المحور المصري:

توجه الدكتور وديع حداد، أحد أبرز القيادات التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بسؤال إلى المناضلة الفلسطينية ليلى خالد: مستعدة تموتى؟. أجابت: بالطبع فالفدائى مستعد دومًا للموت. سألها: ليس هذا هو المطلوب.. مستعدة تنحبسى؟. أجابت: أجل سألها: أيضًا ليس هذا هو المطلوب، مستعدة تشاركى بخطف طائرة؟..ضحكت وهى تجيب: أنا على استعداد للقيام بأى عمل.
تتذكر ليلى ما جرى فى عام 1969 فى حوارها للصحفى وسام الخطيب، ضمن ملف «ذكريات مع وديع حداد–مجلة الآداب–دار الآداب بيروت».. كان «حداد» ابن 42 عاما وقتئذ «مواليد 1927 بصفد الفلسطينية»، وكانت ليلى ابنة 25 عاما «مواليد 1944 حيفا الفلسطينية»، وتحلم بأن يكون لها بصمتها فى النضال الفسطينى، وتشير فى حوارها إلى أنها التقت بحداد أول مرة عام 1959: «كان يأتى إلى بيروت لإدارة المعركة الانتخابية لمرشح «حركة القوميين العرب» المناضل الراحل محمد زيات، التقيته آنذاك لأول مرة، ووزعت المنشورات الانتخابية، علمًا أنى لم أكن انتظمت فى صفوف الحركة بعد، وكنت أحضر الاجتماعات التى تعقد برئاسة وديع فى بيتنا».
تكشف: «كان لقاؤنا الثانى بعد ذلك بسنين، وهو فعليًا اللقاء الأول بعد انتظامى فى صفوف «الحركة» ومن ثم فى الجبهة الشعبية فى فبراير 1968. قدمت إلى لبنان من الكويت، حيث كنت أعمل مدرسة، وطلبت الاجتماع به، أخبرته عن رغبتى فى تلقى التدريبات العسكرية. رفض، وطلب منى العودة إلى الكويت، وتنظيم عشرة أفراد من المدرسة التى أعمل فيها، وبعد ذلك سننظر فى أمرك، أغضبنى رده، لكننى عدت إلى الكويت وضاعفت الجهد فى تلك السنة، وتمكنت من تنظيم عشرين فردا بدلا من عشرة»، ثم جاء لقاؤهما سنة 1969، أخبرته أنها تمكنت من تنظيم ضعف العدد الذى طلبه منها، إضافة إلى جمعها التبرعات، وكررت طلبها، فوافق، ثم توجه بأسئلته إليها، وكانت إجابتها مدخلا إلى حدث يوم 29 أغسطس «مثل هذا اليوم» عام 1969 الذى هز العالم.
كان «حداد» رائدا لعمليات خطف الطائرات منذ نهايات ستينيات القرن الماضى كوسيلة تعبير عن النضال الفلسطينى منذ نهايات ستينيات القرن الماضى، وبذكائه وجد فى ليلى ما يصبو إليه فاستدعاها، تتذكر: «فى صيف «1969» استدعانى إلى الأردن، كان اللقاء فى بيته، وغرفه كلها مغلقة، ولم يكن هناك مكان لعقده سوى فى المطبخ، سألته عن سبب اختيارى لخطف طائرة، فأجابنى: لأنى أعرفك، أنا أعرف الشخص من عينيه، إن كان مستعدا للموت أم لا، ولهذا سألتك تلك الأسئلة التى كنت تجيبين عنها بشكل تلقائى وبلا تردد». تضيف: «الحق أن وديع كان يعرفنى جيدا منذ صغرى، لمعرفته بعائلتى».
كانت العملية هى خطف طائرة الركاب الأمريكية فى الرحلة «840» التى ستقلع من لوس أنجلوس إلى تل أبيب مرورًا بروما، وحسب غسان شربل فى كتابه «أسرار الصندوق الأسود»: «كانت أول عملية خطف بقيادة امرأة فلسطينية وأعادت التذكير بأول شهيدة للجبهة الشعبية شادية أبو غزالة التى انفجرت بها قنبلة فى 21 نوفمبر 1968 كانت تصنعها للجبهة».. تؤكد «ليلى» كما روت فى شهادتها لوسائل إعلامية عديدة، أن حداد اختارها وسالم العيساوى لتنفيذ العملية، وتلقت تدريبًا مكثفًا فى الأردن ولبنان، بإخضعها لاختبارات الصبر والتحمل، كبقائها فى شقة بلا ماء ولا طعام مدة يومين، وتدرب العيساوى على استخدام السلاح والاطلاع على مفاهيم للملاحة الجوية الضرورية لتسيير الرحلة، وكذلك هى، وتؤكد أن حداد استقطب أشخاصا مختصين بالطيران لتجهيزهما للعملية، وتقول: «كنا نقرأ طويلا عن الطيران والطائرات».
استقل الاثنان الرحلة من روما مصحوبين بمسدس وقنابل، وصعدا فى قمرة القيادة، وبعد نصف ساعة اقتحما «القمرة» وأشهرا أسلحتهما فى وجه طاقم القيادة «ثلاثة أمريكيين»، وطلبا منهم تنفيذ أوامرهما.. كانت الطائرة تحلق فوق البحر المتوسط بالقرب من اليونان.استلمت ليلى سماعة ربان الطائرة وخاطبت برج المراقبة: «هنا رحلة الجبهة الشعبية.. فلسطين حرة عربية»، وأمرت القائد بالتوجه إلى فلسطين، وكان «العيساوى» يقوم بتأمين القمرة، وعند دخول الطائرة المجال الجوى الإسرائيلى أحاطت مقاتلات إسرائيلية بالطائرة،وخاطبتهم ليلى: «الجبهة الشعبية ..فلسطين حرة عربية»، كانت بذلك تجبرالمراقبة الجوية الإسرائيلية بترديد ما تقوله طبقًا لقوانين الملاحة الدولية التى تلزم المراقبة بترديد التسمية التى ترده من الطائرة، لتأكيد سماعه لها وإدراجها فى مخطط الطيران العام فى المجال الجوى الذى تحلق فيه، سبها المراقبون الإسرائيليون غضبًا فكانت ترد: «رغم أنوفكم ستكررونها».
اقتربت الطائرة من مطار تل أبيب، وكان على أرضيته حشد من الجنود الإسرائيليين للتعامل مع الموقف، فأمرته ليلى بالتوجه إلى حيفا والتحليق فوقها على علو منخفض لترى والعيساوى بلدتهما بعد سنوات طويلة من تهجيرهما عنوة منها، وبعد ذلك توجهت الطائرة إلى دمشق وهبطت فى مطارها ونزل ركابها الـ116 وتم تفجيرها، واعتقلت السلطات السورية الخاطفين، ليخضعا لتحقيق قاسى ظنًا من سوريا أن مصر تقف وراء الحدث لإحراجها دوليًا، ونفت ليلى والعيساوى ذلك.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here