إلى الدولة العثمانية ابتداء من سنة “1182 هـ = 1768م”، وفي أثناء ذلك نجح في أن يسيطر على أحوال مصر، في الوجهين البحري والقبلي، وأن يقضي على الفتن هناك.
ولم يكتفِ علي بك الكبير بأن بسط نفوذه وسلطانه على مصر، فرنا ببصره إلى خارجها وتطلع إلى ضم الحجاز، وانتهز علي بك فرصة النزاع الذي دار بين اثنين من أشراف الحجاز حول الحكم، فتدخل لصالح أحدهما وأرسل حملة عسكرية يقودها “محمد أبو الذهب” في “صفر 1184 هـ – يونيو 1770 م” إلى هناك فنجحت في مهمتها، ونودي بعلي بك الكبير في الحرمين الشريفين سلطان مصر وخاقان البحرين، وذكر اسمه ولقبه على منابر المساجد في الحجاز كلها.
وشجع نجاح حملة الحجاز علي بك الكبير على أن يتطلع إلى إرسال حملة إلى بلاد الشام منتهزا سوء أحوالها وتعدد طوائفها، واستنجاد صديقه والي عكا ظاهر العمر به الذي نجح في أن يمد نفوذه في جنوب سوريا، وكان هو الآخر يسعى إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية.
ورحل علي بك الكبير عن عالمنا في مثل هذا اليوم 8 مايو عام 1773م.
المصدر: البوابة نيوز

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here