المحور المصري:

أصيب الكاتب الصحفى، أحمد بهاء الدين، بانفعال شديد أثناء مشاهدته عمليات غزو العراق للكويت على شاشات التليفزيون يوم 2 أغسطس 1990، فأصيب بنزيف فى المخ جعله طريح الفراش حتى مات يوم 24 أغسطس«مثل هذا اليوم 1996»،عن 69 عاما وستة شهور«مواليد 11 فبراير 1927».
 قدم«بهاء»تجربة صحفية ملهمة فى تاريخ الصحافة العربية،وذلك منذ أن«نشر عام1947 وهو فى سن العشرين أول مقال له بمجلة«الفصول»التى يصدرها محمد زكى عبد القادر،وسرعان ما أصبح المسؤول الأول عنها»،حسب رشاد كامل فى كتاب«أحمد بهاء الدين وروزاليوسف»، مضيفًا:«تكرر نفس الشىء مع مجلة«روز اليوسف» فى شتاء سنة 1952 عندما ذهب إلى دار المجلة وترك مع البواب مقالة عن ميزانية الحكومة،فيحتفى به«إحسان عبد القدوس،وينشره دون سابق معرفة شخصية،ليصبح «بهاء» واحدا من أهم أعمدة المجلة،وسرعان ماتسند إليه السيدة «روزاليوسف»رئاسة تحرير مجلة«صباح الخير منذ عددها الأول فى 12 يناير 1956،ولم يكن تجاوز عمره وقتها 29 عاما،ويتوالى مشوار التألق والنجاح بعد ذلك فى جريدة«الشعب»إلى«أخبار اليوم»و«دار الهلال»ومؤسسة الأهرام».
عاش «بهاء» تجربته الصحفية يقظ الضمير،موهوب القلم،يكتب ما يؤمن به،يخوض معاركه من أجل الحق والخير والجمال والعروبة،وفى القلب منها قضية فلسطين التى شهدت شراءه صفحة بجريدة الأهرام من ماله الخاص خصصها للاحتجاج على ماسماه«جريمة العصر»،وكانت عن سماح الاتحاد السوفيتى لأعداد كبيرة جدا من اليهود السوفيت بالهجرة إلى إسرائيل، وجمع توقيعات عليها من السياسيين والكتاب والمثقفين والشخصيات العامة.
 آمن بمشروع جمال عبدالناصر لكنه حين كان نقيبا للصحفيين جمع مجلس النقابة فى 28 فبراير عام 1968، وأصدر بيانا يطالب فيه بإلغاء الرقابة على الصحف وتوسيع الحريات،وحسب محمد توفيق فى كتاب«ملك وكتابة»:«رفض عبدالناصر اقتراحا باعتقاله، قائلا:«لا تقبضوا عليه ده أحمد بهاء الدين وأنا عارفه..مخه كده»،ومع حملة الهجوم الضارية على عبدالناصر بعد رحيله،كتب مقاله الشهير دفاعا عنه بعنوان«موتوا بغيظكم»..ورغم علاقته الشخصية مع الرئيس السادات وكتابته لبعض خطبه السياسية فى منتصف السبعينيات،إلا أنه عارضه بشراسة فى سياسة الانفتاح الاقتصادى،وأطلق عليه«انفتاح السداح مداح»،وعارضه فى مساره الديمقراطى وانحيازاته الاجتماعية،ورفض وصفه لمظاهرات 18 و19 يناير بـ«انتفاضة الحرامية»،وكذلك رفضه لاعتقالات 5 سبتمبر 1981..«كتاب محاوراتى مع السادات».
هو بوصف جلال أمين فى كتاب «أحمد بهاء الدين.. باقة حب«الذى ساهم فيه كتاب ومثقفون وأصدرته«الهيئة العامة لقصور الثقافة–القاهرة 1995»:«جمع بهاء بين مجموعة صفات يندر جدًا اجتماعها فى شخص واحد،ذكاء فطرى حاد،وقدرة فائقة على الربط بين النظرية والواقع،فلا تبقى النظرية فى واد والمشكلات الواقعية فى واد آخر،وشجاعة عقلية لاتقبل الاحتفاظ فى الذهن، بما يثبت له خطأه،وحس أخلاقى رفيع، وأسلوب صافٍ خال من الشوائب،يذهب إلى الهدف مباشرة،وقدرة عالية على التمييز بين المهم وغير المهم،وعلى ترتيب الأولويات ترتيبا صحيحا،وواقعية تجعله يرفض الاسترسال فيما لايرجى منه خير،وتعاطف قوى مع صغار الناس والمغلوبين على أمرهم،بالإضافة إلى هذا كله لايبالغ فى تقدير نفسه».وبوصف رشاد كامل:«ظاهرة صحفية يندر أن تتكرر..مقالات بها دروس فى فن الكتابة الراقية والمحترمة التى تخاطب العقول لا الغرائز سواء فى السياسة والاقتصاد أو الفن أو الأدب،كانت مقالاته بمثابة«كلام من دهب».
 اعتلت صحته من تفاعله مع القضايا الوطنية والقومية، ولم يكن غزو العراق للكويت النموذج الوحيد فى ذلك،فحسب الكاتب الصحفى نبيل زكى فى كتاب«أحمد بهاء الدين–باقة حب»:«عندما أصيب لأول مرة بجلطة فى المخ،كان السبب أنه قرأ فى صحيفة«أخبار اليوم»فى السنوات الأخيرة لعهد السادات عن ضبط مؤامرة واسعة ضد نظام الحكم،وقرأ كلاما عن اتصالات بجهات أجنبية،وأسماء عدد من المثقفين والصحفيين المصريين بينهم معارف وأصدقاء يعرفهم حق المعرفة،ويعرف بطلان الاتهامات الموجهة إليهم..ويصف بهاء وقع هذا النبأ فى نفسه فيقول:«أذكر تماما،كيف زلزل هذا الخبر كيانى وأنا أقرأه ذلك الصباح،وسألت نفسى:كيف استمر فى المساهمة فى الحياة العامة وفى منصب مسؤول،ولومعنويا،إذا كانت هذه مقدمات لما قد نواجهه»..يضيف زكى:«فى الولايات المتحدة قال له الأطباء:«إن نجاتك هذه المرة كانت أمرا لايتكرر،وعليك أن تتجنب تكرارها بكل وسيلة،مهنة الصحافة فى منطقتكم من العالم لاشك قاتلة».
اليوم السابع

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here