المحور المصري:

اعتذر جمال عبد الناصر عن زيارة موسكو، وذلك بعد نكسة 5 يونيو 1967، وفقًا لتأكيد محمود رياض، وزير خارجية مصر وقتئذ، قائلًا فى مذكراته «البحث عن السلام.. والصراع فى الشرق الأوسط»: «طلبنى أن أبلغ السفير السوفيتى بأنه لا ينوى الذهاب إلى موسكو فى الوقت الحاضر، والأفضل من الوجهة السياسية حضور أحد القادة السوفيت، فالتقاليد جرت فى مصر على أنه إذا حل مكروه بشخص فإن الأصدقاء هم الذين يفدون إلى داره للوقوف بجانبه، وهكذا حضر الرئيس السوفيتى بودجرنى إلى القاهرة بعد ظهر 21 يونيو«مثل هذا اليوم 1967».
يشير محمد حسنين هيكل، فى كتابه «الانفجار» إلى سوء فهم بدأت به الزيارة، ففى يوم وصول بودجرنى، بعث «مراد غالب» سفيرنا فى موسكو ببرقية شفرية كشف فيها أنه قابل «كوزينتسوف» نائب وزير الخارجية السوفيتى، الذى قال إن نشر خبر الزيارة سبب حرجا كبيرا للسوفيت، فكان من المفروض أن تبقى سرية حتى يتم الاتفاق على إذاعتها، وكذلك أذاعت القاهرة من جانب واحد خبر وجود الماريشال زخاروف رئيس أركان حرب القوات المسلحة السوفيتية فى القاهرة، وكان من المصلحة عدم إذاعة الخبر إطلاقًا فى هذا الوقت، ولو أن من المحتمل أن تعلمه المخابرات الغربية، إلا أنه كان من الأحسن ترك الدوائر الغربية تخمن سبب زيارته.
أقام عبد الناصر فى منزله حفل عشاء لبودجرنى مساء «21 يونيو 1967»، ووفقًا لرياض: «تحدث بودجرنى عن وقوف الاتحاد السوفيتى والدول الاشتراكية بجانب مصر والدول العربية لإزالة آثار العدوان، وأشار إلى أهمية تحقيق ذلك عن طريق الحل السلمى، ووافقه عبد الناصر، لكن قال إن ذلك يتطلب تحقيق توازن عسكرى مما يستلزم سرعة دعم الجيش المصرى بالأسلحة والخبراء الروس، خاصة فى مجال الدفاع الجوى»، ويذكر هيكل، أن الاجتماع الأول بدأ بشكوى مما اتبعه الرئيس الجزائرى هوارى بومدين فى محادثاته بموسكو، ورد عبد الناصر بأنه عرف بالطريقة الغاضبة التى تصرف بها بومدين، وأن المشاعر التى عبر عنها هى مشاعر كثيرين فى العالم العربى، ولو أن الاتحاد السوفيتى دقق جيدًا فيما تعنيه هذه المشاعر لعرف أنها دليل ثقة كانت معلقة على صداقته، ونتيجة رغبة فى إعادة تأكيدها على أساس جديد.
يكشف «هيكل» أصل القصة، مشيرًا إلى أن عبد الناصر طلب من بومدين زيارة موسكو ليعرف نوايا السوفيت فى المرحلة المقبلة، وبدأت الزيارة يوم 12 يونيو 1967، ويؤكد هيكل، أن بومدين طلب من سفير بلاده فى موسكو إبلاغ السلطات السوفيتية بأنه لا يريد أثناء الزيارة حفلات تكريم على غذاء أو عشاء، ويعتذر عن أى مناسبة اجتماعية، وفى اجتماعه بالقادة السوفيت انتقدهم بعنف، قائلًا: «أنتم تتصرفون بأقصى درجات الضعف، والآخرون «أمريكا» يتصرفون بأقصى درجات القوة»، فقاطعه رئيس الوزراء «كوسيجين»: أن الاتحاد السوفيتى لا يتصرف بضعف» فرد بومدين:«بل تتصرفون بمنتهى الضعف،إذا كنتم تتصورون أننى جئت إلى هنا لكى أجاملكم فإنى لن أفعل ذلك، والحقيقة أننا لسنا وحدنا الذين هزمنا، وإنما أنتم هزمتم فى نفس الوقت معنا بل قبلنا، وإذا كنتم لا ترون أن ميزان القوى العالمية قد تحول لصالح الناحية الأخرى فهذه مصيبة، وإذا كنتم ترون ولا تفعلون شيئًا فهذه مصيبة أكبر، وأنتم أكثر من غيركم تعرفون الدور الذى قام به الأمريكيون مع إسرائيل».
رد«كوسيجين»:«هل تريدنا أن ندخل حربا نووية؟، وتدخل بريجنيف سكرتير الحزب الشيوعى السوفيتى مناديا بومدين بالرفيق، وقال:«إن الاتحاد السوفيتى لم يكتف بالبيانات والمقالات وإنما قدم لأصدقائه العرب ما يحتاجون إليه من سلاح ولكنهم لم يحسنوا استعماله»،وفقد بومدين أعصابه، قائلًا: «ليكن، نحن لا نحسن غير أن نسوق الجمال ولا نعرف كيف نقود الطائرات الحديثة،فتعالوا أنتم وأرونا ما تستطيعون عمله»،ثم أضاف أن معلوماته كلها تؤكد أن السلاح الإسرائيلى كان متفوقا فى الكم والعدد،وقال كوسيجين:«حاولنا أن نستجيب لطلباتكم وقدمناها لكم بأسعار مريحة،بل إنكم لم تسددوا حتى ربع تكاليف ما حصلتم عليه،فاستبد الغضب ب«بومدين»قائلًا،إنه كان يتخوف من هذه اللحظة فاستعد لها بأن طلب من وزير المالية تحويل 100 مليون دولار لصالح وزارة الدفاع السوفيتية،ثم أخرج بومدين الصك بالمبلغ من ملف أمامه،واحمر وجه كوسيجين، قائلا:«لست تاجر سلاح حتى تعاملنى بالشيكات،ورد بومدين:«أنا لم أبدأ ولكن أنت تحدثت عن نصف وربع الثمن»،يؤكد هيكل أن الجو تكهرب، وطلب«بريجينف»رفع الجلسة للاستراحة،وانتهت زيارة بومدين بقرار القيادة السوفيتية بأن ترسل«بودجرنى»إلى المنطقة،فجاء إلى مصر يوم 21 يونيو 1967.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here